مقدمة
دخلت الحرب السودانية خلال الأيام الأخيرة مرحلة أكثر تعقيداً، لم يعد فيها الصراع محصوراً في ساحات القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإنما أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بتنافس إقليمي ودولي حول مستقبل الدولة السودانية، وحدود التدخل الخارجي، وشكل التسوية السياسية التي يمكن أن تنهي الحرب.
ويأتي مشروع القرار الأمريكي الذي طرحه مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس أمام مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها، في لحظة عسكرية وسياسية شديدة الحساسية. �
AFP +١
وهنا تبرز قضية جوهرية: هل يمثل المشروع الأمريكي محاولة حقيقية لوقف تدفق السلاح وإنهاء الحرب، أم أنه قد يؤدي عملياً إلى إعادة تشكيل ميزان القوى العسكري في لحظة بدأت فيها القوات المسلحة تستعيد المبادرة في عدد من الجبهات؟
مشروع الحظر الأمريكي.. ماذا يعني؟
الحظر المقترح ليس مجرد تعديل فني لنظام العقوبات القائم؛ فهو ينقل نطاق القيود من إقليم دارفور إلى كامل السودان، ويشمل كذلك المسيّرات ومكوناتها وتقنياتها، مع تعزيز دور فريق الخبراء المكلف بمراقبة العقوبات. �
الاتحاد الأفريقي للأمن والسلام
وتقول واشنطن إن الهدف هو وقف التدفقات الخارجية التي تغذي الحرب والضغط على الأطراف للانتقال إلى التفاوض.
لكن المشكلة تكمن في كيفية تطبيق الحظر ومراقبته.
فالسودان لا يخوض حرباً داخلية مغلقة، بل توجد اتهامات متبادلة بشأن الدعم الخارجي بالسلاح والمال والمقاتلين، كما أن الحدود السودانية الطويلة مع ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا، إضافة إلى البحر الأحمر، تجعل تنفيذ حظر شامل أمراً بالغ التعقيد.
والسؤال الأكثر أهمية هو:
هل سيُفرض الحظر بصورة متساوية على جميع الأطراف وشبكات الإمداد الخارجية، أم ستكون قدرة الدولة السودانية على الحصول على السلاح النظامي أكثر تقييداً من قدرة القوات غير النظامية على الحصول عليه عبر الحدود والشبكات السرية؟
الحكومة السودانية: الحظر لا يجوز أن يتحول إلى مساواة بين الجيش والمليشيا
رفضت الحكومة السودانية توسيع الحظر، واعتبرت أن تطبيقه على كامل البلاد قد يؤدي عملياً إلى مساواة القوات المسلحة، باعتبارها مؤسسة الدولة العسكرية، بقوة مسلحة متمردة.
وقد أكد ممثل السودان في الأمم المتحدة أن الخرطوم ترفض توسيع الحظر خارج دارفور، وتطالب بدلاً من ذلك بتشديد الرقابة على شبكات الإمداد الخارجية ومحاسبة الجهات التي تنتهك نظام العقوبات. �
Sudan Tribune
كما أن رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قلل من أثر العقوبات المحتملة، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية حتى استعادة الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. �
Sudan Tribune
وهذا الموقف يعكس رؤية استراتيجية سودانية مفادها أن الدولة لا تستطيع أن تتخلى عن حقها في الدفاع عن نفسها في الوقت الذي تستمر فيه الحرب وتتلقى فيه القوات غير النظامية دعماً خارجياً.
الموقف الروسي والصيني.. العقبة الأكبر أمام المشروع
واجه المشروع الأمريكي اعتراضاً مهماً من روسيا والصين.
فموسكو رفضت توسيع نظام العقوبات، وحذرت من أن الإجراءات الجديدة يمكن أن تضر بالجيش السوداني وتؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة، بينما دعت بكين إلى التعامل بحذر مع العقوبات وعدم تحويلها إلى بديل عن العملية السياسية. �
Sudan Tribune
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لأن روسيا والصين عضوان دائمان في مجلس الأمن ويتمتعان بحق النقض.
وبالتالي فإن تمرير مشروع أمريكي واسع ضد السودان يواجه عقبة سياسية كبيرة.
وفي المقابل، أبدت بريطانيا وفرنسا والدنمارك دعماً للمقترح الأمريكي، ما يكشف انقساماً دولياً واضحاً حول كيفية التعامل مع الحرب السودانية. �
Dabanga Radio TV Online
وهكذا يتحول السودان مرة أخرى إلى ساحة تفاعل بين القوى الكبرى:
واشنطن ولندن وباريس من جهة، وموسكو وبكين من جهة أخرى.
السعودية ومصر.. موقفان حاسمان
يحظى الموقف السعودي بأهمية استثنائية في هذه المرحلة، خصوصاً مع استمرار الدور السعودي في مسار جدة، وحرص الرياض على وحدة السودان وسيادته ووقف الحرب.
كما أن مصر تنظر إلى السودان من منظور الأمن القومي المباشر، وترفض بصورة واضحة أي مسار يؤدي إلى تقسيم الدولة السودانية أو إنشاء كيانات موازية.
ومن هنا فإن الموقف المصري–السعودي يمكن أن يمثل أحد أهم مراكز التوازن في مواجهة أي ترتيبات دولية قد لا تتوافق مع مصالح الدولة السودانية.
والأهم أن الرياض والقاهرة لا تتحركان فقط من زاوية عسكرية، بل من زاوية الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومنع تحول الحرب إلى مشروع تقسيم إقليمي طويل الأمد.
القوات المشتركة والحلفاء.. ماذا يعني الحظر ميدانياً؟
تتزامن التطورات الدبلوماسية مع استمرار المعارك في كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار محاولات الجيش والقوات المشتركة لتوسيع مناطق السيطرة واستعادة المواقع الاستراتيجية، بينما تحاول قوات الدعم السريع المحافظة على خطوطها في دارفور وكردفان، إلى جانب استخدام المسيّرات لضرب أهداف في مناطق بعيدة عن خطوط التماس التقليدية.
وهنا تظهر أهمية مشروع الحظر.
فإذا شمل القرار جميع الأسلحة والمسيّرات دون آلية دقيقة لمراقبة مصادر السلاح الخارجية، فقد تكون النتيجة إضعاف القدرة الجوية للقوات المسلحة دون ضمان توقف مصادر تسليح الدعم السريع.
أما إذا شمل القرار فعلياً جميع الأطراف وشبكات الإمداد الخارجية، فقد يتحول إلى أداة ضغط حقيقية على الطرفين.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تحددها آلية التنفيذ، وليس نص القرار وحده.
الحرب: هل اقتربت من مرحلة الحسم أم الاستنزاف؟
ميدانياً، تبدو الحرب أمام مفترق طرق.
فالجيش يحاول استثمار التحسن في قدراته الجوية والتقدم في بعض المحاور، بينما تواجه قوات الدعم السريع ضغوطاً عسكرية وسياسية وتنظيمية في عدد من المناطق.
وفي المقابل، فإن استمرار الدعم الخارجي لأي طرف يعني أن الحرب يمكن أن تتحول إلى حرب استنزاف طويلة بدلاً من أن تنتهي بانتصار عسكري سريع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
من يسيطر على هذه المدينة أو تلك؟
بل:
من يستطيع الحفاظ على خطوط الإمداد والتمويل والقدرة على التجنيد وإدارة الحرب خلال الأشهر المقبلة؟
الحوار السوداني–السوداني: المسار الموازي للحرب
في الجانب السياسي، يستمر الجدل حول مبادرة الحوار السوداني–السوداني التي طرحها البرهان.
وقد أعلن البرهان استعداد الدولة لتوفير ضمانات سياسية وقانونية وأمنية للمشاركين، في إطار مسعى لعقد حوار داخلي واسع. �
سونا +١
وفي المقابل، أعلنت قوى مدنية، بينها قيادات في تحالف صمود، رفضها للمبادرة بصيغتها الحالية، معتبرة أن الحوار داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش قد يكرس الواقع العسكري. �
Sudan Tribune +١
وهنا يظهر الانقسام الأساسي:
هل يبدأ الحوار من الداخل باعتباره شأناً سودانياً، أم يجب أن يكون جزءاً من عملية دولية وإقليمية أوسع؟
من منظور استراتيجي، فإن السودان يحتاج إلى الجمع بين المسارين، لا إلغاء أحدهما.
فالضغط الدولي يمكن أن يساعد في وقف التدخلات الخارجية، لكن الشرعية السياسية المستقبلية لا يمكن أن تُبنى بصورة مستدامة من الخارج.
الخماسية الدولية ومسألة السيادة السودانية
المشكلة التي تواجه العملية السياسية هي تعدد الوسطاء والمبادرات.
فكلما تعددت المبادرات الخارجية، زادت احتمالات تضارب الأجندات، وتحول السودان من طرف في عملية السلام إلى ساحة تتنافس فيها الأطراف الدولية.
ومن هنا فإن أي عملية سياسية ناجحة يجب أن تقوم على ثلاث قواعد:
أولاً: وقف التدخل الخارجي في القرار السوداني.
ثانياً: جعل الحوار سودانياً في جوهره، مع الاستفادة من الدعم الدولي في التيسير والضمانات.
ثالثاً: عدم فرض تسوية سياسية لا تعالج قضية السلاح وتعدد الجيوش.
تداعيات المشروع الأمريكي على السودان
يمكن تحديد أبرز التداعيات المحتملة في أربعة مستويات:
المستوى العسكري
قد يؤدي الحظر الشامل إلى تقييد قدرة القوات المسلحة على الحصول على بعض المعدات والتقنيات، خصوصاً الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
المستوى السياسي
قد يستخدم القرار كوسيلة ضغط لإجبار الأطراف على التفاوض.
المستوى الإقليمي
قد يدفع دول الجوار إلى إعادة حساباتها تجاه الحرب، خصوصاً إذا توسعت الرقابة الدولية على الحدود ومسارات السلاح.
المستوى الاستراتيجي
قد يصبح السودان أكثر ارتباطاً بالتنافس الأمريكي–الروسي–الصيني في إفريقيا والبحر الأحمر.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تجميد المشروع أو تعديله
وهو سيناريو مرجح إذا استمرت روسيا والصين في رفض توسيع الحظر، وقد يتحول المشروع إلى صيغة أكثر قبولاً تركز على شبكات الإمداد الخارجية بدلاً من فرض حظر شامل.
السيناريو الثاني: تمرير قرار معدل
قد تتوصل القوى الكبرى إلى صيغة وسط تتضمن تشديد الرقابة على السلاح والمسيّرات، مع استثناءات أو ضوابط تتعلق باحتياجات الدولة السودانية الأمنية.
السيناريو الثالث: استمرار الحرب مع ضغط دولي متزايد
وهنا يتحول الحظر إلى أداة ضغط سياسي أكثر منه أداة لإنهاء الحرب، بينما تستمر المعارك على الأرض.
السيناريو الرابع: تزامن الضغط الدولي مع تقدم عسكري وحوار داخلي
وهذا هو السيناريو الأكثر أهمية للسودان؛ إذ يمكن أن يؤدي الضغط الخارجي إلى دفع الأطراف نحو التفاوض، بالتزامن مع تطورات ميدانية تجعل التسوية أكثر واقعية.
القراءة الاستراتيجية
إن أخطر ما في مشروع الحظر الأمريكي ليس الحظر في حد ذاته، وإنما احتمال أن يصبح جزءاً من إعادة تشكيل ميزان القوة داخل السودان.
فإذا كان الهدف الحقيقي هو إنهاء الحرب، فإن الإجراءات الدولية يجب أن تبدأ من منابع السلاح والتمويل الخارجية، لا أن تقتصر على تقييد قدرة الدولة السودانية على الدفاع عن أراضيها.
كما أن وقف الحرب لا يمكن أن يتحقق بالعقوبات وحدها.
فالسلام يحتاج إلى:
وقف التدخل الخارجي، وضبط الحدود، ووقف تدفق السلاح والمرتزقة، وحماية المدنيين، وإطلاق حوار سوداني شامل، ومعالجة قضية تعدد الجيوش، ثم بناء الدولة على أساس جيش وطني واحد.
وهنا تلتقي مسارات الحرب والحوار والسيادة.
الخلاصة
يقف السودان اليوم أمام مرحلة مفصلية.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية على جبهات متعددة، تتحرك الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، بينما تواجه المبادرة اعتراضات روسية وصينية وسودانية، في حين تستمر المواقف السعودية والمصرية الداعمة لوحدة السودان وسيادته. �
Sudan Tribune +١
وفي الداخل، يستمر الحوار حول الحوار السوداني–السوداني، وسط انقسام القوى السياسية بين من يرى فيه فرصة لإعادة بناء الجبهة الداخلية، ومن يخشى أن يتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج الحكم العسكري.
أما الميدان، فيظل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد شروط التفاوض.
والدرس الاستراتيجي الأهم هو أن السودان لا يستطيع أن ينهي الحرب إذا بقي القرار العسكري والسياسي موزعاً بين الداخل والخارج.
لذلك فإن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون عسكرية فقط، وإنما ستكون معركة على:
سيادة القرار السوداني، ووحدة الدولة، وشكل الجيش القادم، ومصادر السلاح، ومستقبل الحوار، وطبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية.
ويبقى الخيار الأكثر عقلانية هو تحويل الضغط الدولي من أداة لتقييد الدولة إلى أداة لوقف التدخلات الخارجية كافة، وتجفيف مصادر الحرب، ودعم حوار سوداني حقيقي يقود إلى سلام مستدام ودولة موحدة وجيش وطني واحد.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


