Popular Now

من الإحكام إلى الحوكمة… لماذا يدفع السودان ثمن غياب النظام؟ .. د.احمد الطيب السماني. مستشار التدريب والتنمية

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة(٤) المملكة العربية السعودية والأزمة السودانية: بين الدبلوماسية الإنسانية وجهود الاستقرار الإقليمي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

أصل القضية | السودان… وزارة الخارجية – إدارة المعرفة الدبلوماسية .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أصل القضية | السودان… وزارة الخارجية – إدارة المعرفة الدبلوماسية .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ليست قيمة السفارة في المبنى الذي تشغله، ولا في العلم الذي يرفرف فوقه ولا في عدد المذكرات التي تصدر عنها.
فقيمة السفارة تُقاس بما تتركه من أثر في حياة الناس.
ذلك أن العالم لم يعد يقيس نفوذ الدول بما تقوله عن نفسها، وإنما بما يرويه مواطنوها عنها. ومن هنا، لم تعد القوة الناعمة تُبنى بالخطب البليغة، ولا بالمراسم الأنيقة، وإنما بقدرة الدولة على أن تجعل مواطنيها يشعرون بأن وطنهم لم يغادرهم، حتى وإن غادروا حدوده.

لهذا، ليست كل الأفكار الكبيرة تولد في قاعات المؤتمرات،
بعضها يولد في غرفة انتظار مريض وبعضها يتشكل في لحظة يدرك فيها موظف عام أن وظيفته لا تنتهي عند ختم المعاملة، وإنما تبدأ عندما يخفف عن إنسان وجع الغربة ويمنحه شعورًا بأن خلفه دولة لا مجرد مؤسسة.
هناك…لا يبدأ العلاج وحده، بل تبدأ الدبلوماسية بمعناها الجديد.

قبل عام من اليوم، ومن خلال رؤية الجسر والمورد، طرحنا لأول مرة مفهوم «دبلوماسية التشافي»، ليس بوصفه مصطلحًا لغويًا، وإنما بوصفه قراءة لتحول تشهده الدبلوماسية العالمية، تحول ينتقل بالدبلوماسي السوداني من وظيفة التمثيل إلى وظيفة التأثير، ومن إدارة الإجراءات إلى صناعة القيمة.
ويومها دعونا وزارة الخارجية إلى ما نراه، حتى اليوم، أحد أهم مشروعات الإصلاح المؤسسي الممكنة: أن تُوثق تجربة المستشارية الطبية بسفارة السودان بالقاهرة، وأن تُقيَّم وفق منهج علمي، وأن تُستخلص منها مؤشرات الأداء ثم تُحوَّل إلى دليل تشغيلي يُعمم على الملحقيات الطبية في سفارات السودان بالخارج.
فالتجارب الناجحة لا تُحفظ في الذاكرة، بل في السياسات.
ولا تعيش بالأشخاص، بل بالمؤسسات.
ولا تتحول إلى قوة للدولة إلا إذا أحسنت الدولة إدارة المعرفة التي أنتجتها.
فأزمة الإدارة السودانية ليست في قلة المبادرات، وإنما في ضعف إدارة المعرفة الدبلوماسية.
لدينا تجارب ناجحة، لكننا لا نملك منظومة مؤسسية تلتقطها، وتوثقها، وتقيس أثرها، ثم تعيد إنتاجها على مستوى الدولة. ولهذا تضيع كثير من النجاحات، لا لأنها فشلت، بل لأنها لم تجد مؤسسة تتعلم منها.

لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه السفارة تُقاس بعدد البرقيات، أو الزيارات الرسمية، أو المناسبات البروتوكولية.
اليوم، تتنافس الدول في دبلوماسية الاقتصاد، ودبلوماسية الابتكار، والدبلوماسية البيئية والدبلوماسية الإنسانية.
وبات السؤال الحقيقي: ماذا أضافت السفارة إلى قوة الدولة؟ لا: ماذا أنجزت من معاملات؟

وفي هذا السياق، تبرز دبلوماسية التشافي باعتبارها أحد وجوه القوة الناعمة السودانية التي لم تُستثمر بعد.
فهي ليست مشروعًا طبيًا، ولا نشاطًا اجتماعيًا، وإنما فلسفة تجعل الإنسان محور السياسة الخارجية، والرعاية أحد أدوات النفوذ الإيجابي للدولة.

إن تجربة المستشارية الطبية بالقاهرة ليست أهم لأنها نجحت فحسب، بل لأنها تقدم فرصة نادرة ليتعلم السودان من نفسه.
فالدول التي تتقدم ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي تعرف كيف تحول نجاحًا محليًا إلى سياسة وطنية.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح داخل وزارة الخارجية لم يعد: هل نجحت التجربة؟ بل: كيف نجعل نجاحها قابلًا للتكرار؟
والإجابة تبدأ بإنشاء منظومة لإدارة المعرفة الدبلوماسية، تتولى توثيق التجارب، وتقييمها، وتحويلها إلى أدلة تشغيل، وإدراج مؤشرات الأثر الإنساني ضمن تقييم البعثات، حتى تصبح الرعاية معيارًا للأداء، لا اجتهادًا فرديًا.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك أكبر عدد من السفارات، وإنما لمن يجعل من كل سفارة مختبرًا للتعلم، ومن كل تجربة ناجحة أصلًا استراتيجيًا يضيف إلى القوة الناعمة للدولة.

ونحن إذ نكتب عن هذه التجربة، فلا نكتب لنحتفي بأشخاص ولا لنمنح أوسمة من الكلمات، فالأشخاص يشكرون على جهودهم، أما المؤسسات فهي التي تبقى.
إنما نكتب لأن مسؤولية الفكر أن يحول النجاح إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسة والسياسة إلى ثقافة مؤسسية.
فالتوثيق ليس تكريمًا للماضي، بل استثمارًا في المستقبل.
ولعل السؤال الذي سيواجه وزارة الخارجية خلال السنوات القادمة لن يكون: كم بعثة دبلوماسية يملك السودان؟ بل: كم تجربة ناجحة استطاعت الوزارة أن تحولها إلى سياسة عامة؟
وكم فكرة خرجت من سفارة سودانية، ثم أصبحت دليل عمل لكل السفارات؟
وكم مبادرة فردية تحولت إلى رصيد دائم في القوة الناعمة السودانية؟
فهنا يُصنع الفرق بين مؤسسة تُدير الحاضر ومؤسسة تبني المستقبل.
وعندما نصل إلى تلك المرحلة، لن تكون دبلوماسية التشافي عنوانًا لمقال، بل عنوانًا لمدرسة سودانية جديدة في العمل الدبلوماسي؛ مدرسة تؤمن بأن السفارة ليست مجرد بعثة تمثل الدولة، وإنما مشروع وطني يصنع أثرها، ويحمل إنسانها ويكتب كل يوم صفحة جديدة من قوة السودان الناعمة.

وهذا بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

مليشيا الدعم السريع… جمهورية الانسحابات .. د. إسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتيجية

المقالة التالية

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة(٤) المملكة العربية السعودية والأزمة السودانية: بين الدبلوماسية الإنسانية وجهود الاستقرار الإقليمي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *