Popular Now

السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة(١٣) .. السودان بين الهدنة والسلام… هل تقترب نهاية الحرب أم تدخل الأزمة مرحلة جديدة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

الدخن غذاء .. من الماضي للحاضر .. الصادق عبدالله أبوعيّاشة …خبير، باحث في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

وجه الحقيقة |الخريف… ورهانات الأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

الدخن غذاء .. من الماضي للحاضر .. الصادق عبدالله أبوعيّاشة …خبير، باحث في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

هذا منشور مختصر ملخص من مادة أشمل، أعددته في العام الدولي للدخن. وفي مثل هذا العام (2026) الذي ينذر بضعف موسم الأمطار تبدو الحاجة لإعادة التعريف به، بحسبانه أحد المحاصيل المقاومة للجفاف. فقد اعتمدت الأمم المتحدة عام 2023 سنةً دولية للدخن، تأكيداً لأهميته في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وتولت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) قيادة هذه المبادرة بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والدول الأعضاء، بهدف رفع الوعي بأهمية الدخن في تحقيق الأمن الغذائي والتغذية السليمة وتعزيز النظم الزراعية المستدامة.

غذاء للمستقبل
إذ يُعد الدخن من أقدم محاصيل الحبوب التي عرفها الإنسان، إذ تمتد زراعته إلى آلاف السنين في المناطق الجافة وشبه الجافة من أفريقيا وآسيا. وقد ظل عبر التاريخ الغذاء الرئيس لملايين السكان في هذه المناطق بفضل قدرته العالية على التكيف مع البيئات القاسية التي تعجز فيها كثير من المحاصيل الأخرى عن الإنتاج. وفي ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالنمو السكاني والتغيرات المناخية.

قيمة غذائية عالية
للدخن قيمة غذائية عالية جعلته موضع اهتمام متزايد من خبراء التغذية والباحثين في مجالات الصحة العامة والأمن الغذائي. فهو غني بالكربوهيدرات المعقدة التي تمد الجسم بالطاقة بصورة تدريجية ومستدامة، كما يحتوي على نسبة جيدة من البروتين النباتي والأحماض الأمينية الضرورية للنمو وبناء الأنسجة. وتتميز حبوبه أيضاً بارتفاع محتواها من الألياف الغذائية التي تسهم في تحسين عملية الهضم وتنظيم مستويات السكر والكوليسترول في الدم.
مصدر للمعادن والفيتامينات
كذلك يحتوي الدخن على مجموعة مهمة من المعادن الأساسية مثل الحديد والزنك والمغنيسيوم والفوسفور والبوتاسيوم والكالسيوم، وهي عناصر ضرورية لبناء العظام والأسنان والمحافظة على وظائف العضلات والأعصاب وتعزيز المناعة وإنتاج الطاقة. كما يعد مصدراً جيداً لعدد من فيتامينات المجموعة (ب)، إضافة إلى احتوائه على مركبات نباتية طبيعية ومضادات للأكسدة تساعد في حماية الخلايا من الأضرار الناتجة عن الجذور الحرة وتسهم في الوقاية من عدد من الأمراض المزمنة.

خلوه من القلوتين
من أهم الخصائص التي زادت من الاهتمام العالمي بالدخن خلوه الطبيعي من الجلوتين، وهو البروتين الموجود في القمح والمسؤول عن حالات الحساسية لدى بعض الأشخاص. وقد جعلته هذه الميزة غذاءً مفضلاً للمصابين بحساسية الجلوتين، كما زادت من استخدامه في الصناعات الغذائية الحديثة الموجهة للأغذية الصحية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الدخن يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تحسين نوعية التغذية، خاصة لدى الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، وأنه يسهم في تنويع الأنظمة الغذائية وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المحاصيل العالمية.

صناعة الأعلاف
لا تقتصر أهمية الدخن على إنتاج الحبوب الغذائية، بل تمتد لتشمل أدواراً اقتصادية متعددة. فحبوبه تستخدم أيضاً كعلف مركز مرتفع القيمة للطيور وحيوانات المزرعة، في حين تمثل سيقانه وأوراقه ومخلفات حصاده مورداً علفياً مهماً للأبقار، والأغنام، والماعز والإبل، خاصة خلال فترات الجفاف عندما تتراجع المراعي الطبيعية. كما تستخدم سيقانه في بناء الأسوار والحظائر وتسقيف المنازل التقليدية وصناعة المظلات والعرائش، ويمكن الاستفادة منها وقوداً منزلياً مباشراً أو تحويلها إلى مصادر للطاقة الحيوية المتجددة.

ثقافة غذائية خاصة
قد نشأت حول الدخن ثقافة غذائية غنية ومتنوعة في السودان، تعكس قدرة المجتمعات المحلية على توظيف مواردها البيئية في إنتاج غذاء متنوع وعالي القيمة الغذائية. ومن أشهر الأطعمة التي يتم إعدادها من الدخن المليل أو الفريك، والعطينة، وأم دشيشة، وبليلة الدخن السادة، وبليلة الدخن باللبن، وبليلة الدخن باللوبيا والسمسم، وبليلة الدخن بالروب، وبليلة الدخن بالعرديب، ومديدة الدخن، وعصيدة الدخن بأصنافها المختلفة، (عصيدة الداميرقا، وعصيدة الجير)، وكسرة الدخن، وقراصة الدخن، وأم بُس بُس (البوسيب)، والباكمبا، والقدوقدو. وتمثل هذه الأطعمة جزءاً أصيلاً من التراث الغذائي السوداني، وقد ارتبطت بحياة المزارعين والرعاة والمسافرين، وأسهمت في توفير الغذاء والطاقة في البيئات الجافة وشبه الجافة. وندرة المياه وتدهور الأراضي الزراعية، عاد الدخن ليبرز بوصفه أحد المحاصيل الاستراتيجية القادرة على الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي والتغذوي وتعزيز التنمية الزراعية المستدامة.

ملائم للبيئة القاسية
تنبع الأهمية الاستثنائية للدخن من خصائصه البيئية الفريدة. فهو محصول يتميز بقدرة عالية على تحمل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، كما يستطيع النمو في الأراضي الرملية والخفيفة والفقيرة نسبياً في خصوبتها. ويحتاج إلى كميات من المياه أقل من تلك التي تتطلبها محاصيل الحبوب الرئيسية الأخرى مثل القمح والأرز والذرة، كما يتميز بقصر موسمه الزراعي، حيث تنضج بعض أصنافه خلال سبعين إلى تسعين يوماً فقط. وقد جعلت هذه الخصائص الدخن أحد أكثر المحاصيل ملاءمة للبيئات الهامشية، وخياراً واعداً للزراعة الذكية مناخياً ومواجهة آثار تغير المناخ.

الدخن في السودان
يحتل الدخن مكانة مهمة في السودان، حيث يزرع على نطاق واسع في ولايات كردفان ودارفور وأجزاء من شرق البلاد، ويشكل أحد أعمدة الأمن الغذائي في المناطق الريفية. وقد طورت المجتمعات المحلية، عبر مئات السنين، أصنافاً عديدة من الدخن تأقلمت مع البيئات المختلفة واكتسبت صفات متميزة من حيث تحمل الجفاف وجودة الحبوب وإنتاج السيقان العلفية. كما نجحت البحوث الزراعية في تطوير أصناف محسنة تتسم بالتبكير في النضج وارتفاع الإنتاجية والاستقرار تحت ظروف الأمطار المحدودة، مما يفتح آفاقاً واسعة لزيادة الإنتاج وتحسين مستوى معيشة المزارعين.

إنتاجية قابلة للتحسين
تتفاوت إنتاجية الدخن تبعاً لكمية الأمطار ومستوى الإدارة الزراعية والتقانات المستخدمة. ففي السودان، حيث يعتمد الإنتاج أساساً على الزراعة المطرية التقليدية، تبقى الإنتاجية عرضة لتقلبات المناخ، لكنها قابلة للتحسن بصورة كبيرة عند استخدام الأصناف المحسنة، وتحسين إعداد الأرض والزراعة في المواعيد المناسبة، ومكافحة الحشائش واتباع الممارسات الزراعية الجيدة.

تحديات خاصة بالدخن
رغم هذه المزايا المتعددة، يواجه الدخن بعض التحديات المتعلقة بالتخزين والتصنيع. فبعد طحن الحبوب يصبح دقيق الدخن أكثر عرضة للتأثر بالرطوبة والحرارة والهواء، مما يؤدي إلى تغير اللون والطعم والرائحة وزيادة احتمالات الإصابة بالحشرات والعفن، خاصة في المناطق الحارة. كما أن خلوه من الجلوتين يجعل عجينه أقل تماسكاً من عجين القمح. غير أن هذه التحديات يمكن التغلب عليها من خلال تخزين الحبوب كاملة وطحنها عند الحاجة، وتحميصها وحفظها في أوعية محكمة وفي أماكن جافة وباردة.

خلاصة
في ظل تحديات الأمن الغذائي عالمياً، وتحدى التغير المناخي وندرة الموارد الطبيعية، يبرز الدخن بوصفه محصولاً استراتيجياً يجمع بين القدرة على التكيف البيئي والقيمة الغذائية والاقتصادية العالية. فهو يوفر الغذاء للإنسان، والعلف للحيوان، ومواد البناء والطاقة المتجددة، ويقدم نموذجاً لمحصول صغير الحبة عظيم الأثر، وقادراً على الإسهام بصورة فاعلة في بناء نظم غذائية وزراعية أكثر استدامة ومرونة في مواجهة تحديات المستقبل.
الصادق عبدالله أبوعياشة
يوليو 2026 ـ الرياض

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |الخريف… ورهانات الأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة(١٣) .. السودان بين الهدنة والسلام… هل تقترب نهاية الحرب أم تدخل الأزمة مرحلة جديدة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *