فجأة وفي خضم الحرب السودانية حملة إعلامية ضخمة تتحدث عن استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية ضد شعبه وتضع اسم الفريق أول عبد الفتاح البرهان في قلب الاتهامط عشرات الصور ومقاطع الفيديو والوثائق تُحشد في تحقيقات صحفية طويلة، وكأن كثرة المواد المنشورة تكفي وحدها لإصدار حكم بالإدانة لكن من زاوية قانونية بحتة كثرة الصور لا تصنع جريمة وكثرة الفيديوهات لا تثبت هوية الفاعل والتقرير الصحفي مهما كان حجمه لا يتحول إلى حكم قضائي
وهنا تحديدا ينبغي الحذر من الانجرار وراء هذه الضجة فالخطورة ليست فقط في الاتهام نفسه وإنما في الطريقة التي يجري بها تقديمه للرأي العام اتهام ضخم أدلة إعلامية متراكمة ثم قفزة مباشرة إلى تحميل القيادة السياسية والعسكرية المسؤولية وهذه ليست منهجية الإثبات التي يعرفها القانون إذا كان قد استخدم سلاح كيميائي بالفعل فالسؤال الأول هو ما المادة المستخدمة؟ وكيف جرى استخدامها؟ وأين أخذت العينات؟ وما نتائج الفحص المخبري المستقل؟ ومن الذي يثبت أن المادة استخدمت كسلاح؟
ثم يأتي السؤال الثاني من استخدمها؟
ثم السؤال الثالث والأكثر حساسية ما الدليل الذي يربط القيادة العليا بالفعل؟
هذه حلقات منفصلة لا يمكن اختصارها في تقرير صحفي واحد أما القفز من صور الضحايا إلى اتهام البرهان شخصيا فهو يحتاج إلى دليل مباشر أو سلسلة أدلة مترابطة تثبت العلم أو الأمر أو المساهمة أو المسؤولية القيادية وفق المعايير المعترف بها في القانون الجنائي الدولي
ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل هل نحن أمام تحقيق مهني يبحث عن الحقيقة أم أمام حملة إعلامية يجري توظيفها سياسيا لتثبيت رواية معينة عن السودان وجيشه وقيادته؟ فإذا كانت الغاية هي الحقيقة فليفتح الملف أمام تحقيق دولي مستقل ولتفحص الوثائق والصور والفيديوهات والأدلة الفنية ولتسمع شهادات الشهود ولتحدد المسؤولية وفق القانون أما إذا كان الهدف هو توريط السودان دوليا وصناعة ملف اتهام إعلامي جاهز قبل اكتمال التحقيق فإن ذلك يمثل انحرافا خطيرا عن العدالة وتحويل القانون الدولي إلى أداة في الصراع السياسي ولا يعني هذا الدفاع عن أي جريمة أو منح أي شخص حصانة بل العكس تماما نحن نطالب بالتحقيق لأن التحقيق وحده يستطيع أن يميز بين الجريمة الحقيقية والادعاء السياسي فالجيش ليس فوق القانون والبرهان ليس فوق المساءلة لكن في المقابل لا يجوز أن يصبح الجيش أو البرهان مدانين بمجرد نشر تحقيق صحفي
وإذا كانت الاتهامات كاذبة فإن هذه الحملة لن تكون سوى محاولة رخيصة لتشويه صورة السودان وخلق مبررات جديدة لتدويل أزمته وفرض مزيد من الضغوط عليه أما إذا كانت هناك جريمة حقيقية فليقدم أصحاب الاتهام أدلتهم إلى الجهات المختصة ولتأخذ العدالة مجراها السودان لا يخشى الحقيقة لكنه يرفض أن تصنع الحقيقة في غرف الإعلام والسياسة ثم يطلب من العالم التعامل معها باعتبارها حكماً قضائيا وفي النهاية القضية بسيطة رغم كل هذه الضجة إما أن هناك جريمة كيميائية يمكن إثباتها بالأدلة الفنية والقانونية وإما أننا أمام حملة إعلامية ضخمة يجري استخدامها لتوريط السودان سياسياً وقانونيا وبين الاحتمالين لا نحتاج إلى مزيد من العناوين الصاخبة
السلاح الكيميائي حين تتحول الضجة الإعلامية إلى محاولة لتوريط السودان .. مستشار هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


