كلما عجزت القوة عن تحقيق أهدافها في الميدان، بحثت السياسة عن طريق آخر للوصول إليها، وهذه هي القاعدة التي ينبغي أن يستوعبها السودان جيدًا وهو يدخل مرحلة جديدة من الحرب.
نيفاشا كانت درسًا قاسيًا، فقد انتهت الحرب باتفاق سياسي لم يكن مجرد وقف لإطلاق النار، بل ترتبت عليه تحولات عميقة في بنية الدولة انتهت بانفصال الجنوب، ولم تكن المشكلة في مبدأ التفاوض، وإنما في أن السودان دخل التفاوض وسط ضغوط دولية هائلة بينما كانت القوى الكبرى تفاوض وفق مصالحها الاستراتيجية لا وفق العواطف والشعارات.
واليوم تتكرر الظروف بصورة مختلفة حرب أنهكت البلاد، ضغوط دولية وإقليمية، مبادرات متعددة وانقسام سياسي داخلي ومع تعثر المشروع العسكري للمليشيا يصبح من الطبيعي أن تنتقل المعركة إلى طاولة التفاوض، وهنا يكمن الخطر الحقيقي أن يتحول ما عجزت البندقية عن تحقيقه إلى مكاسب تنتزعها الضغوط الدبلوماسية،
لكن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده، فالخارج لا يستطيع اختراق دولة متماسكة إلا من خلال شقوقها الداخلية، وكلما بحثت القوى السياسية عن سند أجنبي ضد خصومها منحت العواصم الخارجية فرصة أكبر للتدخل في القرار الوطني، لذلك لا يحتاج السودان إلى سياسة عداء مع العالم، وإنما إلى سياسة تعرف كيف تتعامل مع العالم نحتاج إلى السلام، ولكن ليس سلامًا يفرض تحت ضغط الإنهاك، ونحتاج إلى التفاوض ولكن من موقع الدولة صاحبة القرار لا الطرف الذي يبحث عن رضا الآخرين.
لقد علمتنا نيفاشا أن خسارة المعركة لا تكون دائمًا في الميدان فقد يخسرها السياسي على طاولة التفاوض أيضًا فليكن السلام هدفنا، ولكن لتكن وحدة السودان وسيادته واستقلال قراره خطوطًا لا يجوز أن تتجاوزها أي تسوية.


