Popular Now

حتى لا يكون “السافنا” آخر المنشقين .. د.أمينة العريمي .. باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(2) العقوبات والحصار الاقتصادي .. كيف تحولت الأدوات الاقتصادية إلى سلاح لإعادة تشكيل الأنظمة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملك والزيف والضلال (( Donald Trump is the King of Falsehood )) .. د. بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | السودان… أزمة اللغة .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست المشكلة في السودان أن الناس لا تعرف ما يحدث، بل إن كل طرف يملك لغةً تُعيد تشكيل ما يحدث وفق ما يريد له أن يُفهم.

وهنا تكمن الأزمة الأخطر حين تتحول اللغة من وسيلة لفهم الواقع إلى وسيلة لصناعة واقعٍ بديل.
في السودان، كثيرٌ مما يُقال لا يشرح الحقيقة، بل يُعيد ترتيبها، يقتطع أجزاءً منها، يعزلها عن سياقها، ثم يقدمها كأنها الحقيقة الكاملة التي وُلدت هكذا بلا مقدمات، ولا جذور ولا مسارات.
ولهذا لم يعد النقاش يدور حول الوقائع نفسها، بل حول “صياغتها”.
○ من يملك اللغة الأكثر إقناعاً؟
○ من يستطيع أن يجعلك تشعر بأنه “يفهم أكثر من الآخرين”؟
○ من يملك القدرة على تحويل التعطيل إلى إجراءات، والمماطلة إلى التزامٍ قانوني، وإضاعة الحقوق إلى “مسار إداري” طويل؟
وهنا يبدأ أصل القضية.

الحيلة اللغوية كبديل عن الفعل:
في السودان، كثيراً ما تتحول الكلمات إلى غطاءٍ للفشل لا إلى تفسيرٍ له.
تسمع من يقول لك: “نحن نتبع الإجراءات”.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد إجراءات؟
بل: هل تُستخدم الإجراءات لتحقيق العدالة أم لتعطيلها؟
لأن بعض المؤسسات لا تستخدم القانون لحماية الحقوق، بل تستخدم اللغة القانونية لتأجيل الحقوق حتى يفقد الناس قدرتهم على المطالبة بها.
وهنا يصبح المواطن أمام متاهة من المصطلحات واللوائح والتفسيرات، بينما الحقيقة البسيطة تضيع هل أُنجز الحق أم لا؟
إن أخطر ما فعلناه خلال سنوات طويلة أننا سمحنا للغة أن تصبح بديلاً عن الفعل، وبديلاً عن المسؤولية، وبديلاً عن الاعتراف بالفشل.
نحن لا نحلل التراكمات… بل نستهلك النتائج
ما الذي استفدناه من تراكم الماضي؟
هل تعلمنا كيف تتشكل الأزمات؟
أم أننا فقط ننتظر انفجارها ثم نبدأ في تبادل الاتهامات؟
المشكلة في السودان أننا نتعامل دائماً مع “النتيجة” بينما نهمل “المسار”.
– ننظر إلى الانهيار بعد وقوعه لكننا لا ندرس كيف تراكمت أسبابه عبر الزمن.
– نناقش الفقر… دون تحليل بنية الاقتصاد.
– نناقش الفساد… دون تفكيك العلاقة بين السلطة والمحاسبة.
– نناقش ضعف الدولة دون فهم طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن منذ الاستقلال.
ولهذا نظل ندور داخل الحلقة نفسها، لأننا نواجه النتائج بينما نترك المصانع التي تنتجها تعمل بلا توقف.

الكلمة… حين تُفصل عن تكوينها:
نحن نأخذ الكلمة وننسى تكوينها. نستخدم مفاهيم مثل الوطن، الدولة، الثورة، العدالة، الحرية، الشرعية ، لكننا نادراً ما نسأل كيف تشكلت هذه المفاهيم داخل وعينا السوداني؟ وما الذي حوّلها إلى شعارات أكثر من كونها بنية عملية للحياة؟
حتى “السوداني” نفسه…
هل هو مجرد حاملٍ لجنسية؟
أم إن معنى أن تكون سودانياً يرتبط بعلاقة متوازنة بين الحقوق والواجبات والانتماء والمسؤولية والقدرة على العيش داخل مشروعٍ وطني جامع؟
هذا السؤال ظل معلقاً لعقود، لأننا انشغلنا بإدارة الصراع أكثر من انشغالنا ببناء المعنى.

شجرة التفاح والصحراء:
نحن في السودان نريد أن نزرع الصحراء بشجر التفاح.
نأخذ نموذجاً سياسياً أو إدارياً أو اجتماعياً، ثم نغرسه في بيئة لم تُهيأ له أصلاً، وبعد ذلك ننتظر المعجزة إما أن تتحول الصحراء فجأة إلى بستان، أو تموت شجرة التفاح، ثم يبدأ الجميع في التساؤل بدهشة:
لماذا ماتت؟
والإجابة بسيطة لكنها مؤلمة لأننا تعاملنا مع النتيجة ولم نهتم بالشروط التي تُنتجها.
لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية الغنيمة.
ولا يمكن صناعة عدالة بثقافة الانتقائية.
ولا يمكن إنتاج مواطنٍ مسؤول داخل بيئة تكافئ الانتهازية وتُعاقب الكفاءة.

ما نحتاجه ليس قراراً فقط:
السودان لا يحتاج إلى قرارات أكثر بقدر ما يحتاج إلى فهمٍ أعمق.
فهم للتراكمات، للعلاقات المختلة، للغة التي نصنع بها وعينا، وللطريقة التي تحولت بها الدولة إلى كيانٍ يشرح نفسه أكثر مما يُنجز.
نحن بحاجة إلى مراجعة الأساس نفسه:
العلاقة
● بين المواطن والدولة،
● بين الحق والواجب،
● بين القانون والعدالة،
● بين اللغة والحقيقة.
أصل القضية، ليس في نقص الشعارات، بل في غياب القدرة على تفكيك المعنى.
لأن الأمم لا تسقط فقط بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تسقط أيضاً حين تصبح الكلمات بديلاً عن الحقيقة، وحين يتحول التفسير إلى وسيلة للهروب من المواجهة.
وهنا تبدأ أولى خطوات الإنقاذ:
● أن نرى الأشياء كما هي، لا كما تصفها اللغة المريحة.
● وأن نفهم المسار قبل أن نلعن النتيجة.
● وأن ندرك أن شجرة التفاح لا تموت لأن التفاح سيئ، بل لأن الصحراء لم تتحول بعد إلى أرضٍ تعرف كيف تمنح الحياة.
لن يتغير السودان حين تتغير الكلمات فقط، بل حين تتغير الطريقة التي نصنع بها المعنى، ونفهم بها الدولة ونرى بها أنفسنا.
وهنا بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6066 .. .. تابع سد النهضة ( 1149): لماذا يصدر كتابًا عن الأمن المائي وهو من أغفل النص عليه في إعلان مبادئ سد النهضة ؟!!

المقالة التالية

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملك والزيف والضلال (( Donald Trump is the King of Falsehood )) .. د. بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *