إذا كان الصراع المتطرف العنيف في الساحل يمثل بؤرة توتر إقليمية بامتياز، فإن حرب مليشيا الدعم السريع الدائرة في السودان ، والتي دخلت عامها الرابع على نحو متواصل، قد تحولت إلى محرك إقليمي لإعادة تشكيل ديناميات الأمن والصراع في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا، بل إن الأكثر خطورة، كما توثق التقارير الاستخباراتية والأبحاث الميدانية، هو أن هذه الحرب أصبحت مصدراً رئيسياً لتغذية الجماعات المتطرفة العنيفة في الساحل الافريقي بالأسلحة والتقنيات القتالية المتطورة، في اتجاه معاكس تماماً لما يظنه الكثيرون؛ لم يعد خطر انتشار السلاح مقتصراً على الأسلحة التقليدية، بل امتد إلى تقنيات قتالية متقدمة قادرة على إحداث تحول نوعي في قدرات الجماعات المسلحة غير الحكومية.
فوفقاً لتقرير تحليلي صادر عن مركز فكرة للدراسات والتنمية في أغسطس من عام 2026، والذي حمل عنواناً معبراً هو الاتجاه المعاكس ، يقول في بعض فقراته ان هناك أدلة موثقة على وصول أسلحة وتقنيات عسكرية متقدمة، سبق توريدها إلى مليشيا الدعم السريع، إلى جماعات مسلحة وجهادية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، عبر شبكات للتهريب وإعادة البيع وإعادة التوزيع. وقد تتبعت تحقيقات الأمم المتحدة وأبحاث ميدانية حالات محددة لوصول أسلحة وذخائر مرتبطة بمليشيا الدعم السريع إلى جماعات من بينها تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، مما يعني أن حرب المليشيا لم تعد مجرد أزمة محدودة ، وانما أصبحت مصدراً لتدفق الأسلحة إلى أخطر التنظيمات المتطرفة في القارة. والأكثر إثارة للقلق، كما يوثق التقرير نفسه، هو انتقال معلومات مرتبطة بنقل خمس وعشرين طائرة مسيّرة من السودان إلى ولاية تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا، بالتزامن مع تصاعد حاد في استخدام مليشيا الدعم السريع لتكنولوجيا الطائرات المسيّرة في الهجمات بالمنطقة، وهو ما يمثل نقلة نوعية خطيرة في مستوى القدرات العسكرية المتاحة للجماعات المسلحة دون الدوله ، والتي كانت حتى وقت قريب تعتمد على الأسلحة الخفيفة والدراجات النارية في عملياتها.
وهذه الظاهرة الخطيرة، التي تجعل من السودان عمق يتقاطع عنده نشاط منظومات أمن الساحل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر بفعل وممارسات مليشيا الدعمالسريع واعوانها الاجرامية ، يمكن تفسيرها عبر عدة مقاربات نظرية ، أولها نظرية الفوضى الخلاقة التي تشير إليها المدرسة الواقعية، حيث يؤدي هشاشة الدولة إلى خلق فراغ أمني تستغله القوى الإقليمية والدولية لتمرير أجنداتها، وتستغله الجماعات المسلحة لتأمين احتياجاتها من السلاح والمال. وثانيها، نظرية التبعية في نسختها النقدية، التي ترى أن الصراعات في الهوامش الإفريقية ليست صراعات محلية بحتة، بل هي انعكاس لصراعات القوى الكبرى على الموارد والنفوذ، حيث تتلقى مليشيا الدعم السريع دعماً لوجستياً وعسكرياً من قوى إقليمية ودولية وفى مقدمتها دولة الامارات العربيه تسعى إلى زعزعة استقرار السودان والساحل معاً. وثالثها، نظرية مجمع الأمن الإقليمي، التي تؤكد أن التهديدات الأمنية في إفريقيا لا يمكن فصلها عن بعضها، بل إنها تشكل منظومة مترابطة، حيث تتحول ليبيا، على سبيل المثال، من مجرد ممر لوجستي للأسلحة والمقاتلين إلى قاعدة متقدمة لعمليات مليشيا الدعم السريع، تشمل تعديل المركبات وتجميع المقاتلين وإعادة توزيع الأسلحة باتجاه أسواق ومناطق الصراع في الساحل وغرب إفريقيا.
ولا يقتصر التداخل بين أزمة الساحل وحرب السودان على تهريب الأسلحة فحسب، بل يمتد إلى تنقل المقاتلين والمرتزقة، حيث تكشف التقارير عن وجود بؤر تجنيد في شمال مالي، وتحديداً في مناطق تمركز حركات الطوارق والجماعات المتطرفه ، يتم من خلالها جذب الشباب للقتال في صفوف مليشيا الدعم السريع مقابل وعود بالمال والسلاح، وهو ما يعيد إنتاج دائرة العنف بين المنطقتين؛ حيث يذهب المقاتل من الساحل إلى السودان ليكتسب خبرات قتالية، ثم يعود ليضخها في صراعات بلاده، أو يذهب السلاح من السودان إلى الساحل ليزيد من تعقيد المشهد الأمني هناك. وفي هذا السياق، تبرز زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان إلى مالي وغينيا وسيراليون وموريتانيا والسنغال في يناير من عام 2025، كخطوه ذكية لتطويق الدعم السريع إقليمياً، وكاعتراف ضمني من الخرطوم بأن حدود أمنها القومي لم تعد تنتهي عند تخوم دارفور، بل تمتد إلى قلب الساحل الغربي.
هذا التشابك المعقد بين بؤرتي التوتر في الساحل والسودان، والذي يجعلهما أشبه بمرآتين تعكسان كل منهما أزمات الأخرى، يطرح سؤالاً استراتيجياً كبيراً حول مستقبل الأمن الإقليمي في إفريقيا، وهو السؤال الذي سنناقشه بالتفصيل في مقالنا الختامي من هذه السلسلة، حيث سنحاول رسم صورة متكاملة للمشهد الجيوبوليتيكي في المنطقة، وقراءة السيناريوهات المحتملة للسنوات القادمة، في ظل تنافس القوى الكبرى، وتصاعد التطرف العنيف ، وهشاشة الدولة في أكثر من قطر، وغياب أي مشروع إقليمي جامع قادر على احتواء هذه الأزمات المتشابكة.
الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (6) كيف يغذي الدعم السريع جذوة التطرف العنيف في إفريقيا؟ .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء انماء الاستراتجية
المقالة السابقة


