تشهد مدينة الأبيض، في يونيو 2026م، تصعيدًا عسكريًا وإعلاميًا متزايدًا من جانب قوات الدعم السريع، تمثّل خصوصًا في هجمات بالمسيرات وتحريض دعائي يروّج لاحتمال إسقاط المدينة على غرار ما جرى في الفاشر. غير أن القياس بين الحالتين ليس دقيقًا؛ فالأبيض تختلف عن الفاشر في الجغرافيا العملياتية، وقربها من العمق الحكومي، وطبيعة خطوط إمدادها، وميزان السيطرة الجوية فوقها وحولها.
إن التهديد الموجّه إلى الأبيض يمتلك القدرة على الإزعاج والاستنزاف وإيقاع خسائر مدنية، لكنه لا يرقى إلى مستوى خطة ناجحة لإسقاط المدينة عسكريًا. كما أن الحملة الإعلامية المصاحبة لهذا التهديد تخدم أهدافًا نفسية وسياسية وتفاوضية، وتتجاوز البعد الميداني المباشر.
ويبقى السؤال الأساسي: لماذا يصعب تكرار سيناريو الفاشر في الأبيض؟
أولًا: اختلاف البيئة العملياتية
كانت الفاشر محاصرة ومحاطة بطوق خارجي فرضته قوات الدعم السريع، لمنع دخول أي إمداد بشري أو عسكري أو تمويل، أو حتى الاحتياجات الغذائية للمواطنين، ما جعل السكان يعيشون حالة جوع مستمرة. ومع ذلك صمدت الفاشر في وجه ما يقارب ثلاثمائة هجوم، وسط استنزاف متواصل للمدافعين، وضغط ناري متكرر، وتضييق على مسارات الوصول والإمداد.
وفي المقابل، وعلى الرغم من استخدام الدعم السريع المسيرات لاستهداف المواطنين والبنية التحتية ومواقع الخدمات في الأبيض، فإنه لا يستطيع حصار المدينة، ولا إنشاء خنادق حولها، في ظل امتلاك الجيش قدرة واسعة على الحركة والتمشيط في محاور كردفان. وهذا يعني أن الدعم السريع لن يتمكن من محاصرة الأبيض كما فعل في الفاشر.
كذلك تتمتع الأبيض بأهمية جغرافية تختلف عن الفاشر التي كانت شبه معزولة؛ فهي عقدة مركزية في كردفان، وتقع داخل العمق الذي يسيطر عليه الجيش السوداني. كما أن الطريق يظل مفتوحًا منها إلى جنوب كردفان عبر الدلنج حتى كادقلي، وشمالًا حتى الخرطوم، ما يمنحها قيمة لوجستية كبيرة وإمكانات أعلى للتعزيز والإسناد، سواء من الجنوب أو الشمال. لذلك فإن القصف المتقطع بالمسيرات، أو عمليات التسلل، مع عدم القدرة على عزل المدينة ومنع تدفق الإمداد والاحتياطيات إليها، لن يؤدي إلى سقوط حامية، ناهيك عن مدينة بحجم الأبيض.
يُضاف إلى ذلك عامل كثافة القوات حول المدينة؛ فالجيش داخل الأبيض ينفذ عمليات تمشيط مستمرة، وهو ما يعكس وجود متحركات كثيرة وقدرة على إعادة التموضع في محيط المدينة. وهذا يختلف عن الفاشر، حيث كان العبء الدفاعي واقعًا بالكامل على القوى الموجودة داخل المدينة، التي بقيت محاصرة لما يقارب العامين.
ثانيًا: الحسم الجوي عامل فارق
في الفاشر، استطاعت قوات الدعم السريع تحييد سلاح الطيران إلى حد كبير بما تمتلكه من دفاعات جوية وأجهزة تشويش لم يتمكن الجيش من تدميرها. كما أن وجود الطيران، حتى لو كان متاحًا، كان يصطدم بصعوبة الحسم والاستهداف في بيئة حضرية معقدة وتحت ضغط ميداني مباشر على المدينة.
أما في حالة الأبيض، فقد استطاع الجيش تدمير الدفاعات الجوية وأجهزة التشويش التابعة للمليشيا، وهو ما سمح للطيران بأن يفرض حضوره في سماء دارفور وكردفان المكشوفة، وجعل أي متحرك هدفًا سهلًا للرصد والاستهداف.
واللافت في استهداف الأبيض أن الدعم السريع ركّز على سلاح المسيرات، مستهدفًا محطات الوقود ومرافق الخدمات داخل المدينة، ما أوقع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين. وهذا النمط من السلوك يعكس قدرة على الإزعاج والضغط النفسي، وربما إحداث تأثير اقتصادي، لكنه لا يكفي وحده لإسقاط مدينة، ما لم يقترن بطوق حصار فعلي وقوة اقتحام قادرة على الثبات تحت ضربات جوية معادية، وهو ما لا يستطيعه الدعم السريع لفقدانه القوى الداعمة.
وقد لخّص ذلك خبير عسكري تركي بقوله إن أحلام مليشيا الدعم السريع في السيطرة على الأبيض تحولت إلى كابوس مفتوح، في واحدة من أضخم العمليات العسكرية التي شهدها مسرح العمليات في إقليم كردفان. وأكد أن الضجيج الإعلامي الذي روّجت له أبواق المليشيا حول اقتراب سقوط الأبيض لم يكن سوى غطاء إعلامي فاشل للتغطية على تحركات تعزيزات عسكرية ضخمة كانت تحاول التسلل من دارفور لفك الاختناق عن المليشيا في كردفان.
وكانت الاستخبارات السودانية تتابع هذه التحركات بدقة، انطلاقًا من رصد دقيق لتحركات داخل البلاد وخارجها، وصولًا إلى سلسلة غارات استباقية دكت مطار نيالا ومحيطه، قبل أن تقضي مقاتلات القوات الجوية السودانية على المتحركات القادمة من دارفور. وقد تم استهداف منظومات الدفاع الجوي والتشويش والمدرعات وعربات القتال، لتحويل الطريق إلى مقبرة مفتوحة للتمرد. وبلغت حصيلة الخسائر، أكثر من 260 آلية قتالية، إذ كشفت الموجة الأولى وحدها تدمير 85 عربة كروزر و36 مدرعة، فيما تكفلت الضربات اللاحقة بمسح بقية القوافل في مناطق الضليمة والكجر ومحيط الأبيض. وبذلك تكون المليشيا قد فقدت العمود الفقري لتعزيزاتها العسكرية التي كانت تعوّل عليها لقلب الطاولة في كردفان، وتم ذلك خلال 48 ساعة. ومع تدمير أنظمة الدفاع الجوي والتشويش التي كانت تراهن عليها، أصبحت السماء مفتوحة أمام سلاح الجو لفرض السيطرة المطلقة على الإقليم.
ثالثًا: تراجع إمكانات الدعم السريع مقارنة بالمراحل الأولى للحرب
في المراحل الأولى للحرب، استفادت قوات الدعم السريع من سرعة الانتشار والمباغتة ومرونة الحركة. وقد شاهدنا كيف استطاعت، عبر تكرار الهجمات على المدرعات والمهندسين والإشارة، وما يقارب ثلاثمائة هجوم على الفاشر، أن تفرض ضغطًا كبيرًا. لكن إطالة أمد الحرب، واتساع رقعة الاشتباكات، والقتل الذي طال مقاتلي الدعم السريع، جعل هذه القوات غير قادرة على التحشيد. كما أن ارتفاع تكلفة العمليات نحو الأبيض دفع المليشيا إلى الاعتماد على الضربات غير المباشرة والأدوات الأقل كلفة نسبيًا، مثل المسيرات.
كما أن طول أمد الحرب، مع استمرار القتل، أدى إلى تراجع الاستجابة للاستنفار، بل وصل الأمر إلى الاستسلام بأعداد كبيرة، وبقادة مميزين وسياسيين. وتطور الأمر كذلك إلى القتال بين القبائل الأساسية والداعمة للدعم السريع، مثل القتال بين بني هلبة والسلامات، وبين الرزيقات والفلاتة المسيرية، ثم الاشتباكات بين النوير والمسيرية، ثم المواجهات بين المكونات القبلية والدعم السريع داخل نيالا، إلى جانب التوتر الذي بدأ الآن بين الرزيقات والمسيرية. وكل ذلك يجعل من الصعب على المليشيا أن تحشد قوات بصورة مستمرة كما كانت تفعل في السابق من أجل إسقاط الأبيض.
فإذا كانت المليشيا قد استطاعت أن تحشد ما يقارب ثلاثمائة هجوم لإسقاط الفاشر، فإنها لا تستطيع اليوم تحشيد حتى هجومين مؤثرين على الأبيض، ولذلك اكتفت بالمسيرات.
رابعًا: الدعم الإقليمي والدولي
عندما سقطت الفاشر، كان هناك شبه إجماع دولي وإقليمي داعم للدعم السريع، ولم يكن هناك دعم إقليمي مؤثر للجيش السوداني. وكان سقوط الفاشر لحظة تنبيه للسعودية ومصر وتركيا، التي شعرت بأن الحرب أصبحت تهديدًا أمنيًا لها، وليس للسودان وحده. وتابعنا، بعد ذلك، التحولات التي طرأت على المواقف، والامداد، وصفقات السلاح الكبيرة التي صبت في مصلحة الجيش السوداني، وأسهمت في تحييد كثير من الداعمين الإقليميين للمليشيا، كما غيّرت هذه المواقف ميزان القوة لصالح الجيش السوداني.
وقد حدث كل هذا بعد سقوط الفاشر. ومن ثم يبرز السؤال: هل يمكن لهذه الدول الداعمة للجيش السوداني أن تسمح بسقوط الأبيض، حتى لو استدعى الأمر تدخلًا عسكريًا مباشرًا؟ أقول ذلك مع يقيني بقدرة الجيش السوداني على حسم الأمر.
خامسًا: لماذا تروّج المليشيا لاحتمال سقوط الأبيض؟
بعد التحولات الميدانية والسياسية التي رفعت تكلفة استمرار الحرب، وما نتج عنها من استسلامات واقتتال داخلي، تريد القوى الداعمة للدعم السريع رفع المعنويات، ومحاولة المحافظة على التماسك بين المكونات، عبر الإبقاء على صورة القوة القادرة على التوسع في الوعي العام لمقاتلي الدعم السريع. لذلك يخدم الترويج لسقوط الأبيض هدفًا مزدوجًا: رفع معنويات الأنصار، وإحداث قلق داخل المجتمع المحلي وحواضن الجيش السياسية والاجتماعية.
كما أن تصوير مركز حضري مهم كأنه على وشك السقوط يصبح أداة ضغط بيد الذين يزعمون أنهم وسطاء، بهدف فرض مقاربة تفاوضية تمنح المليشيا وزنًا يتجاوز وضعها الميداني الحقيقي. ومن ثم فإن الخطاب الإعلامي هنا لا ينفصل عن معركة الشرعية والاعتراف، بقدر ما يتصل بالميدان نفسه.
كذلك فإن الهجوم بالمسيرات على الوقود والخدمات داخل الأبيض لا يستهدف فقط القتل والتخريب، بل يسعى أيضًا إلى إظهار المدينة كأنها غير قابلة للحياة تحت سيطرة الدولة، وهي طريقة معروفة في حرب الاستنزاف، تقوم على ضرب الخدمات لإنتاج ذعر مدني، ثم استثماره إعلاميًا بوصفه دليلًا على انهيار الخصم، حتى حين لا يكون هناك انهيار عسكري فعلي.ولكن صمود أهل الأبيض أفشل ذلك.
خاتمة
تشير المعطيات العسكرية والسياسية إلى أن الأبيض تواجه تهديدًا من حيث القصف والاستنزاف والحرب النفسية، لكن ذلك لا يقود إلى سقوط المدينة على النمط الذي حدث في الفاشر.
ويكمن الفارق الأساسي في أن الأبيض أقرب إلى العمق الحكومي، وأكثر قابلية للتعزيز، وتعمل في محيطها متحركات للجيش، فيما يظل التفوق الجوي عاملًا حاسمًا ضد أي محاولة اقتحام.
وعليه، فإن الخطاب الذي يروّج لسقوط الأبيض لا يعكس قراءة ميدانية بقدر ما يندرج ضمن معركة إدراك سياسي ونفسي، يسعى عبرها داعمو الدعم السريع إلى تعويض الهزائم الميدانية والاستسلامات والاقتتال الداخلي، وخلق انطباع زائف بقرب الحسم.
و سوف تستمر معركة الاستنزاف والتى لن تطول، ومحاولة إرباك المدينة، لا إنجاح عملية عسكرية مكتملة الشروط. وعليه، فليطمئن الجميع، فإن الأبيض لن تسقط. ولإفشال كل ذلك، يستطيع الجيش استهداف مصادر إطلاق المسيرات، وما يحقق ذلك بصورة كاملة الإسراع في هزيمة الدعم السريع.


