Popular Now

السودان ما بعد الحرب والسير في الطريق الخاطئ في نقاط مختصرة للغاية كل يوم حبة (( كبسولة )) | في الفشل اللا إداري لكامل إدريس نموذج .. د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | السودان… معنى أن نجلس قليلًا قبل أن نهرب من أنفسنا؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

من طهران إلى الخرطوم – الهبوط الناعم والسقوط الخشن(23) | هل أصبحت إسرائيل عبئاً على واشنطن وتغيرت موازين القوة الدولية؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مشروع القانون الأمريكي بشأن السودان: ضغوط مركبة لإدارة الأزمة لا لحلّها (2-2) .. د. خالد حسين محمد

في المقال السابق عرضنا نماذج من المواد التي وردت في مشروع القرار الأمريكي، وبيّنا كيف يمثّل ذلك انتهاكًا للسيادة الوطنية السودانية، وعدوانًا على السودان باستخدام أدوات تشريعية. كما أوضحنا أن المشروع بُني، في مجمله، على سردية تعتبر الصراع في السودان مواجهة بين طرفين عسكريين، وتناولنا المواد التي تحمل رسائل ضغط مباشرة إلى الفريق البرهان لدفعه إلى القبول بالمطلوبات الأمريكية، وفي مقدمتها عودة «صمود» باعتبارها حكومة أُطيح بها. كذلك أوضحنا أن المشروع لا يستهدف تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية، بل يستهدف طرفَي الحرب معًا.

وأكدنا أيضًا أن الولايات المتحدة لن تُقدم على تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية، كما بيّنا سعيها إلى إدخال قوات دولية سواء عبر مجلس الأمن أو الاتحاد الأفريقي. وفي هذا المقال نقدم قراءة مجملة لمشروع القرار، من حيث أهدافه ورسائله وإمكانات إجازته.

أولًا: مشروع لإعادة هندسة المقاربة الأمريكية

يسعى مشروع القرار إلى إعادة صياغة المقاربة الأمريكية تجاه الملف السوداني عبر مسارات متزامنة، تقوم على عدد من الأهداف الواضحة:
1. التجريم والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة وعرقلة المساعدات.
2. توسيع أدوات الضغط على الفاعلين المحليين ،وعلى وجه الخصوص الفريق البرهان ومجلس السيادة، مع الإشارة بوضوح إلى أن العقوبات قد لا تُفرض عليهم إذا استجابوا للمطلوبات الأمريكية.
3. الإشارة إلى الفاعلين الخارجيين، رغم أن واقع الحال يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على اتخاذ إجراءات عقابية ضد الإمارات.
4. دفع تسوية سياسية تحت مظلة مدنية تحدد من يشارك ومن يُستبعد.
5. تدويل إدارة الأزمة عبر الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وأدوات المتابعة الأمريكية طويلة الأمد، وفي مقدمتها المبعوث الخاص، بما يكشف أن واشنطن تعمل على إدارة الأزمة لا حلّها، باعتبارها أزمة إنسانية وحربًا أهلية تُدار أمريكيًا، وأزمة مساءلة دولية، وضبطًا إقليميًا و هندسة سياسية.

وفي ضوء ما يتضمنه المشروع من عقوبات موجهة مباشرة إلى قادة القوات المسلحة، وعلى رأسهم البرهان، فإن الولايات المتحدة تبدو وكأنها تؤسس لبيئة ضغط مركبة مستندة إلى أدوات متعددة، من بينها:
– تقارير إلزامية.
– عقوبات مالية مركبة.
– ضغط من الأمم المتحدة.
– ضغط من الاتحاد الأفريقي.
– تصور لقوة ضغط متعددة الأطراف.
– متابعة ممتدة عبر مبعوث خاص.

ثانيًا: رسائل مباشرة تكشف طبيعة الموقف الأمريكي

من أبرز الرسائل المباشرة التي يسعى مشروع القانون إلى تمريرها أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الحرب في السودان بوصفها صراعًا بين طرف شرعي وآخر متمرد، بل تنظر إلى الطرفين داخل إطار المساءلة عن القرارات التي مكّنت للفظائع. وفي الحقيقة، فإن الولايات المتحدة منحازة بالكامل إلى الدعم السريع، وتستخدم بندقيته لإعادة عملائها في «صمود» إلى السلطة، غير أن ما يمنعها من إعلان هذا الانحياز الكامل هو الكلفة الباهظة لذلك، في ظل الفظائع التي ارتكبها الدعم السريع بحق الشعب السوداني.

كما تحمل الرسائل المباشرة مضمونًا آخر موجهًا إلى الداعمين الإقليميين والدوليين مفاده أن أي مساهمة في التسليح أو التمويل أو التمكين اللوجستي قد تصبح محل تتبع وضغوط وعقوبات، مع تركيز خاص على خرق حظر السلاح، وعلى تتبع الأسلحة الأمريكية المنشأ المستخدمة في السودان. وتعلم أمريكا تمامًا أن الإمارات هي الداعم الأساسي للدعم السريع ،بحسب تصريح وزير الخارجية الأمريكي الأخير، كما تعلم أن دولًا مثل تشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وكينيا، ويوغندا وليبيا بقيادة حفتر تقوم بأدوار دعم لوجستي ومعابر إمداد وغيرها. وتعلم كذلك أن السلاح الذي باعته للإمارات وصل إلى قوات الدعم السريع، إلا أنها تغاضت عن كل ذلك، ولم ترتفع وتيرة التنديد بالداعمين إلا بعد أن بدأت دول أخرى تقديم الدعم للجيش السوداني.

ثالثًا: رسائل ضمنية عنوانها رفض الحسم العسكري

على مستوى الرسائل الضمنية، يبدو واضحًا أن المشروع يعكس رفضًا أمريكيًا للحسم العسكري، ولذلك جرى دفع النص في اتجاه تسوية سياسية. ويعود ذلك إلى إدراك واشنطن أن ميزان القوى أصبح يميل لصالح الجيش السوداني، وأنه بات قادرًا على حسم الدعم السريع. وهي تعلم أن انتصار الجيش يعني انهيار مشروعها، ولذلك ستعمل بكل الوسائل لمنع هذا السيناريو، وكلما اقترب الجيش من الحسم العسكري ازدادت الضغوط الأمريكية.

ومن الرسائل الضمنية كذلك أن الشرعية المقبولة أمريكيًا ليست تلك التي يصنعها الجيش والشعب السوداني عبر الحسم العسكري وفرض السيطرة الميدانية، بل هي شرعية مدنية قابلة للاندماج في المنظومة الدولية، بما يشير ضمنًا إلى «صمود» وحمدوك.

ويكشف المشروع أيضًا أن الولايات المتحدة اتخذت من الضغط وسيلة لتحقيق أهدافها، مستخدمة الدبلوماسية الخشنة بدلًا من القطيعة الكاملة. فهي تبدو راغبة في رفع الكلفة السياسية، لكن من دون الوصول، حتى الآن، إلى نقطة كسر الإطار الدبلوماسي بالكامل. ويمكن قراءة هذه الرسالة في التعديل الذي شمل حذف الفقرة الداعية إلى تحرك داخل الأمم المتحدة لنزع الشرعية عن التمثيل السوداني في الهيئات الدولية إلى حين الانتقال إلى حكم مدني. ومع ذلك تبقى الرسالة الضمنية قائمة: إذا لم تستجب الخرطوم للمطلوبات، فقد يُعاد فتح هذا الباب.

رابعًا: شرعية رمزية بلا نفوذ على الأرض

يمنح المشروع «صمود» و«تأسيس» قيمة سياسية إضافية داخل الخطاب الأمريكي، لكنه لا يضمن ترجمة ذلك إلى نفوذ ميداني حقيقي. فالمشروع يعزز الشرعية الرمزية لقوى «صمود» و«الحرية والتغيير» و«تأسيس»، ويمنحها نصرًا معنويًا، من دون أن يوفر لها أدوات قوة على الأرض.

والقوة على الأرض ،كما هو معلوم، تتحدد بعاملين: إما الحسم العسكري، وهذا بات شبه مستحيل بعد الانقسامات والاستسلامات والهزائم التي لحقت بالدعم السريع، أو الالتفاف والقبول الشعبي، وهو شبه معدوم بالنسبة إلى «صمود»، إلى درجة أن أيًّا من قادتها لا تستطيع قدماه أن تطآ أرض السودان. وفي المقابل، فإن حذف الفقرة الخاصة بالتحرك داخل الأمم المتحدة لنزع الشرعية من الحكومة السودانية تسبب في قدر كبير من الإحباط، وربما ينسف الاحتفاء المبطن بـ«صمود» وقوى «الحرية والتغيير» الوارد في المشروع.

خامسًا: عقبات إجرائية واحتمال الجمود التشريعي

من الناحية الإجرائية، تبدو فرص مرور المشروع كنص مستقل محدودة. فقد أُحيل إلى اللجان في 6/3/2025م، وما تزال إحالته في مرحلة التقديم، كما تظهر النسخة المقدمة في 9/6/2026م والتعديلات التي أُدخلت عليها، من دون أن تظهر نتيجة نهائية للتصويت.

وتوصيات لجنة العلاقات الخارجية ليست ملزمة بذاتها للإدارة الأمريكية، وأقصى ما يمكن أن تفعله هو التحول إلى مشروع قانون تصوت عليه اللجنة. فإذا أجازته اللجنة، يُرفع إلى مجلس النواب، ثم إلى مجلس الشيوخ إذا تمت إجازته هناك، وفي هذه الحالة يصبح النص أقوى سياسيًا، لكنه يظل غير ملزم ما لم يُجز قانونًا. وبعد ذلك تأتي الموافقة الرئاسية، إما بالتوقيع أو باستخدام الفيتو الرئاسي.

والاحتمال الأرجح ،في تقديري، هو الجمود التشريعي، بحيث يتحول المشروع إلى أداة ضغط سياسي. غير أن أي تقدم مؤثر يحققه الجيش ،خاصة في كردفان ودارفور، قد يدفع نحو إعادة طرح المشروع بصيغة أقوى.

سادسًا: بين كلفة المواجهة وحدود الضرر الأمريكي

صحيح أن القراءة الدقيقة للقرار قد تدفع الحكومة إلى إعادة التفكير في إعلان أمريكا عدوًا، لكن الحكومة تدرك كذلك الكلفة العالية التي يمكن أن يتحملها السودان إذا أقدم على هذا الإعلان.

ولهذا، فإن عدم اتباع سياسة المواجهة مع أمريكا يبدو، في تقديري، هو الخيار الأجدى؛ فقد جرّب السودان هذه السياسة من قبل، ودفع ثمنها غاليًا. فالأذى الأمريكي المباشر يمكن احتماله، لكن الضرر الأشد تأثيرًا هو ذلك الذي تستطيع أمريكا إحداثه عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ولذلك، فإن من أهم العوامل التي يمكن أن تخفف آثار عداء أمريكا للسودان تمتين العلاقات مع روسيا والصين.

خاتمة: القرار في النهاية للسودانيين

خلاصة الأمر أن مشروع القانون الأمريكي لا يتجه نحو حل الأزمة السودانية، بقدر ما يتجه نحو إدارتها وإعادة تشكيلها بما يخدم الرؤية الأمريكية. فهو مشروع ضغط سياسي ودبلوماسي متعدد الأدوات، يسعى إلى تقييد خيارات الدولة السودانية، وإعادة تعريف الشرعية ومنع الحسم العسكري إذا تعارض مع المصالح الأمريكية.

لكن، وبرغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية أن مصير السودان لا يحدده مشروع قانون أمريكي، ولا ضغوط خارجية، بل يحدده السودانيون أنفسهم. ويبقى الجيش السوداني والشعب السوداني هما من يقرران أمر السودان.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6107 | نحن لسنا طرفًا ثالثًا وليس لدينا مصلحة خاصة !!!

المقالة التالية

من طهران إلى الخرطوم – الهبوط الناعم والسقوط الخشن(23) | هل أصبحت إسرائيل عبئاً على واشنطن وتغيرت موازين القوة الدولية؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *