Popular Now

السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة(8) .. السودان بين معركة الدولة ومشروع المليشيا..قراءة استراتيجية في تحولات الحرب، ومستقبل السلطة، وتحديات إعادة بناء الدولة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

مسارات .. السودان ينتصر على مشروع التفكيك .. د.نجلاء حسين المكابرابي

السيادة الوطنية في عصر الطفرات التقنية.. نحو إعادة تعريف القانون الدولي في ضوء التحول الرقمي .. هشام محمود سليمان .. باحث في القانون الدولي

مسارات .. السودان ينتصر على مشروع التفكيك .. د.نجلاء حسين المكابرابي

اندلاع الحرب في السودان لم يكن مجرد معركة على السلطة أو تنازعًا بين طرفين يحملان السلاح، هو نقطة تحول في لحظة فارقة في تاريخ الدولة السودانية، كشفت حجم التحديات التي تواجهها، وأظهرت في الوقت نفسه قدرتها على الصمود في وجه أخطر الأزمات التي مرت بها منذ الاستقلال.
هناك من يرى أن ما حدث كان جزءًا من مشروع أوسع لإضعاف الدولة السودانية، عبر إنهاك مؤسساتها، وتدمير بنيتها التحتية، وإشعال الانقسامات الاجتماعية، وصولًا إلى فرض واقع جديد يجعل السودان دولة عاجزة عن حماية سيادتها أو اتخاذ قرارها الوطني المستقل. وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات السياسية، فإن المؤكد أن الحرب خلّفت آثارًا كارثية على الإنسان والاقتصاد والعمران.
غير أن ما يستحق التوقف عنده هو أن السودان، رغم هذه المحنة، لم يسقط. فقد بقيت مؤسسات الدولة قائمة، واستمرت في أداء وظائفها الأساسية، واستطاعت القوات النظامية الحفاظ على تماسكها، بينما أظهرت قطاعات واسعة من المجتمع قدرة كبيرة على التكيف، والصمود ومساندة المتضررين.
ولعل أهم ما أثبتته التجربة أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من سلاح أو موارد، وإنما بما تمتلكه من إرادة وطنية. فعندما تتعرض الأوطان للأزمات، يصبح وعي المواطنين ووحدتهم خط الدفاع الأول عن الدولة، وهو ما برز في صور عديدة من التكافل الاجتماعي، ودعم المجتمعات المحلية والتمسك بفكرة السودان الواحد.
لكن الانتصار الحقيقي لا يكتمل بمجرد تجاوز أخطر مراحل الحرب. فالمرحلة الأصعب تبدأ بعد توقف صوت السلاح، حين يصبح لزامًا على الجميع الانتقال من ميادين المواجهة إلى ميادين البناء. فإعادة إعمار المدن، وإعادة النازحين إلى ديارهم، وإنعاش الاقتصاد، وإصلاح مؤسسات الدولة، وترميم النسيج الاجتماعي، كلها معارك لا تقل أهمية عن أي مواجهة عسكرية.
كما أن حماية السودان في المستقبل لا تكون بالسلاح وحده، هي ببناء دولة قوية وعادلة، تُعلي سيادة القانون، وتحارب الفساد، وتستثمر في التعليم والإنتاج، وتوفر الفرص للشباب، وتُرسخ مبدأ المواطنة المتساوية. فالدول التي تتماسك داخليًا تصبح أقل عرضة للأزمات وأكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
إن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والتنوع الثقافي، والطاقات البشرية، ما يؤهله لأن يكون من الدول الرائدة في الإقليم إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الوطنية الجامعة. وهذه الإمكانات يجب أن تتحول إلى مشروع نهضة، لا إلى أسباب جديدة للصراع.
لقد دفعت البلاد ثمنًا باهظًا، ولا ينبغي أن تضيع تضحيات السودانيين سدى. ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تكون هذه الحرب آخر الحروب، وأن يتحول الألم إلى دافع لبناء دولة أكثر قوة واستقرارًا وعدلًا.
سيبقى السودان أكبر من الأزمات، وأقوى من محاولات إضعافه، ما دام أبناؤه يؤمنون بأن وحدة الوطن وسيادته ليستا شعارًا يُرفع في أوقات الشدة، هي عهدٌ دائم تُبنى عليه الدولة، ويُصان به المستقبل. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما يحميها أيضًا الوعي، و وحدة الصف، والإخلاص للمصلحة الوطنية والإصرار على أن يظل السودان وطنًا موحدًا، سيدًا وقادرًا على النهوض مهما اشتدت العواصف.

المقالة السابقة

السيادة الوطنية في عصر الطفرات التقنية.. نحو إعادة تعريف القانون الدولي في ضوء التحول الرقمي .. هشام محمود سليمان .. باحث في القانون الدولي

المقالة التالية

السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة(8) .. السودان بين معركة الدولة ومشروع المليشيا..قراءة استراتيجية في تحولات الحرب، ومستقبل السلطة، وتحديات إعادة بناء الدولة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *