Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6239 | وجود عضو لا يتوفر فيه الحياد المطلوب لا يعيب لجنة قاسم بدرى ولا يصلح شاهداً على فشل التجربة .. ترجمة المنشور للغة الانجليزية مرفقة

أصل القضية | الشرق الأوسط.. جغرافيا القوة خارج الدولة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وجه الحقيقة | المخابرات وصاحبة الجلالة .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | الشرق الأوسط.. جغرافيا القوة خارج الدولة .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ليست المشكلة الحقيقية في البحر الأحمر أن الحوثيين وصلوا إلى المخا واقتربوا من باب المندب، فهذا هو الخبر الذي ستنشغل به غرف الأخبار، ومراكز الدراسات وأجهزة الاستخبارات، وليس السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيحدث للملاحة الدولية؟
السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده أعمق من ذلك: ماذا يعني أن تصبح قطعة من جغرافيا الدولة مصدرًا لقوة فاعل لا يمثل دولة؟
هنا يبدأ #أصل_القضية.

فالتطورات في الساحل الغربي لليمن وما تثيره من مخاوف بشأن باب المندب، تعيد وضع أحد أهم الممرات البحرية العالمية أمام سؤال يتجاوز أمن الملاحة إلى طبيعة القوة نفسها، لكن قراءة المشهد باعتباره مجرد أزمة أمن بحري قد تجعلنا نرى الجزء الأسهل من الصورة ونفقد التحول الأهم فيها.
في العلاقات الدولية، ظلت الدولة هي الوحدة الأساسية التي نقرأ من خلالها القوة: دولة تملك الإقليم، وتحتكر استخدام القوة، وتتحكم في حدودها وتدير علاقاتها الخارجية. لكن الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين يقدم لنا صورة أكثر تعقيدًا إذ صعدت إلى جوار الدولة، وأحيانًا داخل فراغاتها، قوى وفاعلون من خارج الدولة قادرون على امتلاك السلاح، والسيطرة على الأرض، وإدارة شبكات اقتصادية، والتأثير في الأمن الإقليمي بل وإنتاج آثار تتجاوز حدود الدولة نفسها.

هنا تتغير جغرافيا القوة دون أن تتغير حدود الخرائط.
الحوثيون ليسوا دولة، لكنهم يستطيعون التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. والدعم السريع في السودان ليس دولة، لكنه تحول إلى قوة عسكرية وجغرافية وسياسية لا يمكن فهم مستقبل الدولة السودانية من دون فهم موقعها في الصراع.

ولا يعني ذلك أن الحالتين متطابقتان، فلكل منهما نشأته، وسياقه، وأهدافه وعلاقاته الإقليمية. لكنهما يكشفان عن ظاهرة واحدة تستحق أن تُقرأ بعين مختلفة: صعود الفاعل خارج الدولة من مجرد طرف في النزاع إلى منتج للقوة الإقليمية، وهذا هو التحول الذي ينبغي أن يقلقنا.
فالمسألة لم تعد فقط أن السلاح خرج من مخازن الدولة. الأخطر أن بعض أدوات القوة الاستراتيجية نفسها أصبحت قابلة للوصول إليها من خارج الدولة: الصواريخ، المسيّرات، القدرات الاستخبارية، تقنيات الاستهداف، وسائل الحرب الإلكترونية وشبكات التمويل والإمداد.
لم تعد الدولة وحدها هي التي تستطيع تحويل الجغرافيا إلى نفوذ.
ميناء، مضيق، جزيرة، حدود، طريق تجاري، منجم أو مدينة استراتيجية؛ كلها يمكن أن تتحول إلى أصل جيوسياسي في يد من يسيطر عليها، حتى إن لم يكن صاحب صفة دولية.

وهنا تطل رؤية الجسر والمورد: فعندما تضعف الدولة، لا تختفي قيمة مواردها ومواقعها الاستراتيجية، بل قد تتحول هذه الموارد نفسها إلى أدوات لإعادة توزيع القوة خارج الدولة.
لذلك فإن مدينة المخا ليست مجرد مدينة يمنية في هذه القراءة، إنها مثال على كيف يمكن للجغرافيا المحلية أن تنتج نفوذًا دوليًا، وباب المندب ليس مجرد مضيق، إنه نقطة تتقاطع فيها تجارة العالم، وأمن الطاقة والسياسة الإقليمية. وعندما يستطيع فاعل من خارج الدولة التأثير فيه، فإن تأثيره يصبح بالضرورة أكبر من حدود الدولة التي يتحرك داخلها. وهنا يصبح السودان جزءًا من السؤال، لا مجرد حالة مقارنة، فحين تتعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة، ويتحول النفوذ الجغرافي إلى مصدر للتمويل والتفاوض والتأثير، فإن الصراع لا يعود فقط حول من يحكم الدولة؟ بل حول: من يملك الجغرافيا التي تمنح القدرة على الحكم؟ وهذا فرق جوهري.

لقد اعتدنا أن نفكر في الدولة باعتبارها صاحبة الإقليم ثم تنتج من الإقليم قوتها. لكن بعض تجارب الشرق الأوسط المعاصرة تدفعنا إلى قلب المعادلة، من يملك موقعًا استراتيجيًا قد يمتلك قوة تتجاوز الدولة نفسها، وهنا نصل إلى السؤال الذي قد يكون أكثر أهمية من سؤال باب المندب: إذا كانت الدولة، في تعريفها التقليدي، تقوم على الشعب، والإقليم، والسلطة والسيادة، فماذا يحدث عندما يصبح الإقليم موزعًا بين مراكز قوة، والسلطة متعددة والسلاح الاستراتيجي متاحًا لفاعلين خارج البنية الرسمية؟
أين الشعوب في كل ذلك؟

ربما تكون المفارقة أن العالم يتحدث كثيرًا عن الدولة، بينما تتراجع قدرة المواطن داخلها على التأثير في مسار القوة التي تعيد تشكيل حياته.

ومن هنا، فإن الشرق الأوسط الجديد قد لا يكون فقط شرق أوسط تتغير فيه الدول، بل شرق أوسط تتغير فيه وظيفة الدولة نفسها من دولة تحتكر القوة إلى دولة تتشارك المجال مع قوى أخرى، ومن جغرافيا ترسمها الحدود إلى جغرافيا تصنعها القدرة على السيطرة والتأثير.

وهنا لا تعود المعركة على باب المندب وحده، المعركة الأعمق هي: من يملك جغرافيا القوة في الشرق الأوسط؟
فإذا كانت الدولة تملك الأرض، لكن غيرها يملك القدرة على تحويل الأرض إلى نفوذ، فإننا أمام تحول لا ينبغي أن نقرأه كأزمة عابرة.
إنها إعادة رسم لخريطة القوة… من دون أن تتحرك الحدود.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | المخابرات وصاحبة الجلالة .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6239 | وجود عضو لا يتوفر فيه الحياد المطلوب لا يعيب لجنة قاسم بدرى ولا يصلح شاهداً على فشل التجربة .. ترجمة المنشور للغة الانجليزية مرفقة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *