> أخطر ما تفعله الحروب أنها لا تقتل الناس فقط؛ أحيانًا تجعل الناجين يبحثون عن شيءٍ آخر يقتلونه… ثقتهم في بعضهم.
كتبنا بالأمس في # أصل_القضية، «السودان.. المعركة القادمة» لأن أخطر المعارك قد تبدأ عندما تصمت البنادق. وتطرقنا في مقال «السودان..الوحوش التي ظهرت ما بعد الحرب» إن بعض الوحوش لا تحمل سلاحًا، وإنما تسكن اللغة والاتهام والتشكيك وربما يجمع هذه الظواهر كلها خيط خفي أكثر عمقًا نطلق عليه في #أصل_القضية:
> عقدة الإسقاط النفسي.
والمقصود هنا ليس تشخيص المجتمع أو وصفه بالمرض، وإنما الإشارة إلى آلية بشرية تظهر حين يصبح الاعتراف بالخوف أو العجز أو الخطأ أكثر إيلامًا من نقلها إلى الآخر.
وهنا يبدأ الخطر…عندما يصبح الآخر مرآة
وحتى نبسط المفهوم أكثر ،،،
> الإسقاط هو أن ننسب إلى الآخرين ما يصعب علينا الاعتراف بوجوده في أنفسنا.
وفي مجتمع خرج من حرب، يمكن أن يتحول ذلك إلى ظاهرة عامة وملامح ذلك ..
●لا نريد الاعتراف بخوفنا، فنصف الآخر بالجبان.
●لا نريد مواجهة أخطائنا، فنبحث عن خائن.
●نعجز عن تفسير تعقيد الحرب، فنبحث عن «شرير مطلق» يحمل وحده كل خطايانا.
وهكذا نختصر وطنًا كاملًا في ثنائيات:
معنا أو ضدنا.
وطني أو خائن.
مقاوم أو متخاذل.
مدني أو عسكري
قحاتي أو فلول
> وكلما أصبح الواقع أكثر تعقيدًا، ازداد إغراء التفسير البسيط.
لكن المشكلة أن الحقيقة ليست بسيطة .
*من ثقافة النجاة إلى محاكمة الناجين*
تحدثنا سابقًا عن «ثقافة النجاة» خصوصا ان النجاة في الحرب ليست موقفًا سياسيًا واحدًا ، قد تكون مغادرة، أو بقاء، أو اختباء، أو حماية للأسرة، أو صمتًا، أو مساعدةً للآخرين، أو مجرد محاولة للبقاء حيًا.
لكن الإسقاط يحول النجاة إلى تهمة.
●من غادر يُسأل: لماذا غادرت؟
●ومن بقي: لماذا بقيت؟
●ومن لم يقاوم: لماذا لم تقاوم؟
●ومن حاول حماية بيته أو جاره: ما دوافعك؟
> كأن الحرب لم تكتفِ بامتحان قدرتنا على البقاء، فقررنا نحن أن نمتحن الناجين في أخلاق نجاتهم.
وهنا تتحول الحرب من معركة بالسلاح إلى محاكمة اجتماعية مفتوحة.
*الوحش الجديد*
الوحش ما بعد الحرب ليس بالضرورة من يحمل بندقية ، قد يكون من يشوه سمعتك بدل جسدك، ويصادر وطنيتك بدل منزلك، ويطردك من الجماعة بتهمة أو إشاعة.
> هنا تصبح اللغة سلاحًا.
وقد يتحول الصوت المرتفع إلى ما يشبه المحكمة، بينما يصبح الدليل تفصيلًا مزعجًا.
وهذا يعيدنا إلى سؤال «شرعية الصوت» الذي تناولناه في مقال سابق من #أصل_القضية ، المشكلة ليست في أن يرتفع صوت معين ، وإنما في أن يتحول الصوت إلى سلطة لإدانة الآخرين أو يلغي انب الوعي لدى المواطن وينصب نفسه مفسرا لكل ما يحدث ومحللا لكل ما سيكون فلا تجد من الحضور الا الدهشة وقد عرف ان الدهشة هي حكمة الاغبياء ..
فالأكثر قدرة على التأثير ليس بالضرورة الأكثر معرفة، وإنما أحيانًا الأكثر قدرة على صناعة الخوف والغضب والشك ، وهنا تبدأ المعركة القادمة
*المعركة القادمة في السودان ليست فقط على الأرض*
إنها أيضًا على تفسير ما حدث داخل عقول السودانيين.
●من يحدد من كان خائنًا؟
●من يمنح صك الوطنية؟
●من يقرر من كان متواطئًا؟
> إذا تركنا هذه الأسئلة للشائعات، والذاكرة الانتقائية، ومنصات التواصل، فإن الحرب ستجد طريقة أخرى للعيش بيننا. قد تتوقف المدافع، لكن سرديات الحرب ستواصل إطلاق النار.
*الأخطر من الاتهام: أن نفقد القدرة على التعلم*
وهنا نصل إلى الطبقة الأعمق من المسألة.
> الإسقاط لا يظلم الآخر فقط ، إنه يحرمنا نحن من التعلم.
●فالمجتمع الذي ينسب كل أخطائه إلى الخارج لا يراجع نفسه.
●والمؤسسة التي تفسر فشلها دائمًا بمؤامرة لا تصلح بنيتها.
●والنخبة التي ترى الأزمة دائمًا في خصومها لا تكتشف أخطاء سياساتها.
وهكذا يصبح الإسقاط أكثر من آلية نفسية للدفاع عن الذات، إذ يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الأزمة، لأنك..
● لا تستطيع إصلاح شيء تعتقد أنك لم تكن جزءًا من صناعته.
●ولا تستطيع بناء مؤسسة جديدة إذا كنت ترفض السؤال عما جعل المؤسسة القديمة تفشل.
●ولا تستطيع صناعة سلام مستدام إذا كان كل طرف يرى نفسه ضحية كاملة والآخر مذنبًا كاملًا.
> وهنا تكمن المفارقة السودانية المؤلمة ، قد ننجح في إنهاء الحرب، ثم نفشل في التعلم منها. وعندما يحدث ذلك، فإن الحرب لا تنتهي فعلًا، إنها تنتظر فقط ظرفًا جديدًا لتظهر بصورة أخرى.
*لا براءة جماعية ولا إدانة جماعية*
> السودان لا يحتاج إلى براءة جماعية، كما لا يحتاج إلى إدانة جماعية ، يحتاج إلى مسؤولية دقيقة.
● من ارتكب جريمة يُحاسب.
●ومن ثبت تورطه يتحمل مسؤوليته.
> لكن الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي أو السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى دليل إدانة.
فالدولة العادلة لا تسأل المواطن أولًا: «أنت منو؟ ولا من وين »
بل: «ماذا فعلت؟»
> وهذا هو الفارق بين دولة القانون ودولة الذاكرة الانتقامية.
*رأس المال الذي لا يظهر في الميزانية*
> هنا تلتقي الفكرة مع رؤية الجسر والمورد ، فإعادة بناء السودان ليست طرقًا وكهرباء ومطارات وبنوكًا فقط.
هناك مورد أكثر ندرة … إنه الثقة.
يمكن إعادة بناء الطريق خلال سنوات، ويمكن إعادة تشغيل مصنع، لكن إعادة الثقة بين السودانيين قد تحتاج إلى جيل كامل.
> ولهذا فإن رأس المال الاجتماعي ليس ترفًا فكريًا بعد الحرب؛ بل هو أصل استراتيجي لإعادة البناء.
فإذا ظل السوداني يرى السوداني الآخر باعتباره مشروع خيانة مؤجلة، فإننا قد نعيد بناء الدولة فوق أرض اجتماعية رخوة.
*من ذاكرة الانتقام إلى ذاكرة التعلم*
لا نحتاج إلى نسيان الماضي بقدر ما أننا نحتاج إلى تحويله من ذاكرة انتقام إلى ذاكرة تعلم.
أن نسأل:
ماذا حدث؟
لماذا حدث؟
من المسؤول؟
كيف نحاسب؟
وكيف نمنع التكرار؟
> هذه الأسئلة أكثر نضجًا من سؤال واحد يبتلعها كلها: من الخائن؟
فالعدالة لا تعني التشفي، والمصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، والاعتراف بالأخطاء لا يعني هزيمة الوطن.
بل ربما تكون شجاعة المجتمع الحقيقية في قدرته على أن يقول..
> أخطأنا هنا… وعلينا ألا نكرر الخطأ هناك.
*الخروج من العقدة*
●ربما لم تكن مشكلتنا الكبرى أننا اختلفنا فالاختلاف طبيعي.
ولم تكن حتى في أننا أخطأنا فالخطأ بشري.
●ربما كانت مشكلتنا الأعمق أننا اعتدنا تفسير أخطائنا من خلال الآخرين.
> كل أزمة تنتج خصمًا جديدًا، وكل مرحلة تبحث عن وجه جديد تعلق عليه فشلها ، ثم نعود بعد سنوات لنكتشف أننا غيّرنا الأسماء، ولم نغيّر القاعدة.
ولهذا فإن بناء السودان الجديد يبدأ من شجاعة بسيطة وصعبة:
●أن نرى أنفسنا في المرآة قبل أن نبحث عن صورتنا في وجه الآخر.
●أن ندرك أن بعض غضبنا ليس عدالة، وأن بعض يقيننا ليس معرفة، وأن بعض أحكامنا ليست وطنية.
> فالسودان لا يحتاج إلى شعب بلا ذاكرة، بل إلى شعب يتذكر دون أن يصبح أسيرًا لما يتذكره.
> وربما تكون أولى خطوات الخروج من الحرب ليست إعلان انتصار جديد… بل أن نتوقف عن البحث في وجوه بعضنا عن العدو الذي نحتاجه كي لا نواجه أنفسنا.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن نختلف مرة أخرى… بل أن نفشل في فهم لماذا اختلفنا، ثم نعيد إنتاج الأسباب نفسها بأسماء جديدة.
فالضفة التي لا تستطيع أن ترى عيوبها، لن تستطيع أن تبني جسرًا إلى الضفة الأخرى.
وهنا بالضبط#أصل_القضية.


