Popular Now

منشورات د. احمد المفتي رقم 6224 ( بدعم من الذكاء الإصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. الحوار السوداني السوداني ، ينعقد بمن حضر ، وذلك ليس هو الخيار الأفضل ، ولكنه أفضل من الوضع الراهن !!! .. ترجمة المنشور 6224 للغة الانحليزية مرفقة

السودان أمام اختبار الحوار والحرب (59) .. لجنة الداخل في مواجهة مشاريع الخارج وإعادة تشكيل الإقليم .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

ما وراء الحدود … من الرصد إلى الاستباق .. نحو مركز استراتيجي لفهم التحولات واستشراف المستقبل .. عادل الرفاعي ابوالحسن

ما وراء الحدود … من الرصد إلى الاستباق .. نحو مركز استراتيجي لفهم التحولات واستشراف المستقبل .. عادل الرفاعي ابوالحسن

يكشف تاريخ السودان، منذ عصور الممالك و السلطنات، أن المجال الممتد غربه و المتصل بتشاد و النيجر و أفريقيا الوسطى و مالي و نيجيريا و الكاميرون و غيرها، كان فضاءً اجتماعياً و ثقافياً و اقتصادياً متصلاً، تتداخل فيه القبائل و المجتمعات و المصالح و طرق التجارة و الرعي و الهجرة. و تُظهر كتب التاريخ أن هذا المجال شهد قوى بشرية و عسكرية مؤثرة تحركت، في مراحل مختلفة، من الأطراف نحو المراكز السياسية القائمة. و هذا سياق تاريخي يخص الممالك و السلطنات القديمة، و لا ينبغي خلطه بالحركات المسلحة و التمردات في السودان الحديث.

و تقدم المهدية نموذجاً بارزاً؛ فقد اكتسبت حركة محمد أحمد المهدي قوة بشرية و عسكرية كبيرة بعد وصولها إلى كردفان و انضمام مجموعات من البقارة في دارفور و كردفان، و أسهم هذا الرصيد في إسقاط النظام و الوصول إلى الخرطوم. و بعد وفاة المهدي، تعاظم اعتماد الدولة المهدية على القوى القادمة من غرب السودان.

و لا يتكرر التاريخ بأشخاصه و قبائله، و إنما قد تتكرر بعض آلياته. فقد كان غرب السودان، في مراحل كثيرة، حائط صدٍّ للمركز و خزاناً بشرياً و عسكرياً للدفاع عنه، و لم يكن التحرك نحو المركز قاعدة ثابتة، بل ارتبط بظروف سياسية و تاريخية مختلفة.

و في السودان الحديث، تقدم حالة الدعم السريع المتمرد، و المتمرد حميدتي، نموذجاً استراتيجياً يستحق دراسة عميقة. فقد تطورت قوته من سياق حروب دارفور إلى منظومة عسكرية واسعة النفوذ و الانتشار، ذات خزان بشري متجدد، قبل تمردها في 15 أبريل 2023.

وتكمن أهمية هذه الحالة في دراسة كيفية بناء القوة و إدارتها و استمرارها: كيف جُمعت الكتلة البشرية المتنوعة، و كيف رُبطت مكوناتها و نُسقت و تناغمت حتى تحركت و قاتلت كما لو كانت جسداً واحداً؟ و كيف تشكل هذا المستوى من الولاء للمتمرد حميدتي؟

و امتد هذا الولاء إلى قطاعات من الإدارة الأهلية، من عمد و مشايخ و رؤساء عشائر، أعلنت مواقف مؤيدة له، و أسهمت في التعبئة و التجييش و إرسال أبنائها إلى القتال، حتى أصبح الولاء في هذه المنظومة للمتمرد حميدتي، و ليس للدولة و مؤسساتها. و هذه حالة ماثلة تستحق الدراسة بعيداً عن التعميم على جميع المكونات.

و يستحق الجانب العسكري دراسة مماثلة: أين و كيف جرى التدريب؟ و كيف بُنيت هذه القوة و أُديرت؟ و كيف ظهر، خاصة بعد 2019، هذا العدد الكبير من المقاتلين و هذا الحجم من السلاح و العتاد؟ و كيف استمر تدفق الخزان البشري و الإمداد العسكري؟

و تستحق حالة التخفي و الإخفاء نفسها دراسة مستقلة: كيف أمكن إخفاء تدريب أعداد كبيرة و متواصلة، و بناء قوة بهذا الحجم، و توفير الدروع و المدافع و الأسلحة ذات الكثافة النارية العالية؟ و كيف أُخفيت مناطق التدريب و مسارات الإمداد، و ما أُثير حول التدريب في دول مجاورة للسودان من جهة الغرب؟ إن إخفاء هذه التحركات و هذا العتاد و هذا العدد الكبير من القوات، رغم امتدادها لسنوات، حالة استثنائية تستحق دراسة عميقة؛ لفهم كيف غابت المؤشرات عن الجهات المختصة، و كيف يمكن منع تكرار ذلك.

و تزداد أهمية هذه الدراسة مع ما ظهر من أسلحة و عتاد في مواقع مختلفة خلال الحرب، من الخرطوم و معسكراتها إلى الصالحة و جبل موية و جبرة الشيخ و غيرها. فهذه مؤشرات على منظومة بشرية و عسكرية و لوجستية تستحق التفكيك العلمي، و مراجعة منظومة الرصد و الاستطلاع و التحليل التي كان ينبغي أن تلتقط نموها قبل تحولها إلى واقع ماثل.

من الرصد إلى الاستشراف و الاستباق

من هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز أو معهد وطني للدراسات و الاستشراف الاستراتيجي، يضم باحثين و متخصصين في التاريخ و السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و الأمن و الدراسات العسكرية و التخطيط الاستراتيجي، و يرتبط بالجامعات و المعاهد الاستراتيجية و الأمنية و مراكز الدراسات العليا داخل السودان و خارجه.

وتتمثل مهمته في رصد التحولات، و بناء قواعد المعرفة و البيانات، و دراسة المجال الإقليمي و المجتمعات المتداخلة، و تحليل الاتجاهات، و استشراف المآلات، و تقديم التقديرات لصانع القرار. و يضم قسماً متخصصاً في المجال الغربي للسودان و محيطه، يدرس الامتدادات الاجتماعية و القبلية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية و الأمنية العابرة للحدود.

ولا ينبغي أن يكون المركز مؤسسة تُنشأ مع الأزمة ثم تنتهي بانتهائها، بل ذاكرة استراتيجية حية للدولة، تعمل في السلم و الحرب، و تراكم المعرفة جيلاً بعد جيل، و ترصد مؤشرات التغير في التجنيد و الولاءات و حركة السكان و مسارات السلاح و التمويل و التجارة و الرعي و التحالفات.

ولا تختزل مهمته في الأمن؛ فالمجال المتصل غرب السودان يمثل أيضاً فرصة للتنمية و التجارة و التعليم و التواصل الثقافي. ولذلك ينبغي أن يساعد الدولة في تصميم سياسات تنموية و تعليمية تتناسب مع طبيعة الرحل و الرعاة و المزارعين في دارفور و كردفان و المناطق الحدودية.

ويشمل ذلك تعليماً مرناً و متنقلاً، يستخدم الطاقة الشمسية و الوسائل الرقمية، و يراعي مواسم الحركة و الرعي و الأمطار، مع مناهج تعزز المواطنة و التكافل و التعايش السلمي و نبذ العنف، إلى جانب خدمات تتكيف مع البيئة في المياه و الصحة و الطاقة و الزراعة و الثروة الحيوانية و الاتصالات.

الحيطة و الحذر: كلفة الوقاية أقل من كلفة الحرب

لو كان مثل هذا المركز قائماً قبل الحرب، و أدى جزءاً من هذه الوظائف، لكان من الممكن أن يكشف بعض التحولات مبكراً، و يرفع الوعي الاستراتيجي داخل مؤسسات الدولة، و يدفع نحو سياسات أكثر استباقاً.

و أمام ما دفعه السودان من أرواح أُزهقت، و أعراض انتُهكت، و ممتلكات نُهبت و دُمّرت و أُحرقت، و أسر شُرّدت، و تعليم توقف، و أجيال فقدت سنوات من عمرها، فإن أي ميزانية تُخصص للرصد و الاستشراف و الوقاية تظل متواضعة أمام كلفة الحرب.

وهنا تبرز قيمة مبدأ الحيطة و الحذر (Prudence Principle): أن تقارن الدولة كلفة الاستعداد بكلفة عدم الاستعداد، و أن تستثمر في المعرفة قبل الأزمة، و التعليم و التنمية قبل التهميش، و الاستشراف قبل المفاجأة.

فالدولة الاستراتيجية ترصد ما يحدث حولها، و تقرأ اتجاهاته، و تستشرف مآلاته؛ فتستثمر فرصه قبل أن تضيع، و تواجه مخاطره قبل أن تتحول إلى تهديد.

المعرفة بالمحيط ليست ترفاً، و الاستشراف ليس انتظاراً للمستقبل؛ إنهما استثمار في حماية البلاد و العباد و صناعة المستقبل

المقالة السابقة

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (6) كيف يغذي الدعم السريع جذوة التطرف العنيف في إفريقيا؟ .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء انماء الاستراتجية

المقالة التالية

السودان أمام اختبار الحوار والحرب (59) .. لجنة الداخل في مواجهة مشاريع الخارج وإعادة تشكيل الإقليم .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *