Popular Now

السودان بين تقرير الأمم المتحدة وتصاعد الضغوط الدولية وإعادة تشكيل موازين الحرب (64) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. صناعة الكراهية .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | زووم الحوار السوداني.. إبراهيم شقلاوي

السودان بين تقرير الأمم المتحدة وتصاعد الضغوط الدولية وإعادة تشكيل موازين الحرب (64) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث في الشؤون الإفريقية والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مقدمة
دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لتصبح بصورة متزايدة معركة حول طبيعة الدولة السودانية، وحدود التدخل الخارجي، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية عن استمرار الحرب.
ويأتي تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن السودان ليضيف بعداً مهماً إلى هذا المشهد، بعدما أشار إلى شبكات خارجية للسلاح والتكنولوجيا العسكرية والمقاتلين، مع ورود معلومات تتعلق بالإمارات وشبكات إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع. وفي المقابل، تنفي أبوظبي تقديم دعم عسكري لأي طرف في الحرب.
وهنا تكمن أهمية التطور الجديد: فالمسألة لم تعد مجرد اتهامات سياسية متبادلة، وإنما تتحول تدريجياً إلى ملف يحتاج إلى التحقيق والتوثيق وتحديد المسؤوليات وفق قواعد القانون الدولي.
أولاً: تقرير الأمم المتحدة ونقلة نوعية في ملف الدعم الخارجي
أبرز ما كشفته التقارير الدولية الأخيرة أن الحرب السودانية لم تعد حرباً داخلية بالمعنى التقليدي.
فبعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أشارت إلى أن الدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة والتكنولوجيا والمقاتلون والشبكات اللوجستية، أصبح عاملاً رئيسياً في استمرار الحرب وتصاعد قدرتها على إيقاع خسائر بالمدنيين.
كما أشارت تقارير إلى وجود شبكات مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا وغيرها في مسارات إمداد قوات الدعم السريع، إلى جانب مقاتلين ومتعاقدين كولومبيين ذوي خبرة في تشغيل الأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة.
وهذا التطور بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال:
من ينتصر في الحرب؟
إلى سؤال أكثر عمقاً:
من يغذي الحرب؟ ومن يملك القدرة على إطالتها؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن استمرارها؟
ثانياً: الإمارات بين النفي وتراكم الاتهامات
ظلت الإمارات تنفي بصورة متكررة اتهامات تسليح قوات الدعم السريع أو دعمها عسكرياً.
لكن في المقابل، تراكمت خلال الفترة الماضية تقارير من مصادر أممية وصحفية وحقوقية بشأن شبكات إمداد مرتبطة بالإمارات.
كما كشفت تحقيقات صحفية أن طائرات مرتبطة بشبكات نقل معينة استخدمت في نقل أسلحة ومعدات إلى مناطق مرتبطة بالحرب، بينما خلصت جهات أممية إلى وجود أدلة على استخدام شبكات طيران في نقل إمدادات عسكرية.
وفي ملف آخر، وثقت هيومن رايتس ووتش مسار متعاقدين عسكريين كولومبيين عبر الإمارات، وأشارت إلى ارتباط شركة مقرها الإمارات بتوظيفهم ونقلهم إلى مسرح العمليات السوداني.
لكن من المهم علمياً وقانونياً عدم القفز من وجود شبكة إمداد أو دعم إلى القول إن كل جريمة ارتكبتها قوات الدعم السريع تُنسب تلقائياً إلى دولة بعينها.
فالمسؤولية الدولية تحتاج إلى إثبات العلاقة بين الفعل والدولة، ودرجة السيطرة أو التوجيه أو المساعدة، وفق المعايير القانونية ذات الصلة.
ثالثاً: من الاتهام السياسي إلى مرحلة المساءلة
هذه هي النقطة الأكثر أهمية.
إذا استمرت الأدلة في التراكم، فإن ملف الدعم الخارجي للحرب يمكن أن ينتقل من مرحلة الاتهام السياسي والإعلامي إلى مرحلة المساءلة القانونية والدبلوماسية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن دولة ما أصبحت مدانة، وإنما يعني أن الأدلة أصبحت كافية لفتح أسئلة قانونية جدية حول:
مصادر الأسلحة.
طرق نقلها.
الجهات التي دفعت تكاليفها.
شبكات الطيران المستخدمة.
دور المتعاقدين العسكريين.
الجهات التي دربتهم.
طبيعة العلاقة بين الداعم الخارجي والقوة المسلحة المستفيدة.
مدى العلم بالانتهاكات التي ارتكبت باستخدام هذا الدعم.
وهذه الأسئلة هي التي يمكن أن تحدد في النهاية طبيعة المسؤولية الدولية.
رابعاً: مسعد بولس وحظر السلاح والطيران
في الجانب الآخر، تواصل واشنطن الدفع باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض أصلاً على دارفور ليشمل كامل السودان، مع إدخال الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر المقترح.
وتقول الإدارة الأمريكية إن الهدف هو قطع تدفق السلاح والضغط على طرفي الحرب للدخول في مسار سياسي، بينما ترى الحكومة السودانية أن فرض حظر شامل على السلاح يمكن أن يؤدي عملياً إلى مساواة مؤسسات الدولة والقوات المسلحة بقوة متمردة.
وتكمن المشكلة هنا في كيفية تطبيق الحظر.
فإذا كان الحظر سيشمل الدولة السودانية وقواتها النظامية، بينما تستطيع شبكات الدعم الخارجي الاستمرار في تهريب السلاح إلى قوات الدعم السريع، فإن النتيجة قد تكون اختلالاً في ميزان القوة بدلاً من إنهاء الحرب.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
هل نريد وقف السلاح؟
بل:
هل يستطيع المجتمع الدولي وقف السلاح عن جميع الأطراف فعلياً، بما في ذلك شبكات الإمداد العابرة للحدود؟
خامساً: واشنطن أمام اختبار المصداقية
الولايات المتحدة تقول إن هدفها حماية المدنيين وإنهاء الحرب.
وهذا هدف لا يمكن الاختلاف معه من حيث المبدأ.
لكن نجاح السياسة الأمريكية يتوقف على قدرتها على التعامل مع مصادر الحرب الخارجية بالقدر نفسه الذي تتعامل فيه مع أطرافها الداخلية.
فإذا كان المجتمع الدولي يريد وقف الحرب فعلاً، فإن الأولوية يجب أن تكون:
تجفيف مصادر السلاح والمال والمرتزقة، وليس فقط تقييد قدرة طرف سوداني واحد على القتال.
وقد أظهرت المناقشات في مجلس الأمن وجود انقسام حول هذه النقطة؛ إذ تعارض الحكومة السودانية توسيع الحظر، كما تواجه المبادرة الأمريكية اعتراضات من روسيا والصين.
سادساً: البرهان في أسمرا ورسالة إريتريا
في خضم هذه التطورات، تأتي زيارة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أسمرا ولقاؤه الرئيس الإريتري أسياس أفورقي.
وهذه الزيارة ليست مجرد زيارة ثنائية بروتوكولية.
فإريتريا تمتلك أهمية استراتيجية مباشرة بالنسبة للسودان، بحكم الحدود المشتركة والموقع على البحر الأحمر، كما أن التعاون الأمني والسياسي بين الخرطوم وأسمرا ازداد منذ اندلاع الحرب.
وتحمل الزيارة ثلاث رسائل أساسية:
الأولى: أن السودان يعمل على تعزيز عمقه الأمني في الشرق.
الثانية: أن إريتريا أصبحت طرفاً مهماً في معادلة الأمن الإقليمي المرتبطة بالسودان.
الثالثة: أن الخرطوم تسعى إلى بناء شبكة علاقات إقليمية لا تعتمد على محور دولي واحد.
ومن هنا تبرز أسمرا كجزء من إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالسودان.
سابعاً: النيجر وتشاد وليبيا… الحرب السودانية تتمدد إقليمياً
أخطر ما في الحرب السودانية أنها بدأت تتجاوز الحدود.
فتطورات تشاد، وليبيا، وإثيوبيا، والنيجر، أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بأمن السودان.
وقد حذرت جهات إقليمية ودولية من مخاطر انتقال الحرب السودانية إلى دول الجوار، خصوصاً بعد حوادث عسكرية عبر الحدود. كما دعا الاتحاد الأفريقي إلى ضبط النفس ومنع التصعيد بين الدول المجاورة.
أما النيجر، فقد شهدت في أواخر أغسطس محاولة تمرد عسكري خطيرة، تمكنت السلطات من احتوائها، مع بروز دور روسي في مساعدة الحكومة على استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية.
وهذا يعني أن منطقة الساحل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر أصبحت مسرحاً واحداً متداخلاً، وليس مجموعة أزمات منفصلة.
ثامناً: مبارك الفاضل نموذج لإشكالية السياسة السودانية
يثير الجدل حول تصريحات مبارك الفاضل المهدي بشأن مزاعم وجود أسلحة كيميائية في مصنع الشفاء قضية أوسع تتعلق بمسؤولية السياسي السوداني عندما يقدم معلومات أو اتهامات يمكن أن تستخدمها قوى خارجية ضد بلاده.
والتاريخ السوداني الحديث يقدم أمثلة على أن المعلومات السياسية غير الدقيقة يمكن أن تكون لها تكلفة باهظة عندما تدخل في الحسابات الدولية.
لذلك فإن القاعدة التي ينبغي ترسيخها هي:
المعارضة السياسية حق، لكن الأمن القومي ليس مجالاً للمعلومات غير الموثقة.
وأي اتهام يتعلق بالأسلحة الكيميائية أو جرائم الحرب أو الإرهاب يجب أن يستند إلى أدلة مستقلة قابلة للتحقق، لأن استخدام هذه الملفات سياسياً قد يؤدي إلى تدخلات دولية لا يمكن التحكم في نتائجها.
تاسعاً: تحالف صمود وتقرير الأمم المتحدة
ترحيب تحالف صمود بتقرير الأمم المتحدة يعكس استمرار الانقسام السياسي السوداني حول تفسير الحرب ومصادرها.
لكن القضية الأهم ليست من يرحب بالتقرير ومن يرفضه.
القضية هي:
هل يمكن تحويل التحقيقات الدولية إلى آلية متوازنة للمساءلة عن جميع الأطراف؟
فالعدالة الانتقائية لا تحقق السلام.
وإذا كانت هناك أدلة على انتهاكات ارتكبتها قوات الدعم السريع، فيجب التحقيق فيها.
وإذا كانت هناك أدلة على انتهاكات ارتكبتها القوات المسلحة أو أي جماعة مسلحة أخرى، فيجب التحقيق فيها كذلك.
وإذا كانت هناك أدلة على دعم خارجي لأي طرف، فيجب التحقيق في مصادره وشبكاته وتمويله.
هذه هي الطريق الوحيدة لبناء عدالة ذات مصداقية.
عاشراً: الأزمة الاقتصادية… الخطر الصامت
بينما تنشغل النخب السياسية والعسكرية بالمعارك والمفاوضات، يواجه المواطن السوداني حرباً أخرى: حرب الأسعار والجوع وتدهور قيمة العملة.
إن ارتفاع أسعار الغذاء، وضعف الإنتاج الزراعي، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، كلها عوامل يمكن أن تتحول إلى أزمة أمن قومي.
وهنا يجب أن تتحرك الحكومة بصورة عاجلة نحو:
تكوين مخزون استراتيجي من الحبوب.
الاستفادة من انخفاض أسعار بعض السلع في الأسواق العالمية متى كان ذلك متاحاً اقتصادياً.
توسيع الإنتاج المحلي.
تسهيل التمويل الزراعي.
منع الاحتكار والمضاربة.
مراقبة أسواق العملة.
فتح قنوات استيراد مستقرة للقمح والذرة والمواد الأساسية.
فقد تنتصر الدولة عسكرياً، لكنها لا تستطيع بناء السلام إذا انهار اقتصادها وتجوع قطاعات واسعة من شعبها.
الحادي عشر: إلى أين تتجه الحرب؟
المؤشرات الحالية تسمح بطرح ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: الحسم العسكري التدريجي
إذا استمر الجيش في تحسين قدراته الجوية والدفاعية وتوسيع عملياته في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، فقد تتراجع القدرة العملياتية للدعم السريع تدريجياً.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة
قد يؤدي استمرار تدفق السلاح والتمويل الخارجي إلى منع الحسم العسكري، وتحويل السودان إلى حرب استنزاف طويلة.
وهذا السيناريو هو الأخطر على الدولة والمجتمع.
السيناريو الثالث: تسوية سياسية تحت ضغط دولي
قد تقود الضغوط الأمريكية والأممية والإقليمية إلى وقف إطلاق النار ثم التفاوض على ترتيبات سياسية وأمنية.
لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها مستقبل القوات المسلحة، وضع القوات المتمردة، نزع السلاح، العدالة، وإعادة بناء الدولة.
الثاني عشر: الخلاصة الاستراتيجية
السودان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية.
فتقرير الأمم المتحدة لا يمثل نهاية معركة الاتهامات، وإنما يمكن أن يكون بداية مرحلة جديدة عنوانها:
المساءلة عن شبكات الحرب.
والسؤال الاستراتيجي الأكبر لم يعد فقط:
من يسيطر على الخرطوم أو الفاشر أو كردفان؟
بل:
من يملك قرار الحرب خارج السودان؟ ومن يمولها؟ ومن ينقل السلاح؟ ومن يوفر التكنولوجيا والمقاتلين؟
إن أي مشروع جاد للسلام يجب أن يتعامل مع هذه الأسئلة.
ولا يمكن تحقيق السلام في السودان بمجرد جمع السياسيين السودانيين حول طاولة تفاوض، بينما تستمر شبكات السلاح والتمويل والمرتزقة في العمل عبر الحدود.
كما لا يمكن حماية المدنيين من خلال سياسة تؤدي عملياً إلى إضعاف مؤسسات الدولة وحدها.
فالسلام الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة مسارات متزامنة:
وقف الحرب ــ تجفيف التدخل الخارجي ــ إعادة بناء الدولة السودانية.
أما أسمرا، فتظل في هذه المرحلة واحدة من أهم محطات إعادة ترتيب العمق الاستراتيجي للسودان في الشرق والبحر الأحمر.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في تشاد وليبيا وإثيوبيا ومنطقة الساحل يجعل السودان جزءاً من أزمة إقليمية أوسع.
ومن هنا فإن المعركة السودانية لم تعد سودانية فقط، والسلام السوداني لن يكون مستقراً ما لم يتحول إلى مشروع إقليمي ودولي لوقف التدخل الخارجي، إلى جانب الحوار السوداني السوداني.
الخلاصة الأخيرة:
السلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يبني دولة؛ والتدخل الخارجي قد يطيل الحرب، لكنه لا يستطيع صناعة سلام مستدام. وحده الاتفاق السوداني على دولة واحدة، وجيش وطني واحد، ومشروع سياسي سوداني مستقل، يمكن أن يضع نهاية حقيقية للحرب.

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان.. صناعة الكراهية .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *