Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6239 | وجود عضو لا يتوفر فيه الحياد المطلوب لا يعيب لجنة قاسم بدرى ولا يصلح شاهداً على فشل التجربة .. ترجمة المنشور للغة الانجليزية مرفقة

أصل القضية | الشرق الأوسط.. جغرافيا القوة خارج الدولة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | المخابرات وصاحبة الجلالة .. إبراهيم شقلاوي

البرهان والبشير حين تفوقت المناورة على التنظيم … مستشار هشام محمود سليمان

لم يكن المشير عمر البشير رجلاً ساذجاً في السياسة، ولم يصل إلى السلطة صدفة، كما أن بقاءه فيها ثلاثة عقود لم يكن ممكناً لولا قدر من الذكاء والمناورة والقدرة على إدارة الخصوم، لكنه في لحظة من التاريخ وقع في المفارقة التي يقع فيها كثير من الحكام؛ امتلك السلطة ثم امتلكته أدواتها.
كان البشير مدعوماً بتنظيم سياسي عريض يضم كوادر مشبعة بالتجربة، ومؤسسات تعرف كيف تدير الدولة وعقولاً صاغت مشروعاً سياسياً كاملاً، غير أن التنظيم الذي مثّل في البداية مصدر قوة للرئيس تحول مع الزمن إلى شبكة مصالح، ومراكز قوى وحسابات متعارضة، حتى أصبح البشير في كثير من الأحيان حاكماً قوياً داخل قصره، لكنه محكوم بمعادلات معقدة داخل معسكره.
أما الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فقد جاء إلى قمة السلطة في زمن مختلف تماماً، لم يأت محمولاً على ظهر حزب، ولا مسنوداً بتنظيم أيديولوجي متماسك ولم يجد أمامه دولة مستقرة ولا رقعة سياسية واضحة، وجد نفسه وسط عاصفة هوجاء؛ انتقال سياسي مرتبك، قوى مدنية متنازعة، ضغوط إقليمية ودولية ثم حرب شرسة كادت أن تبتلع الدولة نفسها، وهنا ظهر الفارق؛ البشير كان يلعب الشطرنج أما البرهان فيلعب بالبيضة والحجر، فالشطرنج لعبة لها قواعد، أما واقع السودان الذي وجد البرهان نفسه فيه فلا قواعد ثابتة له، التحالف قد يصبح خصماً، والخصم قد يصبح شريكا مؤقتاً، والصمت أحيانا أبلغ من التصريح والتراجع قد يكون عين التقدم.
استطاع البرهان أن يراوغ العواصف دون أن يسمح لها بإخراجه من مركز القيادة، حاصره الخارج ففتح نوافذ جديدة، اختلف مع شركاء الأمس فغير مواقع اللعب، واجه الحرب فانتقل من إدارة أزمة سياسية إلى قيادة معركة وجود، وبين كل ذلك ظل يحتفظ بأهم أوراقه؛ الغموض المحسوب وطول النفس وعدم كشف كل ما في يده.
قد يكون البشير أكثر خبرة في إدارة التنظيمات، لكن البرهان يبدو أكثر قدرة على إدارة الفراغ، والبشير كان محاطاً بكوادر كثيرة أما البرهان فوجد نفسه إلى حد بعيد يقف في وجه العاصفة وحيداً يحسب خطواته بين الداخل والخارج، وبين الحرب والسياسة وبين ضرورات البقاء وحسابات المستقبل. لكن السؤال الذي سيحكم عليه التاريخ لا يتعلق بقدرته على النجاة، فكم من قائد نجا من العاصفة ثم ضاع الوطن؟ الاختبار الحقيقي للبرهان هو أن يحول دهاء الحرب إلى حكمة دولة وأن يجعل من الانتصار العسكري طريقاً لاستعادة السودان لا مجرد وسيلة لإطالة أمد السلطة، فالأدهي في السياسة ليس من يعرف كيف يلعب بالبيضة والحجر، وإنما من يعرف متى تنتهي اللعبة ومتى يعيد الوطن إلى شعبه وذلك هو الامتحان الذي لم يبدأ بعد.

المقالة السابقة

لا تهدروا انتصار الميدان على طاولة الخداع الدولي … مستشار هشام محمود سليمان

المقالة التالية

وجه الحقيقة | المخابرات وصاحبة الجلالة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *