تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة تتزامن فيها التطورات العسكرية مع تحرك سياسي واجتماعي متسارع للبحث عن مخرج من أطول حرب يشهدها السودان في تاريخه الحديث.
وبينما تستمر العمليات العسكرية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وتتصاعد الضربات الجوية، وتبقى نيالا إحدى أهم بؤر الصراع، يبرز الحوار السوداني السوداني من الداخل باعتباره التطور السياسي الأكثر أهمية، ليس لأنه بديل عن المسار العسكري فحسب، وإنما لأنه يمثل محاولة لإعادة بناء الجبهة الداخلية التي أصابها الانقسام والاستقطاب منذ اندلاع الحرب.
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات التي يقودها شيخ كدباس أهمية خاصة، بعد اللقاء مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وما ارتبط به من حديث عن ضمانات وعفو عن بعض الشخصيات الراغبة في العودة والمشاركة في الحوار.
وهنا تبرز كدباس باعتبارها، تاريخياً واجتماعياً، مساحة للالتقاء أكثر من كونها ساحة للاستقطاب؛ وهو ما ينسجم مع فلسفة دينية واجتماعية تقوم على التقريب بين السودانيين، لا تعميق خلافاتهم.
الحوار من الداخل.. لماذا الآن؟
السؤال الأساسي ليس: لماذا أطلق البرهان دعوة للحوار الآن؟
بل: لماذا أصبح الحوار الداخلي ضرورة وطنية في هذه المرحلة؟
الحرب أفرزت واقعاً سودانياً جديداً.
فقد تضررت الأحزاب، وتفككت التحالفات، وتراجعت قدرة النخب السياسية التقليدية على تمثيل المجتمع، بينما ظهرت قوى اجتماعية واسعة خارج دائرة التنظيمات السياسية.
وهؤلاء يمثلون ما يمكن تسميته بـ الأغلبية الصامتة؛ وهم النازحون، والمتضررون من الحرب، والعمال والمزارعون، والإدارات الأهلية، والشباب، والطرق الصوفية، والقيادات المجتمعية، وأسر الضحايا، والقطاعات التي لا تنتمي إلى أي حزب سياسي.
ولهذا فإن الحوار السوداني الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد اجتماع للنخب، وإنما يجب أن يتحول إلى عملية وطنية لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة والقوى السياسية.
كدباس.. منبر للتقريب لا للإقصاء
تكتسب مبادرة شيخ كدباس أهميتها من طبيعة الموقع الاجتماعي والديني الذي تمثله.
فالتاريخ الاجتماعي للسودان يؤكد أن الطرق الصوفية والزعامات الدينية ظلت في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد جسوراً للتواصل بين مكونات المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن دخول قيادة دينية ذات قبول اجتماعي إلى مسار الحوار قد يوفر مساحة مختلفة عن المساحات الحزبية التقليدية.
فالسياسة السودانية عانت طويلاً من منطق:
معنا أو ضدنا.
أما المصالحة الوطنية فتحتاج إلى منطق آخر:
نختلف سياسياً، ولكن لا نختلف حول الوطن.
ومن هنا يمكن فهم فلسفة كدباس باعتبارها مكاناً يجمع ولا يفرق، ويقرب ولا يقصي، وهي فلسفة تلتقي مع المعنى المتداول في العمل الدعوي والاجتماعي: دعاة لا قضاة.
والمقصود هنا ليس إلغاء المسؤولية القانونية عن الجرائم والانتهاكات، وإنما التمييز بين المصالحة السياسية والاجتماعية وبين العدالة التي ينبغي أن تأخذ مسارها القانوني المستقل.
العفو والضمانات.. مفتاح العودة
من أهم العقبات التي تواجه الحوار السوداني مسألة الخوف.
هناك شخصيات وقوى سياسية خارج السودان تخشى العودة بسبب الملاحقات أو الإجراءات القانونية أو احتمال تعرضها للاعتقال.
ولهذا فإن حديث البرهان عن الضمانات والعفو يمثل محاولة لإزالة أحد أكبر الحواجز أمام المشاركة.
لكن نجاح هذه الخطوة يحتاج إلى إطار واضح:
تحديد طبيعة القضايا التي يمكن تعليق إجراءاتها.
التمييز بين الخلاف السياسي والجرائم الجنائية.
ضمان استقلال القضاء.
توفير ضمانات قانونية حقيقية.
عدم استخدام العفو كوسيلة للإفلات من المسؤولية عن الجرائم الخطيرة.
فتح الباب أمام العودة والمشاركة السياسية السلمية.
وهنا يمكن أن تتحول الضمانات من مجرد إعلان سياسي إلى آلية عملية لبناء الثقة.
مريم الصادق المهدي.. اختبار للمشهد السياسي
يمثل موقف مريم الصادق المهدي من دعوة الحوار أحد المؤشرات المهمة على أن المشهد السياسي السوداني بدأ يتحرك باتجاه إعادة التموضع.
فالموقف من الحوار لم يعد بالضرورة مطابقاً للاستقطاب القديم بين مؤيد للحكومة ومعارض لها.
وهذا تطور مهم.
فالمرحلة القادمة قد تشهد انتقالاً من سؤال:
من مع البرهان ومن ضده؟
إلى سؤال أكثر أهمية:
من يستطيع أن يشارك في بناء الدولة السودانية بعد الحرب؟
وإذا استطاعت شخصيات سياسية ذات خلفيات مختلفة أن تدخل الحوار دون أن تتحول المشاركة إلى اصطفاف سياسي، فإن ذلك يمكن أن يساعد في توسيع قاعدة العملية السياسية.
مناوي والحوار.. موقف من داخل معسكر الحرب
موقف حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي من شخصية عسكرية وسياسية موجودة في قلب الحرب.
فمشاركة القوى المسلحة في الحوار ضرورية، لأن أي اتفاق سياسي لا يشمل القوى المؤثرة ميدانياً سيظل معرضاً للانهيار.
لكن التحدي هو أن يتحول الحوار إلى مشروع وطني وليس إلى صفقة بين النخب المسلحة والسياسية.
وهنا ينبغي أن تكون قضية توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ومستقبل القوات المشتركة، وترتيبات الأمن في دارفور، من أهم الملفات التي يناقشها الحوار.
الميدان العسكري.. الحرب لم تتوقف
في الوقت الذي يتحرك فيه المسار السياسي، تستمر العمليات العسكرية.
وتشير المعطيات الواردة إلى استمرار الغارات الجوية للجيش السوداني على مواقع لقوات الدعم السريع في كردفان، في وقت تحاول فيه قوات الدعم السريع تعزيز وجودها في نيالا.
وهذا يؤكد أن المسار السياسي لا يزال يتحرك بالتوازي مع مسار عسكري مفتوح.
وتظل كردفان واحدة من أهم ساحات المعركة، لأنها تمثل منطقة اتصال بين دارفور ووسط السودان، كما أن السيطرة على طرقها ومراكزها يمكن أن تؤثر في قدرة كل طرف على المناورة والإمداد.
نيالا.. عقدة الحرب في دارفور
تستمر نيالا في احتلال موقع مركزي في حسابات قوات الدعم السريع.
وأي اضطراب أمني داخل المدينة، أو تصاعد في عمليات الاستهداف، يمكن أن تكون له نتائج تتجاوز جنوب دارفور.
فالمدينة تمثل مركزاً بشرياً ولوجستياً مهماً، كما ترتبط بشبكات طرق تؤثر في الحركة داخل دارفور.
ومن هنا فإن مستقبل نيالا سيكون من المؤشرات الرئيسية على اتجاه الحرب في الإقليم.
إذا بقيت نيالا مستقرة نسبياً، فإن الدعم السريع يستطيع الاحتفاظ بقاعدة مهمة في جنوب دارفور.
أما إذا دخلت المدينة في مرحلة اضطراب عسكري واسع، فإن ذلك قد يغير بصورة كبيرة خريطة السيطرة في دارفور.
النيل الأزرق.. الجبهة الأخطر إقليمياً
بالتزامن مع كردفان ودارفور، تستمر التطورات في النيل الأزرق.
وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة بسبب قربها من إثيوبيا، وارتباطها بملف سد النهضة، فضلاً عن الحدود وحركة السكان واللاجئين.
وإذا توسعت العمليات في الكرمك وقيسان والمناطق المحيطة، فقد تجد الحرب السودانية نفسها أمام جبهة ذات حساسية إقليمية تفوق الجبهات الداخلية الأخرى.
كما أن أي تطور في هذه المنطقة ينبغي أن يُقرأ في ضوء الأوضاع الداخلية الإثيوبية، لا سيما التوترات السياسية والأمنية في عدد من الأقاليم.
الحرب تدخل مرحلة استنزاف متعددة الجبهات
الملاحظة الأهم في التطورات الحالية أن قوات الدعم السريع لا تزال قادرة على فتح جبهات متعددة، رغم ما يرد من تقارير عن خسائر وانشقاقات.
وهذا يعني أن الحديث عن انهيار سريع يجب أن يكون حذراً.
لكن في المقابل، فإن تعدد الجبهات يحمل خطراً على أي قوة عسكرية؛ لأن الانتشار الواسع يحتاج إلى:
إمداد مستمر، وقود، ذخيرة، قيادة موحدة، موارد بشرية، وغطاء اجتماعي.
وكلما طال أمد الحرب، أصبح الحفاظ على هذه العناصر أكثر صعوبة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تشهد معركة على الاستنزاف وليس فقط السيطرة على المدن.
الحكومة.. معركة إعادة بناء الدولة
في مقابل التطورات العسكرية، بدأت الحكومة السودانية تتحرك في اتجاه إعادة تشغيل الدولة.
وتأتي الإجراءات المتعلقة بالمطار والخدمات والطاقة والوقود ضمن محاولة لإعادة الحياة إلى المؤسسات الاقتصادية والخدمية.
وهذا المسار بالغ الأهمية؛ لأن الحرب لا يمكن أن تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار.
فالسودان يحتاج إلى:
إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وإعادة الخدمات، وإصلاح البنية التحتية، وإعادة النازحين، وتحريك الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، وإعادة بناء الجيش والشرطة والمؤسسات المدنية.
ومن هنا فإن إعفاء بعض الرسوم المرتبطة بالطاقة الشمسية يمثل، رغم محدوديته، جزءاً من الحاجة إلى تخفيف كلفة الطاقة وتشجيع البدائل في بلد دمرت الحرب جزءاً كبيراً من بنيته التحتية.
من الحوار إلى المصالحة الوطنية
إذا نجح الحوار الذي يجري العمل عليه، فإن الخطوة التالية يجب ألا تكون مجرد تشكيل حكومة جديدة.
بل ينبغي أن تكون هناك خريطة طريق وطنية تتضمن:
إيقاف الحرب.
إعادة النازحين واللاجئين.
إعادة بناء المؤسسات.
إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية.
توحيد السلاح تحت الدولة.
إطلاق عملية عدالة ومصالحة وطنية.
إعادة الإعمار.
التحضير لانتخابات حرة.
وبناء نظام سياسي يمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: اتساع الحوار
تتزايد مشاركة القوى السياسية والاجتماعية والدينية، ويصبح الحوار إطاراً وطنياً واسعاً يتجاوز الاستقطاب الحزبي.
السيناريو الثاني: حوار محدود
تشارك بعض القوى، بينما تستمر قوى أخرى في المقاطعة، فيظل الحوار مهماً لكنه غير قادر على إنتاج توافق شامل.
السيناريو الثالث: استمرار الحرب مع الحوار
يستمر القتال بالتوازي مع الحوار، ويصبح الميدان العسكري عاملاً رئيسياً في تحديد مواقف الأطراف السياسية.
السيناريو الرابع: التحول إلى تسوية وطنية
يحدث تغير في ميزان القوى العسكرية بالتزامن مع اتساع الحوار، فتنتقل الأطراف من محاولة تحقيق الحسم الكامل إلى التفاوض على مستقبل الدولة.
وهذا هو السيناريو الأكثر ملاءمة للسودان إذا اقترن بضمانات حقيقية وعدم إفلات مرتكبي الجرائم الجسيمة من العدالة.
القراءة الاستراتيجية
الحدث الأهم في السودان اليوم ليس معركة واحدة، ولا تصريحاً سياسياً منفرداً، وإنما التزامن بين ثلاثة تحولات:
تحول عسكري يتمثل في إعادة تشكيل خطوط القتال وموازين القوى.
تحول سياسي يتمثل في انتقال الحوار من الخارج إلى الداخل.
تحول اجتماعي يتمثل في دخول قوى دينية ومجتمعية ومدنية إلى عملية البحث عن السلام.
وهنا تكمن أهمية مبادرة كدباس.
فإذا استطاعت هذه المبادرة أن تجمع السودانيين حول طاولة واحدة، وأن تزيل مخاوف العودة والمشاركة، فقد تكون خطوة مهمة في إعادة بناء الثقة.
أما إذا تحول الحوار إلى مجرد صراع جديد بين النخب، فسوف يفقد أهميته.
الخلاصة
السودان أمام لحظة تاريخية.
فبينما تستمر المعارك في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وتبقى نيالا وقضايا الإمداد والحدود من أهم عناصر الصراع، بدأت تتشكل في المقابل فرصة سياسية تتمثل في الحوار السوداني السوداني من الداخل.
وتبرز كدباس في هذه اللحظة باعتبارها مساحة يمكن أن تجمع الفرقاء، خصوصاً إذا نجحت في التواصل مع القوى السياسية والاجتماعية والدينية والنازحين والمتضررين من الحرب.
إن السودان لا يحتاج إلى حوار لتوزيع السلطة فقط، وإنما يحتاج إلى حوار لإعادة بناء الوطن.
ولا ينبغي أن يكون السؤال:
من ينتصر على من؟
بل:
كيف ينتصر السودان على الحرب؟
وهنا تصبح المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات، وبناء الجيش الوطني، وإعادة الإعمار، وإطلاق مسار سياسي شامل، أهم من أي مكسب حزبي أو عسكري مؤقت.
فالسودان لا يمكن أن يبنى بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بمنطق الوطن الذي يتسع للجميع، والدولة التي لا يكون فيها السلاح إلا بيد مؤسساتها الشرعية.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com
سلسلة الحرب على السودان (50) الحوار السوداني السوداني.. كدباس تفتح الطريق إلى المصالحة الوطنية وسط تصاعد المعارك .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


