مقدمة
شهد الملف السوداني خلال الأيام الأخيرة مواجهة دبلوماسية مهمة داخل مجلس الأمن، تمحورت حول مشروع أمريكي لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية.
وكانت هذه الخطوة ستشكل تحولاً كبيراً في طبيعة نظام العقوبات المفروض على السودان، ولذلك حظيت بمعارضة واضحة من روسيا والصين وعدد من الدول الأعضاء، بينما دفعت الولايات المتحدة باتجاه توسيع الحظر باعتباره وسيلة للضغط على أطراف الحرب ووقف تدفق السلاح. ؟
لكن نتيجة التصويت جاءت مختلفة عن الطرح الأمريكي الأصلي. ففي 11 سبتمبر، وافق أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر بالإجماع على تمديد نظام حظر السلاح الخاص بدارفور لمدة شهر واحد، بدلاً من اعتماد حظر شامل على كامل السودان، بما يتيح استمرار المفاوضات حول مستقبل نظام العقوبات.
وهنا تبرز أهمية الحدث.
فالمعركة لم تكن مجرد خلاف فني حول عقوبات، وإنما كانت مواجهة حول سؤال أكبر: هل تتم معالجة الحرب السودانية من خلال تجفيف مصادر السلاح عن جميع الأطراف بصورة متوازنة، أم تتحول العقوبات الدولية إلى أداة يمكن أن تؤثر في بنية الدولة ومؤسساتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها؟
أولاً: ماذا حدث في مجلس الأمن؟
طرحت الولايات المتحدة مشروعاً لتوسيع نطاق حظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان.
كما تضمن المقترح الأمريكي تشديد التعامل مع الطائرات المسيّرة وأنظمتها وتقنياتها، وزيادة عدد الخبراء العاملين في فريق الخبراء المعني بالعقوبات، وتعزيز التعاون بين فرق الخبراء المختلفة في المنطقة.
وتقول واشنطن إن الهدف هو وقف تدفق الأسلحة إلى أطراف الحرب والضغط عليها لإنهاء القتال لكن المشروع واجه مقاومة قوية.
وبعد مفاوضات طويلة، لم يحصل المقترح على التوافق المطلوب، فجرى الاتجاه إلى حل مؤقت يتمثل في تمديد نظام العقوبات القائم لمدة شهر، مع استمرار المفاوضات بشأن التعديلات المقترحة. ؟
وهذا يعني أن المواجهة لم تنتهِ، وإنما تأجل حسمها.
ثانياً: روسيا تتخذ موقفاً حاسماً
كان الموقف الروسي من أبرز عناصر التطور الأخير.
فموسكو عارضت بصورة واضحة توسيع الحظر من دارفور إلى كامل السودان، معتبرة أن العقوبات القائمة لم تحقق الهدف المعلن منها، وأن توسيعها يمكن أن يضر بسيادة السودان وبقدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع الحرب.
وتكشف مواقف موسكو خلال المفاوضات أن روسيا لا تنظر إلى القضية باعتبارها مجرد ملف إنساني، وإنما باعتبارها جزءاً من الصراع على مستقبل الدولة السودانية وتوازن القوى الإقليمي والدولي في السودان والبحر الأحمر.
وهنا تأتي أهمية الموقف الروسي بالنسبة للخرطوم.
فوجود دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن ترفض توسيع الحظر يمنع تمرير بعض القرارات التي قد تغير بصورة جذرية طبيعة النظام الدولي المفروض على السودان.
ثالثاً: الصين وأعضاء أفارقة يرفضون توسيع نطاق العقوبات
لم تكن روسيا وحدها في هذا الموقف فقد عارضت الصين، إلى جانب الأعضاء الأفارقة الثلاثة في المجلس وباكستان، توسيع نطاق العقوبات ليشمل كامل السودان، مع تفضيل الإبقاء على نظام العقوبات في دارفور والعمل على تحسين تنفيذه.
وهذا التطور مهم جداً فالمواجهة لم تعد:
السودان ضد الولايات المتحدة، بل أصبحت قضية أوسع تتعلق برؤية مختلفة داخل مجلس الأمن حول:
– سيادة الدولة.
– حقها في الدفاع عن نفسها.
– مسؤولية الأطراف المسلحة.
– مصادر السلاح الخارجية.
– طبيعة العقوبات.
– مستقبل المؤسسات السودانية.
– وكيفية إنهاء الحرب.
رابعاً: السودان يرفض الحظر الشامل ويتمسك بحق الدفاع عن النفس
الموقف السوداني في مجلس الأمن كان واضحاً في رفض الحظر الشامل. فالسفير السوداني لدى الأمم المتحدة حذر من أن فرض حظر كامل على السلاح قد يتعارض مع حق الدولة في الدفاع عن نفسها، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وتدفق السلاح إلى القوى المسلحة.
وهنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية: هناك فرق بين حظر السلاح عن الجماعات المسلحة، وبين منع الدولة ذات السيادة من الحصول على الوسائل التي تحتاجها للدفاع عن شعبها وحدودها ومؤسساتها.
ولهذا فإن أي نظام عقوبات ينبغي أن يحدد بدقة:
– من هو المستهدف؟
– ومن هي الجهة التي ينبغي منعها من الحصول على السلاح؟
وكيف يمكن منع وصول السلاح إلى القوات غير الحكومية دون إضعاف قدرة الدولة الشرعية على حماية نفسها؟
خامساً: لماذا يمثل فشل تمرير الحظر الشامل تطوراً مهماً؟
يمكن النظر إلى نتيجة مجلس الأمن باعتبارها تراجعاً مرحلياً للمشروع الأمريكي، وليس سقوطاً نهائياً له. فالولايات المتحدة لم تتخلَّ عن فكرة توسيع الحظر، وإنما جرى تمديد النظام القائم لشهر واحد، بينما تستمر المفاوضات وهذا يعني أن الملف سيعود إلى طاولة مجلس الأمن قريباً.
وبالتالي فإن السودان أمام معركة دبلوماسية مستمرة.
والمرحلة المقبلة قد تكون أكثر أهمية من التصويت الأخير.
سادساً: المفارقة الكبرى لماذا لم ينجح حظر دارفور طوال أكثر من عشرين عاماً؟
هذه نقطة شديدة الأهمية.
فحظر السلاح الخاص بدارفور موجود منذ سنوات طويلة، ومع ذلك استمرت عمليات وصول السلاح إلى أطراف الصراع، بل إن الحرب الحالية شهدت استخدام أسلحة أكثر تطوراً، بما فيها الطائرات المسيّرة.
وتقر تقارير مجلس الأمن بوجود مشكلات كبيرة في تنفيذ نظام العقوبات ومراقبة تدفقات السلاح، إضافة إلى التقارير المتعلقة بالدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
وهنا يطرح السودان سؤالاً مشروعاً: إذا لم يتمكن المجتمع الدولي من تنفيذ حظر السلاح في دارفور، فكيف سيضمن تطبيق حظر شامل على مساحة السودان كلها؟
السؤال لا يعني رفض وقف تدفق السلاح، بل يعني أن فعالية القرار تعتمد على القدرة على تنفيذه بصورة متساوية.
سابعاً: الخطر الحقيقي هو الانتقائية
السودان لا يحتاج إلى استمرار الحرب، ولا يحتاج إلى استمرار تدفق السلاح، بل إن وقف الدعم الخارجي لجميع الأطراف يمثل أحد أهم شروط إنهاء الحرب.
لكن المشكلة تبدأ عندما تكون هناك قرارات دولية قوية على الورق، وضعف في تنفيذها على الأطراف الأكثر قدرة على الحصول على السلاح خارج القنوات الرسمية.
فإذا التزمت الدولة بالحظر، بينما استمرت شبكات تهريب السلاح والدعم الخارجي في العمل، فإن ميزان القوة يمكن أن يتحول بصورة خطيرة.
ومن هنا فإن الموقف السوداني الصحيح يجب ألا يكون: رفض حظر السلاح مطلقاً، بل المطالبة بحظر فعّال ومتوازن وشفاف على جميع مصادر السلاح والدعم الخارجي، مع عدم المساس بحق الدولة في الدفاع عن نفسها.
ثامناً: من العقوبات إلى إعادة تشكيل الدولة
هنا نصل إلى جوهر هذه السلسلة.
لا توجد حتى الآن وثيقة معلنة تثبت وجود قرار دولي رسمي يقول: “نريد تفكيك الدولة السودانية ومؤسساتها.”
ومن الناحية البحثية، يجب ألا ننسب مثل هذا الهدف إلى جهة دولية دون دليل، لكن التحليل الاستراتيجي لا يكتفي بالنوايا المعلنة، بل يدرس أيضاً نتائج السياسات.
فإذا اجتمعت:
– الحرب الطويلة،
– العقوبات،
– إضعاف الاقتصاد،
– استنزاف الجيش،
– تعدد القوى المسلحة،
– الدعم الخارجي للأطراف،
– العقوبات الدولية،
– الضغوط السياسية،
– وتدويل الملفات الداخلية،
فإن النتيجة المحتملة قد تكون إضعاف مؤسسات الدولة حتى دون وجود قرار معلن بتفكيكها.
وهذه هي الفرضية التي يجب أن تظل تحت الدراسة.
تاسعاً: جهود الداخل والأشقاء في مواجهة تدويل الأزمة
عنوان السلسلة الجديد يضع عاملاً مهماً في قلب المشهد:
جهود الداخل والأشقاء.
فالحل السوداني لا يمكن أن يكون دولياً خالصاً.
ولا ينبغي أن يكون إقليمياً مفروضاً.
كما لا يمكن أن يكون مجرد تسوية بين القوى المسلحة.
الحل الأكثر استدامة هو الذي يجمع بين:
الحوار السوداني ـ السوداني،
والدعم العربي،
والدعم الأفريقي،
والوساطة الدولية المتوازنة.
ولهذا فإن مبادرات الحوار من الداخل تمثل أهمية استراتيجية؛ لأنها تعيد القضية إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب السوداني ومؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية الوطنية.
عاشراً: مصر والسعودية وروسيا — مثلث دعم مختلف
في هذه المرحلة تبرز أهمية أدوار الدول التي تتعامل مع السودان باعتباره دولة ذات سيادة وليس مجرد ملف نزاع.
– مصر
ترتبط مصر بالسودان بحدود ومصالح أمن قومي ومصالح استراتيجية، ولذلك فإن الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته يمثل مصلحة مصرية مباشرة.
– السعودية
تمتلك السعودية موقعاً مهماً في ملف السودان، خصوصاً من خلال مسار جدة، كما أن أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي يجعلان استقرار السودان قضية ذات أهمية استراتيجية للمملكة.
– روسيا
يمثل الموقف الروسي داخل مجلس الأمن أحد أبرز عناصر التوازن في مواجهة توسيع العقوبات، خصوصاً أن موسكو رفضت توسيع نطاق الحظر خارج دارفور.
وهذه الأدوار الثلاثة، رغم اختلاف دوافعها ومصالحها، يمكن أن تسهم في منع تحول السودان إلى ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل الدولة من الخارج.
الحادي عشر: واشنطن أمام اختبار جديد
الولايات المتحدة تقول إن هدفها من توسيع الحظر هو وقف الحرب وتجفيف مصادر السلاح.
وهذا هدف لا يمكن رفضه من حيث المبدأ.
لكن واشنطن أمام اختبار مهم إذا كانت تريد فعلاً إنهاء الحرب، فعليها أن تعمل على
وقف جميع أشكال الدعم العسكري الخارجي لجميع الأطراف.
لا أن يتحول الضغط إلى أداة تؤثر بصورة أكبر على مؤسسات الدولة. وهنا يمكن أن يكون الحوار مع واشنطن أكثر فاعلية من المواجهة معها. فالسودان يستطيع أن يقول: نعم لوقف السلاح الذي يطيل الحرب، ولكن لا لإضعاف الدولة التي يفترض أن تحمل مسؤولية إنهائها.
الثاني عشر: المعركة القادمة ليست في مجلس الأمن فقط
ما حدث في مجلس الأمن يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية المعركة، إنه بداية مرحلة جديدة، فالولايات المتحدة قد تعيد طرح توسيع الحظر.
وقد تظهر صيغ جديدة للعقوبات. وقد تدخل ملفات أخرى إلى دائرة الضغط الدولي، مثل:
– حقوق الإنسان.
– الأسلحة الكيميائية.
– العقوبات الفردية.
– المساعدات الإنسانية.
– المحكمة الجنائية الدولية.
– الجرائم والانتهاكات.
– الطائرات المسيّرة.
– التمويل الخارجي.
– والعملية السياسية.
ولهذا فإن السودان يحتاج إلى استراتيجية دبلوماسية متكاملة، لا مجرد ردود فعل على القرارات الدولية.
الثالث عشر: الاستشراف
يمكن وضع ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: التوافق الدولي
يتم الاتفاق على صيغة تضمن وقف تدفق السلاح إلى جميع الأطراف، مع استثناءات واضحة للدولة ومؤسساتها الشرعية.
وهذا هو السيناريو الأفضل.
السيناريو الثاني: استمرار الضغط الأمريكي
تستمر واشنطن في محاولة توسيع الحظر، مع إدخال تعديلات تجعل المشروع أكثر قبولاً لدى روسيا والصين والدول الأفريقية.
وهنا ستستمر المعركة الدبلوماسية.
السيناريو الثالث: تدويل أوسع للحرب
تتوسع العقوبات والضغوط السياسية والحقوقية، بينما تستمر التدخلات الخارجية.
وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة، لأنه قد يحول السودان من دولة تخوض حرباً داخلية إلى دولة موزعة بين مراكز نفوذ خارجية وداخلية.
الخلاصة
إن نتيجة مجلس الأمن في 11 سبتمبر تمثل نجاحاً مرحلياً للجهود التي حالت دون توسيع حظر السلاح إلى كامل السودان، لكنها لا تعني انتهاء المشروع.
فالقرار الذي اتُخذ أبقى حظر دارفور قائماً لمدة شهر وفتح الباب لمزيد من التفاوض، ومن هنا فإن المعركة القادمة ستكون معركة دبلوماسية وسياسية بقدر ما هي عسكرية.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً هو:
كيف نوقف الحرب دون أن نوقف الدولة؟
وكيف نجفف مصادر السلاح التي تغذي الصراع دون أن نجرد الدولة السودانية من قدرتها على الدفاع عن شعبها؟
وكيف ندعم الحوار السوداني من الداخل، ونستفيد من مواقف الأشقاء والأصدقاء، دون أن نسمح بتحول السودان إلى مشروع لإعادة هندسة الدولة من الخارج؟
إن السودان لا يحتاج إلى وصاية دولية ولا يحتاج إلى حرب بلا نهاية، بل يحتاج إلى: سلام سوداني،
وحوار سوداني، ودعم عربي وأفريقي متوازن، وتعاون دولي يحترم السيادة، ودولة موحدة، ومؤسسات وطنية قوية، وجيش وطني واحد و سلاح تحت سلطة الدولة.
وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد شكل السودان بعد الحرب.


