Popular Now

سلسلة مقالات استراتيجية (3) مركز الثقل الاستراتيجي الخارجي في حرب مليشيا الدعم السريع واعوانها : البيئة الإقليمية وشبكات التأثير .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

استطلاع عن اتجاهات الرأي العام حول مجلس السيادة ومستقبله في المرحلة القادمة

خطاب حميدتي وتحالف “تأسيس”.. هل بدأ العد التنازلي لمرحلة جديدة في الحرب السودانية؟ (28) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

سلسلة مقالات استراتيجية (3) مركز الثقل الاستراتيجي الخارجي في حرب مليشيا الدعم السريع واعوانها : البيئة الإقليمية وشبكات التأثير .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

منذ أن قدم المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز مفهوم “مركز الثقل” في كتابه الشهير عن الحرب، أصبح هذا المفهوم أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في الفكر الاستراتيجي الحديث، باعتباره مدخلاً لفهم مصادر القوة ومواطن الضعف لدى الأطراف المتحاربة. فلم يكن كلاوزفيتز يقصد بمركز الثقل مجرد القوة العسكرية المباشرة أو حجم القوات والأسلحة، وإنما كان يبحث عن النقطة التي تتجمع فيها قدرة الطرف المتحارب على الصمود والمقاومة وفرض إرادته السياسية والعسكرية على العدو . ولذلك فإن التأثير على مركز الثقل لا يعني بالضرورة تدمير القوة العسكرية وحدها، وإنما الوصول إلى المصدر الأساسي الذي يمنح العدو القدرة على الاستمرار وإعادة إنتاج القوة.
وقد تطور مفهوم مركز الثقل عبر المدارس الاستراتيجية المختلفة، حيث أضاف باسيل ليدل هارت بعداً مهماً حين أكد أن الانتصار لا يتحقق دائماً عبر المواجهة المباشرة، وإنما من خلال الوصول إلى حالة من الاختلال الاستراتيجي لدى الخصم، وإفقاده القدرة على المناورة والحفاظ على توازنه. كما قدم جون واردن تصوراً أكثر شمولاً للقوة الحديثة، باعتبارها منظومة مترابطة تشمل القيادة، والموارد، والبنية الاقتصادية، والقدرات العسكرية، وشبكات الإسناد. أما إدوارد لوتواك فقد أكد أن الحروب الحديثة لا تُحسم داخل ميادين القتال وحدها، وإنما تتأثر بصورة عميقة بالبيئة السياسية والاقتصادية والإقليمية التي تمنح الأطراف المتحاربة العمق والقدرة على الصمود.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن تحليل حرب المليشيا علي السودان منذ أبريل 2023 لا يمكن أن يقتصر على دراسة التحركات العسكرية أو السيطرة على المدن والمناطق، لأن طبيعة هذه الحرب تجاوزت الإطار الداخلي وأصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من العوامل الإقليمية والدولية. فالقوة في الحروب المعاصرة لا تُقاس فقط بعدد المقاتلين أو حجم التسليح، وإنما بقدرة الطرف المتحارب على المحافظة على منظومة متكاملة من التمويل، والإمداد، والعلاقات السياسية، والعمق الجغرافي، والقدرة على إعادة بناء القوة في ظل ظروف الحرب.
ومن هذا المنطلق، يصبح مفهوم مركز الثقل الخارجي مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة هذه الحرب ، ليس باعتباره عاملاً منفرداً يحسم الحرب، وإنما باعتباره أحد العناصر المؤثرة في قدرة الأطراف على الاستمرار أو التراجع. فالمليشيا نمتلك منظومة من مراكز الثقل الداخلية والخارجية، ويعتمد بقاؤها على مدى قدرتها على حماية هذه المنظومات أو التأثير في منظومات القوات المسلحة.
وفي تقديري، فإن التحولات العسكرية التي شهدتها الحرب خلال الفترة الأخيرة، وما صاحبها من انتصارات باهرة للقوات المسلحة السودانية والقوات المساندة فى محاور القتال فى كردفان والنيل الأزرق و و في السيطرة على عدد من المناطق ذات القيمة الاستراتيجية، تؤكد أن الحرب لم تعد مجرد معركة للسيطرة على الأرض، وإنما أصبحت معركة حول إعادة تشكيل منظومات القوة نفسها. فالمناطق الحدودية، وطرق الإمداد، والممرات التجارية، وشبكات العلاقات الخارجية، أصبحت جزءاً من ميدان الحرب بقدر ما هي جزء من الجغرافيا السياسية للسودان.
وتنبع أهمية البيئة الإقليمية في الحالة السودانية من حقيقة أن السودان يقع في نقطة تقاطع بين دوائر استراتيجية متعددة تشمل البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وحوض النيل، ومنطقة الساحل والصحراء. وهذا الموقع الجغرافي جعل السودان عبر التاريخ مجالاً لتفاعل المصالح الإقليمية والدولية، وجعل استقرار محيطه أو اضطرابه عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في أمنه القومي.
وكما أشار هالفورد ماكيندر في نظرياته الجيوسياسية، فإن الجغرافيا ليست مجرد مسرح تتحرك فوقه الأحداث، وإنما عنصر فاعل في صناعة القوة. كما أكد نيكولاس سبايكمان أن السيطرة على الأطراف والمناطق المحيطة بالمجال الحيوي للدولة يمكن أن تكون مدخلاً للتأثير على مركزها الاستراتيجي. ومن هنا فإن الحدود السودانية الطويلة مع عدد من الدول تمثل في الوقت نفسه فرصة استراتيجية وتحدياً أمنياً، فهي يمكن أن تكون جسراً للتعاون والتكامل، كما يمكن أن تتحول إلى منفذ للمخاطر العابرة للحدود.
وعند دراسة مركز الثقل الخارجي لمليشيا الدعم السريع، فإن التحليل الاستراتيجي لا ينبغي أن ينطلق فقط من طبيعة العلاقات السياسية أو الاتهامات المتبادلة، وإنما من سؤال أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة الشبكات التي تمنح القوة غير النظامية القدرة على الاستمرار. فالقوات غير النظامية تحتاج بحكم طبيعتها إلى منظومات دعم تختلف عن الجيوش النظامية، وتعتمد بدرجات متفاوتة على التمويل المرن، وشبكات الحركة، والموارد غير التقليدية، والعلاقات العابرة للحدود.
وعليه، فإن دراسة مركز الثقل الخارجي لأي قوة مسلحة غير نظامية تقتضي تحليل منظومة واسعة تشمل مصادر التمويل، ومسارات الإمداد، والعمق الجغرافي، والغطاء السياسي الخارجي، وشبكات الاقتصاد غير الرسمي، وقدرة هذه العناصر مجتمعة على توفير المرونة والقدرة على مواصلة العمليات. فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا فقدت البيئة التي تغذي استمرارها.
وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها أحد أكثر الملفات حضوراً في النقاشات المرتبطة بالحرب السودانية. فقد وجهت الحكومة السودانية اتهامات رسمية تتعلق بتقديم دعم لمليشيا الدعم السريع، كما تناولت تقارير موثقة إعلامية ومنظمات دولية هذا الملف بدرجات مختلفة من البحث والتحقيق. ومن منظور التحليل الاستراتيجي، فإن أهمية هذه القضية لا ترتبط فقط بالجدل السياسي حولها، وإنما بدراسة أثر أي دعم خارجي محتمل على قدرة طرف غير نظامي على الاستمرار في الحرب وعلى طبيعة التوازنات داخل الصراع.
وتتطلب المنهجية العلمية في دراسة مثل هذه الملفات التمييز بين المواقف السياسية، والتقارير والتحقيقات الإعلامية، والأدلة القابلة للتحقق، لأن التحليل الاستراتيجي لا يكتفي بإثبات وجود علاقة سياسية، وإنما يبحث في طبيعة تأثيرها العملياتي ومدى قدرتها على تغيير ميزان القوة. وقد اكد واقع الحال ان الامارات تتبني مشروع المليشيا قلبا وقالب ولا جدال فى ذلك .
أما إثيوبيا، فإن موقعها الجغرافي يجعلها عنصراً مهماً في معادلة الأمن القومي السوداني، بحكم الحدود المشتركة، وإقليم النيل الأزرق، ومنطقة الفشقة، وملف سد النهضة، إضافة إلى موقعها المركزي في منظومة القرن الأفريقي. ولذلك فإن دراسة الدور الإثيوبي لا ينبغي أن تقتصر على المواقف المرتبطة بالحرب، وإنما يجب أن تشمل طبيعة المصالح الإثيوبية، وتوازناتها الإقليمية، وتأثير البيئة الحدودية في مسار الصراع.
فالحدود الطويلة والمتداخلة بين الدول قد تتحول في أوقات النزاعات إلى عامل مؤثر في البيئة العملياتية، سواء من خلال حركة الأفراد أو السلاح أو الأنشطة غير المشروعة. ولهذا فإن إدارة الحدود والتعاون الأمني بين الدول المجاورة يمثلان جزءاً أساسياً من منظومة حماية الأمن القومي.
أما تشاد، فإن أهميتها الاستراتيجية تنبع من طبيعة ارتباطها بإقليم دارفور، ومن الامتداد الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي بين الجانبين. فالحدود في منطقة الساحل والصحراء لا تمثل مجرد خطوط سياسية فاصلة، وإنما هي فضاءات تتحرك عبرها التجارة غير الرسمية، وشبكات التهريب، والهجرة، والسلاح، والجماعات المسلحة. ولذلك فإن فهم تأثير تشاد يتطلب دراسة طبيعة البيئة الأمنية والاقتصادية للحدود، وليس فقط المواقف الرسمية للدولة.
كما تمثل جمهورية أفريقيا الوسطى بعداً مهماً في البيئة الأمنية لغرب السودان، بحكم قربها الجغرافي من دارفور، وارتباطها بمناطق غنية بالموارد الطبيعية، ووجود مسارات تاريخية للحركة التجارية والبشرية. ولذلك فإن استقرارها أو اضطرابها ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الإقليمي في المنطقة.
وفي الاتجاه الجنوبي، فإن جنوب السودان يمثل حالة خاصة، إذ إن العلاقة بين الخرطوم وجوبا تتجاوز مفهوم الجوار التقليدي لتصبح علاقة أمن متبادل ترتبط بالنفط، والتجارة، وحركة السكان، والاستقرار السياسي. ومن ثم فإن تعزيز التعاون بين البلدين يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في تقليل المخاطر العابرة للحدود وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
أما الامتداد الصحراوي باتجاه ليبيا، فإنه يمثل تحدياً استراتيجياً دائماً بسبب اتساع المساحات وصعوبة الرقابة الأمنية، إضافة إلى ارتباط المنطقة بشبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي. وهذا يجعل إدارة الحدود الشمالية الغربية جزءاً أساسياً من أي استراتيجية سودانية لإعادة بناء الأمن الوطني.
إن الخلاصة الأساسية التي يمكن الوصول إليها هي أن مركز الثقل الخارجي في الحرب السودانية لا يتمثل في دولة واحدة أو عامل منفرد، وإنما في شبكة معقدة من المصالح والمسارات والعلاقات التي تؤثر في قدرة الأطراف على الاستمرار والمناورة. ولذلك فإن التعامل مع هذا المركز لا يكون بالوسائل العسكرية وحدها، وإنما من خلال استراتيجية شاملة تجمع بين الدبلوماسية الفاعلة، وتأمين الحدود، وتعزيز التعاون الإقليمي، ومكافحة شبكات التهريب، وبناء اقتصاد قادر على دعم الدولة.
فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما بمن يستطيع المحافظة على منظومة القوة التي تمنحه القدرة على الصمود وإعادة البناء. ومن هنا فإن إعادة تشكيل مركز الثقل الخارجي للدولة السودانية تمثل أحد أهم مسارات استعادة التوازن الاستراتيجي، ليس فقط في مواجهة الحرب الحالية، وإنما في بناء أمن قومي قادر على التعامل مع بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة.

المقالة السابقة

استطلاع عن اتجاهات الرأي العام حول مجلس السيادة ومستقبله في المرحلة القادمة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *