Popular Now

رخصة “العسجد” ومحولات الدفع الرقمية في السودان: قراءة في الجوانب التقنية وأسئلة الحوكمة .. محمد الخاتم تميم

وجه الحقيقة | غنائم الموت… صمت يوازي الفاجعة .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… كيف تُصنع الشائعة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

رخصة “العسجد” ومحولات الدفع الرقمية في السودان: قراءة في الجوانب التقنية وأسئلة الحوكمة .. محمد الخاتم تميم

أثار منح بنك السودان المركزي أول رخصة لـ”محول معاملات مالية ومنصة مدفوعات رقمية” لشركة العسجد للحلول الرقمية (ASD Solutions) نقاشاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والإعلامية. وقد انقسمت الآراء بين من اعتبر الخطوة تطوراً طبيعياً في مسار التحول الرقمي، ومن رأى فيها مدخلاً لإثارة تساؤلات مشروعة تتعلق بالأمن المالي والحوكمة.

ومن وجهة نظري، فإن القضية تستحق نقاشاً هادئاً يستند إلى الوقائع، بعيداً عن الشخصنة أو إصدار الأحكام المسبقة. فالتحول الرقمي ليس موضع خلاف، وإنما يبقى السؤال حول الكيفية التي يُدار بها، ومدى التزامها بالشفافية والمعايير المؤسسية.

أولاً: ما هو “المحول المالي”؟ وهل تم استبدال EBS؟

أولى الملاحظات التي ينبغي توضيحها هي أن كثيراً من النقاش الذي دار خلال الأيام الماضية بُني على فهم غير دقيق لطبيعة المحول المالي.

فالمحول المالي هو ببساطة البنية التقنية التي تُمكّن البنوك والمحافظ الإلكترونية من تبادل أوامر الدفع والتحويل بصورة لحظية، بما يسمح بتنفيذ المعاملات بين المؤسسات المالية المختلفة في الزمن الحقيقي.

ومن المهم هنا تصحيح معلومة تكررت كثيراً، وهي أن شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) قد أُقصيت أو استُبدلت.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات تدعم هذا الاستنتاج. فما زالت EBS، المملوكة للدولة والبنوك منذ عام 1999، تؤدي دورها المحوري في ربط البنوك السودانية، كما حققت مؤخراً اعتماداً دولياً كمكتب خدمة معتمد لشبكة SWIFT، وهو تطور يعزز مكانتها ولا ينتقص منها.

وعليه، فإن الرخصة الجديدة لا تعني – من الناحية الفنية – إلغاء دور EBS، وإنما تعني السماح بوجود محولات مالية أخرى تعمل ضمن الإطار التنظيمي الذي يضعه بنك السودان المركزي، وهو نموذج معمول به في عدد من الدول لتوسيع خدمات التكنولوجيا المالية وتشجيع المنافسة.

ثانياً: لماذا أثارت الرخصة كل هذا الجدل؟

إذا كان منح تراخيص لمحولات مالية خاصة أمراً معروفاً في الصناعة المالية، فلماذا جاءت ردود الفعل بهذه الحدة؟

في تقديري، لا يعود السبب إلى مبدأ منح الرخصة نفسه، وإنما إلى الطريقة التي أُدير بها الإعلان عنها، وما صاحبها من غياب للمعلومات التي كان من الممكن أن تجنب الرأي العام كثيراً من الجدل.

وهنا تبرز ثلاث ملاحظات رئيسية.

أولاً: أن تدشين الرخصة تم بحضور رسمي وسيادي وعسكري رفيع، وهو أمر لم يلفت الانتباه إلى المشروع بقدر ما أثار تساؤلات حول طبيعته. فإذا كانت الرخصة تُمنح لشركة خاصة تعمل في إطار تنافسي، فما الذي يبرر هذا المستوى من الحضور الرسمي؟ وهل كان المقصود إرسال رسالة معينة، أم أن الأمر اقتصر على ترتيبات بروتوكولية؟ في غياب التوضيح، كان من الطبيعي أن تتعدد التفسيرات.

ثانياً: تشير المعلومات المتاحة إلى أن شركة “العسجد” تأسست في أواخر عام 2025 كشركة تعمل في مجال الحلول البرمجية، وأنها شركة حديثة نسبياً من حيث العمر المؤسسي وعدد العاملين. وهذا يدفع إلى طرح سؤال مهني مشروع: ما هي المعايير الفنية والتنظيمية التي استند إليها تقييم جاهزية الشركة للحصول على هذه الرخصة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي مسؤولية الجهة المنظمة، لأنها وحدها القادرة على تعزيز الثقة في سلامة الإجراءات.

ثالثاً: أُعلن في فبراير 2026 عن شراكة بين شركة “العسجد” وشركة Banknbox المصرية لتطوير منصة التشغيل البيني الخاصة بالمشروع. وفي حد ذاته، لا يُعد الاستعانة بشريك تقني إقليمي أمراً غير مألوف، فالكثير من المشاريع الرقمية تعتمد على شركات متخصصة. غير أن ذلك يفرض قدراً أكبر من الإفصاح بشأن طبيعة العلاقة بين الطرفين، وحدود الدور الذي يؤديه كل منهما، وآليات حماية البيانات الوطنية.

ثالثاً: أسئلة الحوكمة التي تستحق إجابات واضحة

القضية، في تقديري، ليست قضية أشخاص ولا شركات، وإنما قضية حوكمة وإدارة مخاطر.

وعندما يتعلق الأمر ببنية تحتية تتعامل مع المدفوعات الفورية وبيانات ملايين المواطنين، يصبح من حق المجتمع أن يعرف الإجابات عن عدد من الأسئلة الأساسية، من بينها:

1. أين ستُستضاف بيانات المعاملات المالية؟ وهل ستكون داخل بنية وطنية خاضعة للسيادة السودانية، أم على منصات سحابية خارج البلاد؟
2. ما هو هيكل الملكية النهائي للشركة؟ وهل توجد مساهمات مباشرة أو غير مباشرة ينبغي الإفصاح عنها؟
3. ما هو الدور الفعلي للشريك التقني الخارجي؟ وهل يقتصر على تطوير البرمجيات، أم يمتد إلى تشغيل المنصة أو الوصول إلى البيانات؟
4. أين تُدار مفاتيح التشفير وآليات التسوية؟ وهل تبقى تحت السيطرة الكاملة لبنك السودان المركزي؟
5. ما هي خطة استمرارية الأعمال في حال حدوث أعطال تقنية، أو هجمات سيبرانية، أو تعثر الشركة؟
6. هل خضعت الأنظمة لتدقيق أمني مستقل قبل منح الترخيص وقبل التشغيل الفعلي؟
7. ما هي معايير الامتثال والرقابة التي تمنع استغلال هذه المنصات في غسل الأموال أو الأنشطة المالية غير المشروعة؟
8. هل يمثل الترخيص بداية لسوق تنافسية مفتوحة أمام الشركات المؤهلة، أم أنه سيؤدي عملياً إلى تركيز السوق في عدد محدود من الجهات؟
9. ما هي الرسوم والعمولات المتوقعة، وكيف سينعكس ذلك على المواطنين والمغتربين الذين سيستخدمون هذه الخدمات؟

كلمة أخيرة
ليس المقصود من هذه الملاحظات التشكيك في مشروع بعينه، ولا الاعتراض على مسار التحول الرقمي، بل على العكس، فإن السودان في أمسّ الحاجة إلى تحديث بنيته المالية، وتوسيع خدمات التكنولوجيا المالية، وربطها بالمعايير الدولية.

غير أن نجاح أي مشروع من هذا النوع لا يقوم على التقنية وحدها، وإنما يقوم أولاً على الثقة.

والثقة لا تُبنى بالاحتفالات أو البيانات المقتضبة، وإنما تُبنى بالإفصاح، والشفافية، ووضوح معايير الاختيار، وخضوع الجميع للمساءلة المؤسسية.

وفي تقديري، فإن نشر تفاصيل الرخصة، وهيكل الملكية، وآليات حماية البيانات، ونتائج التدقيق السيبراني، لن يخدم الشركة وحدها، بل سيخدم بنك السودان المركزي نفسه، ويعزز ثقة المواطنين والمستثمرين في مسار التحول الرقمي الذي يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

درهام فى ٢ يوليو ٢٠٢٦

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | غنائم الموت… صمت يوازي الفاجعة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *