الدوحة – الشرق
صدر للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزير خارجية السودان الأسبق واستاذ العلاقات الدولية بجامعة حمد بن خليفة ، كتاب بعنوان «النظام العالمي الجديد: قوة القانون أم قانون القوة». هذا الكتاب الذي حظي بتقديم معالي السيد عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، يقدم قراءة نقدية معمقة للتصرف الأحادي واستخدام القوة في القانون الدولي، مع التركيز على قضية قصف مصنع الشفاء والسياسة الأمريكية تجاه السودان.
يتناول الكتاب الذي صدر في الدوحة مؤخرا في طبعة ثانية منقحة سؤالاً جوهرياً لا يزال قائماً ومُلحّاً: هل النظام العالمي الجديد يخضع لقوة القانون، أم أن قانون القوة هو الذي يقوده؟ وهو سؤال يفتح الباب لشحذ أفكار الباحثين والمفكرين.
وكان الكتاب قد صدر في طبعته الأولى عام 2003 واحتوى على مقدمة كتبها معالي السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية وقتها ، كما ضم الكتاب أيضا مقدمة كتبها السيد صلاح ادريس ، صاحب المصنع الذي قصفته الولايات المتحدة في ٢٠ أغسطس 1998
ولكن د. مصطفى عثمان نشر مقدمة جديدة للطبعة الثانية استهلها بالإشارة إلى أن الطبعة الأولى صدرت في عام 2003، حين كان ) جرح مصنع الشفاء للأدوية لا يزال غائراً( وقال إن تدمير المصنع بصواريخ كروز في 20 أغسطس 1998 ) لم يكن مجرد اعتداء على منشأة صناعية أو بلد نامٍ، بل كان علامة فارقة على مرحلة جديدة في العلاقات الدولية( . هذه المرحلة شهدت ) منح القوة الكبرى المنتصرة في الحرب الباردة لنفسها حق الاتهام والحكم والتنفيذ( ، متجاوزةً بذلك مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول.
تطرح المقدمة سؤالين متلازمين بعد مرور ما يقارب خمسة وعشرين عاماً على الحادثة: ماذا تعلم العالم من تلك الحادثة؟ وماذا تعلم السودان منها؟
فيما يشير معالي السيد عمرو موسى في تقديمه إلى أن هناك تحايلاً على الشرعية الدولية يتمثل في مسميات مثل “الحرب الاستباقية” و”الضربات الاحترازية”، وهي مسميات تؤطر لقانون القوة بدلاً من قوة القانون.
ويصف الكتاب بأنه “إضافة ثرية للمكتبة العربية”، مشيداً بأسلوب الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل العلمي الرصين الذي يمزج بين دراسته الأكاديمية كأستاذ ومحاضر بكلية الطب بجامعة الخرطوم، وخبرته السياسية العميقة كسياسي وحزبي ثم كوزير خارجية لجمهورية السودان.
ويبرز التقديم أن الكتاب يتناول مخاطر التصرفات الأحادية في حال غياب القانون الدولي والتوازن الدولي، وتأثير هذه التصرفات على أمن واستقرار وسيادة الدول. ويقدم الكتاب نموذجاً تطبيقياً وعملياً لهذه المخاطر من خلال ما تعرض له مصنع الشفاء السوداني للأدوية من قصف بالصواريخ في 20 أغسطس 1998.
ويشير السيد موسى إلى أن عقد التسعينات من القرن الماضي شهد نهاية الحرب الباردة وبداية التحول في بنية النظام الدولي ليصبح أحادي القطبية. وقد ترتب على ذلك تعزيز هيمنة الولايات المتحدة، باعتبارها القطب الأوحد، على الأوضاع الدولية، خاصة بعد عاصفة الصحراء وإخراج العراق من الكويت، الأمر الذي أتاح الفرصة للولايات المتحدة لإعادة تشكيل النظام العالمي.
أما السيد صلاح الدين أحمد إدريس ( صاحب المصنع ) فيرى من جهته أن عنوان الكتاب، “النظام العالمي الجديد: قوة القانون أم قانون القوة”، قد لا يستوقف أحداً يبحث عن كتاب في ظل العدد الكبير من الكتب التي صدرت أو هي في طور الصدور، والتي تعرض كلها لواقع عالمنا المعاصر ونظامه الجديد.
ولكن ما يستوقف حقاً ويحظى بكثير من الانتباه وعظيم الاهتمام، في رأي السيد إدريس، إنما هو أمران. أولهما هو أن كاتب الكتاب هو الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، الذي يصفه بأنه ( قائد كتائب الدبلوماسية السودانية ) في واحدة من أصعب وأحرج مراحلها وأوقاتها. وهذا يشير إلى أن خبرة المؤلف العملية في قلب الأحداث الدبلوماسية تضفي على الكتاب مصداقية وأهمية خاصة.
فيما يمكن النظر إلى أن صلاح الدين إدريس بصفته صاحب مصنع الشفاء للأدوية، فإن تقديمه للكتاب يحمل دلالة عميقة، حيث يتناول الكتاب قضية المصنع كنموذج عملي لتطبيق “قانون القوة” بدلاً من “قوة القانون” في العلاقات الدولية. هذا التقديم يربط بين المحتوى النظري للكتاب والواقع المرير الذي عاشه المصنع وصاحبه.
تضمن الكتاب ستة أبواب بعناوين مثل
القانون الدولي والواقع الدولي بعد نهاية الحرب الباردة
الجوانب القانونية لمبدأ ومشروعية استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في القانون الدولي
الجوانب القانونية المتعلقة بمشروعية استخدام القوة أو التهديد بها وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
المصنع المفتري عليه: حقائق وأرقام
التحرك الدبلوماسي في المنظمات الإقليمية والدولية
النظام الإقليمي العربي ومخاطر الأعمال العسكرية الفردية عليه
بهذا، يمكن القول إن الكتاب يقدم تحليلاً شاملاً لأزمة النظام الدولي في ظل هيمنة القوة، ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقات الدولية ومكانة القانون فيها.


