في السودان يبدو أن الدولة اكتشفت أخيرا وصفة عبقرية لإصلاح التعليم أفقروا المعلم ثم طالبوه ببناء مستقبل الأمة!
معلم في الدرجة الثالثة يتقاضى نحو مائتي ألف جنيه في ظل غلاء يلتهم كل شيء مبلغ قد يبدو محترما في دفاتر المسؤولين لكنه في الواقع قد لا يكفي مواصلاته وفطوره وربما ينتهي قبل أن يصل إلى المدرسة. ثم نسأل في دهشة لماذا تراجع التعليم؟! لا تحتاج القضية إلى مؤتمرات ولا لجان ولا خبراء أجانب اسألوا المعلم فقط كيف تريدونه أن يبني عقول أبنائكم وهو عاجز عن توفير أبسط احتياجات أسرته؟ وكيف تطلبون منه أن يربي جيلا عظيما بينما هو نفسه يعيش على حافة الفقر؟ والمأساة لا تنتهي عند الراتب فبعد ثلاثين عاما من الخدمة يصل المعلم إلى المعاش وقد استنزفت السنوات صحته وعمره فيستقبل بمعاش هزيل وكأن الدولة تقول له شكرا على عمرك الذي أنفقته في تعليم أبنائنا والآن دبر نفسك
فيضطر المعلم المتقاعد إلى العودة للعمل في المدارس الخاصة لا بحثا عن الثراء بل بحثا عن لقمة العيش فأي مفارقة أكثر قسوة من أن يصبح من علم أبناء الوطن عاجزا عن تعليم أبنائه؟ المعلم ليس بنداً هامشيا في الموازنة بل هو الاستثمار الحقيقي في الإنسان لذلك نطالب برفع أجور المعلمين بما يتناسب مع تكاليف المعيشة وصرف المرتبات والحوافز في مواعيدها وإصلاح نظام المعاشات وتوفير العلاج والتأمين الصحي وبدل مواصلات حقيقي وتحسين بيئة العمل كفى شعارات وكفى مؤتمرات وكفى حديثا موسميا عن تقدير المعلم
إن كانت الدولة تريد بناء وطن فلتبدأ بمن يبني الإنسان فالمعلم الجائع والمنهك لا يمكن أن يطلب منه أن يصنع مستقبلا عظيما إهانة المعلم ليست إهانة لموظف بل إهانة لمستقبل وطن بأكمله


