Popular Now

منشورات د. احمد المفتي رقم 6224 ( بدعم من الذكاء الإصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. الحوار السوداني السوداني ، ينعقد بمن حضر ، وذلك ليس هو الخيار الأفضل ، ولكنه أفضل من الوضع الراهن !!! .. ترجمة المنشور 6224 للغة الانحليزية مرفقة

السودان أمام اختبار الحوار والحرب (59) .. لجنة الداخل في مواجهة مشاريع الخارج وإعادة تشكيل الإقليم .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

ما وراء الحدود … من الرصد إلى الاستباق .. نحو مركز استراتيجي لفهم التحولات واستشراف المستقبل .. عادل الرفاعي ابوالحسن

السودان أمام اختبار الحوار والحرب (59) .. لجنة الداخل في مواجهة مشاريع الخارج وإعادة تشكيل الإقليم .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مقدمة
تدخل الأزمة السودانية مرحلة جديدة تتزامن فيها ثلاثة مسارات متوازية: تطورات عسكرية متواصلة على جبهات القتال، وحراك سياسي متسارع باتجاه الحوار السوداني–السوداني، وتصاعد التداخل الإقليمي والدولي في الحرب السودانية.
ويأتي الإعلان عن تشكيل اللجنة العليا للحوار السوداني–السوداني ليشكل أحد أبرز التطورات السياسية خلال الفترة الأخيرة، في محاولة لنقل مركز صناعة الحل من الخارج إلى الداخل.
وفي المقابل، تستمر الحرب في عدد من الجبهات، فيما تزداد حساسية الحدود السودانية مع دول الجوار، خصوصاً تشاد وإثيوبيا، وتتداول تقارير عن اتصالات وتحالفات إقليمية ودولية مرتبطة بمستقبل السودان وتشاد ومنطقة الساحل.
وهنا تبرز القضية الأساسية:
هل ينجح السودانيون في صناعة تسوية وطنية قبل أن تفرض القوى الإقليمية والدولية صيغة جديدة للحل؟
أولاً: لجنة الحوار… محاولة لإعادة القرار إلى الداخل
يمثل إعلان لجنة الحوار خطوة مهمة في مسار الحوار السوداني–السوداني، خصوصاً إذا نجحت اللجنة في تحويل الحوار من مبادرة سياسية مرتبطة بشخص أو جهة إلى عملية وطنية واسعة.
وتضم القائمة المتداولة أسماء من خلفيات فكرية وأكاديمية وإعلامية وقانونية ومجتمعية مختلفة، ومن بينها:
قاسم بدري.
بركة ساكن.
محمد جلال هاشم.
عثمان ميرغني.
الواثق كمير.
سليمان الأمين.
نبيل أديب.
عبد الله آدم خاطر.
إبراهيم أحمد إبراهيم.
أمين سعد.
نصر الدين شلقامي.
عائشة فاروق البرير.
شريف حرير.
مهند صديق.
وعدد من الشخصيات الأخرى.
والأهمية هنا ليست في الأسماء وحدها، وإنما في طبيعة التمثيل.
فإذا استطاعت اللجنة استقطاب القوى السياسية والمجتمعية والشباب والمرأة والطرق الصوفية والإدارات الأهلية والنازحين والمهجرين والقوى المدنية والمسلحة، فإنها يمكن أن تتحول إلى منصة وطنية مؤثرة.
أما إذا تحولت إلى لجنة نخبوية محدودة، فقد تواجه المشكلة نفسها التي واجهت المبادرات السياسية السابقة.
ثانياً: الحوار ليس صفقة سياسية بل مشروع لإنقاذ الدولة
السودان لا يحتاج في هذه المرحلة إلى صفقة جديدة بين النخب فقط.
المطلوب هو إعادة بناء العقد الوطني السوداني.
وهذا يعني أن الحوار يجب أن يناقش الأسئلة الكبرى:
ما شكل الدولة بعد الحرب؟
كيف يعاد بناء الجيش والمؤسسات الأمنية؟
كيف تتم معالجة قضية القوات غير النظامية؟
كيف يتحقق السلام في دارفور وكردفان والنيل الأزرق؟
كيف تتم محاسبة مرتكبي الانتهاكات؟
كيف يعود النازحون واللاجئون؟
كيف يعاد بناء الاقتصاد؟
كيف يتم الانتقال السياسي؟
وكيف يمنع تكرار الحرب؟
إن هذه القضايا لا يمكن أن تُحسم في عاصمة خارج السودان.
ولذلك فإن الحوار الداخلي يجب أن يكون سودانياً في قيادته، واسعاً في مشاركته، وطنياً في أهدافه، ومفتوحاً على المجتمع الدولي دون أن يكون خاضعاً له.
ثالثاً: الحرب مستمرة… والسياسة تتحرك
بينما يتحرك المسار السياسي، تستمر العمليات العسكرية.
وهذه الحقيقة مهمة لفهم المشهد.
فالحوار لا يعني أن الحرب انتهت، كما أن التقدم العسكري لا يعني أن التسوية السياسية أصبحت غير ضرورية.
بل إن المسارين يرتبطان ببعضهما:
كلما تغير ميزان القوة في الميدان، تغيرت شروط التفاوض على الطاولة.
ولهذا تحاول الأطراف تحقيق مكاسب عسكرية قبل الدخول في مفاوضات نهائية.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب دون أفق سياسي قد يؤدي إلى استنزاف الدولة والمجتمع حتى لو حقق أحد الأطراف تقدماً ميدانياً.
رابعاً: الدولار والاقتصاد… الحرب تدخل مرحلة الضغط المعيشي
يمثل الارتفاع الحاد في سعر الدولار أمام الجنيه السوداني مؤشراً بالغ الخطورة.
فالحرب لا تقاس فقط بعدد المناطق التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك.
هناك حرب أخرى تجري داخل الاقتصاد:
حرب العملة، حرب الأسعار، حرب الإنتاج، حرب الوقود، وحرب الخدمات.
ولذلك فإن نجاح الحكومة في إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، واستعادة النشاط الاقتصادي، وإعادة الخدمات الأساسية، يمثل جزءاً من معركة الدولة ضد الانهيار.
إن المواطن لا يريد فقط سماع أخبار الانتصارات العسكرية، وإنما يريد أن يرى:
خبزاً، وقوداً، كهرباء، ماءً، دواءً، وأسواقاً مستقرة.
خامساً: الدعم السريع والتحالفات الخارجية… من السودان إلى تشاد
من أخطر التطورات في الحرب السودانية انتقال تداعيات النزاع إلى دول الجوار.
وتأتي تشاد في مقدمة هذه الدول بسبب الحدود الطويلة، والتداخل القبلي والاجتماعي، وحركة السلاح والمقاتلين.
وقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة تقارير واتهامات متعددة بشأن وجود علاقات أو تنسيق بين قوات الدعم السريع وبعض القوى الإقليمية.
كما ظهرت تقارير صحفية تتحدث عن تحالفات محتملة تتعلق بالدعم السريع ومستقبل النظام التشادي.
لكن من الضروري علمياً عدم التعامل مع كل هذه التقارير باعتبارها حقائق مثبتة.
فالحديث عن تحالف إسرائيلي–فرنسي مباشر مع الدعم السريع لإسقاط النظام التشادي يحتاج إلى أدلة مستقلة وموثقة.
وما يمكن قوله بثقة هو أن:
السودان وتشاد أصبحا جزءاً من معادلة أمنية واحدة في منطقة الساحل ووسط إفريقيا، وأن أي اضطراب في إحدى الدولتين يمكن أن ينعكس سريعاً على الأخرى.
سادساً: تشاد… الحلقة الأكثر حساسية
تشاد بالنسبة إلى السودان ليست دولة جوار عادية.
فالحدود الغربية تمثل أحد أهم ممرات الأمن القومي السوداني.
كما أن الحرب في دارفور تجعل أي اضطراب داخل تشاد ذا تأثير مباشر على السودان.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب السودانية يضع الحكومة التشادية أمام ضغوط أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
من يدعم الدعم السريع؟
بل أيضاً:
من يريد أن تتحول تشاد إلى قاعدة خلفية للحرب السودانية؟
وهذا السؤال يحتاج إلى إجابات استخبارية ودبلوماسية وقانونية دقيقة.
سابعاً: فرنسا وإسرائيل… قراءة في المصالح لا في الادعاءات
تظهر في المشهد تقارير تتحدث عن أدوار فرنسية وإسرائيلية محتملة في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن فرنسا تمتلك مصالح تاريخية في منطقة الساحل، بينما تنظر إسرائيل إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي باعتبارهما مجالاً مهماً لأمنها الإقليمي.
لكن الربط المباشر بين هذه المصالح وبين دعم عمليات عسكرية محددة داخل السودان أو تشاد يحتاج إلى أدلة موثقة.
والأكثر أهمية هو دراسة تقاطع المصالح.
فالساحل الإفريقي يشهد منذ سنوات صراعاً بين:
فرنسا والقوى الغربية.
روسيا.
تركيا.
دول الخليج.
القوى المحلية.
التنظيمات المسلحة.
القوى الصاعدة في المنطقة.
والسودان يقع في قلب هذه الخريطة.
ثامناً: إسرائيل والسودان… من التطبيع إلى الحرب
السودان كان أحد البلدان التي دخلت في مسار التطبيع مع إسرائيل قبل اندلاع الحرب.
لكن الحرب أعادت ترتيب الأولويات.
وبحسب تقارير صحفية، هناك حديث عن اتصالات محتملة بين عناصر مرتبطة بالدعم السريع وإسرائيل.
وإذا صحت بعض هذه التقارير، فإنها تكشف أن الصراع السوداني أصبح جزءاً من شبكة اتصالات إقليمية أوسع.
لكن ينبغي الحذر من تحويل التقارير الصحفية إلى أحكام قطعية.
فالتحليل الاستراتيجي لا يقوم على سؤال:
من يحب السودان ومن يكرهه؟
بل على سؤال أكثر دقة:
ما مصالح كل دولة في السودان، وكيف تستخدم أدوات القوة لتحقيقها؟
تاسعاً: السودان وموسم التدخلات الخارجية
منذ اندلاع الحرب أصبح السودان ساحة لتنافس إقليمي ودولي.
هناك قوى تدعم الجيش سياسياً أو عسكرياً بدرجات مختلفة، وقوى أخرى تتهم بدعم الدعم السريع.
وهناك قوى تسعى إلى الوساطة، وأخرى ترى في الحرب فرصة لإعادة ترتيب النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
لكن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما يتحول السودان من دولة تعاني حرباً داخلية إلى ساحة حرب بالوكالة بين دول أخرى.
وهنا يصبح الحوار السوداني–السوداني ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار سياسي.
عاشراً: مسعد بولس والحوار السوداني
التحركات الأمريكية المتعلقة بالسودان تستحق متابعة دقيقة، خصوصاً اتصالات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية مسعد بولس مع أطراف إقليمية ودولية.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل واشنطن تريد وقف الحرب فعلاً، أم تريد وقفها وفق صيغة تحقق توازناً سياسياً جديداً؟
وهنا يجب على السودان أن يميز بين:
الدعم الدولي للسلام، وبين فرض شروط سياسية على الدولة.
فالمجتمع الدولي يمكن أن يساعد في السلام، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الشعب السوداني.
الحادي عشر: الحوار السوداني أمام اختبار الخارج
كلما اقترب الحوار السوداني من التحول إلى مسار حقيقي، ستزداد الضغوط عليه.
وهذا أمر طبيعي.
فأي عملية سلام تعيد القرار إلى الداخل يمكن أن تقلل من نفوذ الوسطاء الخارجيين.
ولهذا فإن نجاح الحوار يتطلب ثلاثة شروط:
1. الاستقلالية
ألا يكون الحوار تابعاً لأي محور خارجي.
2. الشمول
ألا يتحول إلى حوار حكومي فقط أو حوار أحزاب فقط.
3. الواقعية
أن يناقش أسباب الحرب ومصالح الأطراف، لا أن يكتفي بالشعارات.
الثاني عشر: هل اقترب السودان من نقطة التحول؟
المؤشرات السياسية والعسكرية والاقتصادية تشير إلى أن السودان يقترب من مرحلة مفصلية.
فالحرب لم تنتهِ، لكن شكلها يتغير.
والقوى السياسية بدأت تدرك أن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية ليس خياراً.
والدولة بدأت في إعادة بناء مؤسساتها في المناطق الآمنة.
والحوار الداخلي يحاول شق طريق جديد.
وفي الوقت نفسه، تحاول القوى الخارجية التأثير في شكل التسوية المقبلة.
ومن هنا يمكن القول:
إن المعركة القادمة لن تكون عسكرية فقط، وإنما ستكون معركة على شكل السودان بعد الحرب.
الثالث عشر: السيناريوهات الثلاثة
السيناريو الأول: الحوار الوطني الشامل
تنجح اللجنة في جمع القوى السياسية والمجتمعية، ويتحول الحوار إلى مسار وطني يقود إلى تسوية سياسية.
وهذا هو السيناريو الأفضل.
السيناريو الثاني: الحسم العسكري ثم الحوار
يستمر القتال حتى يحدث تحول كبير في ميزان القوى، ثم تبدأ مفاوضات أكثر وضوحاً على أساس الواقع الجديد.
السيناريو الثالث: تدويل الحرب
تتسع التدخلات الخارجية، وتتحول تشاد وإثيوبيا وليبيا وجنوب السودان إلى ساحات متداخلة مع الحرب السودانية.
وهذا هو السيناريو الأخطر.
الرابع عشر: الخلاصة الاستراتيجية
السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لصناعة حل سوداني.
واللجنة التي أعلن عنها للحوار يمكن أن تكون نقطة تحول إذا استطاعت أن تتجاوز الاستقطاب السياسي التقليدي.
لكن نجاح الحوار يحتاج إلى شجاعة سياسية.
شجاعة الاعتراف بأن السودان لن يعود إلى ما قبل الحرب.
وشجاعة الاعتراف بأن جميع الأطراف السودانية مطالبة بمراجعة مواقفها.
وشجاعة فتح الباب أمام من يريد السلام.
وفي الوقت نفسه، فإن الدولة مطالبة بحماية سيادتها وحدودها، ومنع تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي.
أما ما يجري حول تشاد وإثيوبيا وفرنسا وإسرائيل وغيرها من القوى، فيجب التعامل معه بعقل الدولة لا بعقل الشائعات.
السودان يحتاج إلى معلومات دقيقة، واستخبارات قوية، ودبلوماسية نشطة، وجيش وطني، وحوار شامل.
الرسالة الأخيرة
لقد بدأت الحرب السودانية في أبريل 2023 كصراع مسلح على السلطة، لكنها تحولت تدريجياً إلى أزمة دولة، ثم إلى أزمة إقليمية.
والآن يقف السودان أمام سؤال أكبر:
من سيصنع السودان بعد الحرب؟
هل تصنعه القوى الخارجية عبر المبادرات والضغوط؟
أم تصنعه النخب السودانية في غرف مغلقة؟
أم يصنعه الشعب السوداني من خلال حوار وطني شامل؟
إن الإجابة الصحيحة هي أن السودان يجب أن يصنع مستقبله بنفسه.
فالسلام الذي يأتي من الخارج قد يوقف إطلاق النار، لكن السلام الذي يصنعه السودانيون وحدهم هو القادر على بناء الدولة ومنع تكرار الحرب.
ومن هنا فإن الحوار السوداني–السوداني ليس مجرد مبادرة سياسية جديدة، وإنما قد يكون آخر فرصة لإعادة مركز القرار السوداني إلى الخرطوم، قبل أن تتحول الحرب إلى مشروع لإعادة رسم المنطقة بأكملها.

المقالة السابقة

ما وراء الحدود … من الرصد إلى الاستباق .. نحو مركز استراتيجي لفهم التحولات واستشراف المستقبل .. عادل الرفاعي ابوالحسن

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6224 ( بدعم من الذكاء الإصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. الحوار السوداني السوداني ، ينعقد بمن حضر ، وذلك ليس هو الخيار الأفضل ، ولكنه أفضل من الوضع الراهن !!! .. ترجمة المنشور 6224 للغة الانحليزية مرفقة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *