Popular Now

تقرير مجلس حقوق الإنسان عن السودان قراءة نقدية في ميزان القانون الدولي .. مستشار هشام محمود سليمان

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6311 | مسعد بولس يفجر قنبلة تزعج المعارضة ولكنها لا تقوى على انتقاده !!

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان.. إعادة قراءة مقال نشوة أحمد الطيب .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

تقرير مجلس حقوق الإنسان عن السودان قراءة نقدية في ميزان القانون الدولي .. مستشار هشام محمود سليمان

ليس المطلوب في قراءة تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن السودان أن نرفضه لأنه صادر عن الأمم المتحدة، كما لا يجوز أن نقبله باعتباره حقيقة قضائية نهائية لمجرد صدوره عن مجلس حقوق الإنسان، فالتقرير مهما بلغت أهمية الجهة التي أصدرته يظل وثيقة تحقيق وتقص لا حكما قضائياً والمعيار الذي ينبغي أن يحكم قراءته هو القانون الدولي نفسه:
ماذا أثبت التقرير؟ كيف أثبته؟ ما معيار الأدلة الذي اعتمده؟ وهل انتقل بصورة سليمة من إثبات الواقعة إلى تحديد الجريمة ثم إلى تحديد المسؤولية؟
هذه الأسئلة ليست محاولة لحماية أي طرف من المحاسبة، وإنما هي جوهر العدالة نفسها فتقرير البعثة لعام 2026 يحمل عنواناً يركز على الأسلحة، والمقاتلين وشبكات الدعم الخارجي، ويتناول تأثير الحرب على حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، وجرائم الحرب والأطراف الخارجية، ولا شك أن مثل هذه المهمة ضرورية في حرب معقدة كالحرب السودانية لكن أهمية التقرير لا تعني عصمته من النقد القانوني.

أولاً: الخطأ المنهجي الأكبر تحويل التقرير التحقيقي إلى ما يشبه الحكم القضائي

أول الأخطاء التي يجب التنبيه إليها هو التعامل مع نتائج بعثة تقصي الحقائق كما لو أنها أحكام قضائية، البعثة تستطيع أن تجمع المعلومات وتقارن الروايات وتحدد الأنماط وتصل إلى استنتاجات حقيقية، لكنها ليست محكمة جنائية ولا تصدر أحكاماً ملزمة بإدانة الأشخاص أو الدول،
وهنا يجب التمييز بين ثلاث مراحل الواقعة ثم التكييف القانوني ثم المسؤولية.
إثبات وقوع قصف لا يعني تلقائيًا إثبات أن القصف جريمة حرب، وإثبات مقتل مدنيين لا يعني وحده أن الهجوم كان متعمداً ضد المدنيين، وإثبات وجود سلاح معين في مسرح الجريمة لا يعني تلقائياً تحديد الجهة المسؤولة عن استخدامه، وإثبات أن دولة أو جهة قدمت دعما لطرف في النزاع لا يعني تلقائياً مسؤوليتها عن كل جريمة يرتكبها ذلك الطرف، وهذا هو الفاصل الذي يجب ألا يضيع بين التوثيق الإدانة.

ثانياً: الخلط بين النتيجة الإنسانية والنتيجة القانونية

من أبرز مواطن الضعف في أي تحقيق يتعلق بالعمليات العسكرية أن يتم الانتقال من حجم الخسائر المدنية إلى الاستنتاج القانوني دون استكمال عناصر الجريمة،
القانون الدولي الإنساني لا ينكر أن المدني قد يسقط ضحية لعملية عسكرية وإنما يسأل أسئلة أكثر دقة
– هل كان الهدف عسكرياً؟
– هل كان المهاجم يعلم طبيعة الهدف وفق المعلومات المتاحة له وقت الهجوم؟
– ما الوسيلة المستخدمة؟
– ما الاحتياطات التي اتخذت؟
– ما حجم الخسائر المدنية المتوقعة؟
– وما الميزة العسكرية المباشرة والمتوقعة؟
– وهل كانت الخسائر المدنية المتوقعة مفرطة مقارنة بتلك الميزة؟
لذلك فإن مجرد سقوط المدنيين على فداحة المأساة الإنسانية ليس وحده كافياً لإثبات جريمة حرب
وهنا ينبغي مساءلة التقرير هل قدم في كل واقعة سلسلة الإثبات كاملة أم انتقل في بعض الحالات من النتيجة الإنسانية إلى النتيجة القانونية دون تفصيل جميع العناصر اللازمة؟ هذا السؤال لا يبرئ أحدا لكنه يختبر جودة التحقيق.

ثالثاً: إغفال أو تقليل أهمية حق الدولة في الدفاع عن إقليمها

هناك نقطة أساسية ينبغي أن تكون أكثر وضوحا في أي تقرير عن الحرب السودانية
القانون الدولي لا يطلب من الدولة أن تتخلى عن سيادتها أو تسمح لقوة مسلحة بالسيطرة على إقليمها دون مقاومة
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تقرر حق الدول في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس في مواجهة هجوم مسلح لكن ينبغي عدم إسقاط هذه المادة بصورة آلية على كل تفاصيل النزاع السوداني لأن الحرب بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع هي في جوهرها نزاع مسلح غير دولي والأساس القانوني الأهم هنا هو أن الدولة تظل صاحبة السيادة على إقليمها ولها مؤسساتها وقواتها المسلحة ولها الحق في مواجهة التمرد المسلح مع التزامها الكامل بقواعد القانون الدولي الإنساني وهذه نقطة يجب ألا تضيع في التقرير حق القوات المسلحة في الدفاع عن الدولة لا يعني أن كل عملية عسكرية مشروعة لكنه يعني أيضا أن مجرد قيامها بعملية عسكرية ضد قوة مسلحة متمردة لا يمكن اعتباره جريمة في حد ذاته.

رابعاً: الخطأ في التعامل مع الأهداف العسكرية

القانون الدولي الإنساني يميز بين المدنيين والأهداف العسكرية وبالتالي فإن مقاربات بعض التقارير التي تتعامل مع العمليات العسكرية باعتبارها اعتداء على المدنيين لمجرد وقوعها في مدينة أو منطقة مأهولة تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة وجود هدف عسكري داخل منطقة مدنية لا يحوله إلى هدف محظور تلقائيا وفي المقابل وجود هدف عسكري داخل منطقة مدنية لا يمنح المهاجم حق ضرب المنطقة دون قيود القانون يفرض التمييز والتناسب والاحتياط ومن ثم فإن السؤال الصحيح ليس هل كان هناك مدنيون في المنطقة؟
وإنما هل كان هناك هدف عسكري مشروع؟ وما الذي كان يعرفه المهاجم وقت اتخاذ القرار؟ وما الاحتياطات الممكنة؟ وهل كانت الخسائر المدنية المتوقعة مفرطة؟
هذه الدقة ضرورية حتى لا يتحول القانون الإنساني إلى أداة لإلغاء الحق في العمليات العسكرية المشروعة.

خامساً:أخطر أخطاء التقرير الخلط بين السلاح والمسؤولية

ربما تكون هذه المسألة هي الأكثر أهمية في التقرير خصوصا في حديثه عن شبكات السلاح والدعم الخارجي لا أحد يعترض على التحقيق في مصادر الأسلحة أو خطوط الإمداد أو التمويل أو المرتزقة بل إن ذلك جزء مهم من فهم الحرب لكن هناك فارقا قانونيا كبيراً بين من صنع السلاح ومن باعه ومن نقله ومن موّله ومن قدمه ومن استخدمه ومن أصدر الأمر باستخدامه ومن كان يعلم أن استخدامه سيكون في جريمة محددة لا يجوز اختزال هذه السلسلة كلها في مسؤول واحد
فإذا ثبت أن دولة ما قدمت دعما لطرف في النزاع فإن السؤال التالي ليس هل ارتكب الطرف المدعوم جرائم؟ بل ما طبيعة الدعم؟ وماذا كانت الجهة الداعمة تعلم؟ وما صلة هذا الدعم بالجريمة المحددة؟ وهل تتوافر العناصر القانونية التي تنقل المسؤولية إلى الجهة الداعمة؟
وهنا يصبح التحقيق أكثر تعقيدا لكنه أيضا أكثر عدالة.

سادساً:الإمارات هنا يجب أن تكون الأدلة أعلى لا أقل

إذا تناول التقرير الدور الإماراتي في دعم قوات الدعم السريع فإن المسألة تستحق التحقيق الجاد ولا يجوز تجاهلها أو تسطيحها وقد تلقت آليات الأمم المتحدة بالفعل في أبريل 2026 معلومات تتعلق بالدعم العسكري واللوجستي الخارجي والمرتزقة والجهات المرتبطة بهم في النزاع السوداني لكن مجرد ورود معلومات إلى آلية أممية لا يجعلها حكماً قضائيا نهائيا
ولهذا فإن الخطأ المنهجي سيكون في الانتقال من وجود شبكة دعم أو وصول أسلحة إلى ثبوت المسؤولية الدولية أو الجنائية عن جريمة محددة فالمسؤولية الدولية للدولة شيء والمسؤولية الجنائية الفردية شيء آخر وهذا التمييز أساسي
فالدولة قد تتحمل مسؤولية عن فعل دولي غير مشروع وفق قواعد مسؤولية الدول بينما المسؤولية الجنائية عن جريمة حرب تتطلب إثبات العناصر الخاصة بالجريمة وبالشخص المسؤول عنها.

سابعاً: الخلط بين مسؤولية الدولة والمسؤولية الجنائية الفردية

من الأخطاء التي يجب الحذر منها كذلك دمج مستويين مختلفين من القانون
مسؤولية الدولة والمسؤولية الجنائية الفردية نظام روما الأساسي ينظم المسؤولية الجنائية للأشخاص وليس مسؤولية الدول ككيانات والمادة 30 منه تقرر كأصل عام أن المسؤولية الجنائية تتطلب القصد والعلم بينما المادة 28 تضع شروطا محددة لمسؤولية القادة والرؤساء من بينها السيطرة الفعلية والعلم أو وجوب العلم والفشل في اتخاذ التدابير الضرورية والمعقولة ولهذا لا يكفي القول القائد كان في موقع المسؤولية إذن هو مسؤول عن كل ما وقع القانون أكثر دقة من ذلك
ثامنا مسؤولية القيادة ليست مسؤولية جماعية :-
———————————-
هذه نقطة شديدة الأهمية في الحالة السودانية إذا وقعت جريمة بواسطة عنصر عسكري فإن المسؤولية لا تنتقل آليا إلى أعلى رتبة عسكرية
يجب البحث عن من أصدر الأمر؟ من نفذ؟
من كانت له السيطرة الفعلية؟ من كان يعلم؟ من كان ينبغي أن يعلم؟ من كان يستطيع منع الجريمة؟ من امتنع عن التحقيق فيها أو معاقبة مرتكبيها؟
وهذا ما تؤكده المادة 28 من نظام روما الأساسي التي تشترط في مسؤولية القائد العسكري عناصر محددة تتعلق بالسيطرة الفعلية والعلم أو وجوب العلم والفشل في اتخاذ التدابير اللازمة وبالتالي فإن تحويل المسؤولية القيادية إلى مسؤولية جماعية يضعف الحجة القانونية بدلاً من أن يقويها.

تاسعاً: عدم التمييز الكافي بين طبيعة الدولة وطبيعة الجماعة المسلحة

القوات المسلحة السودانية ليست مجرد جماعة مسلحة أخرى الدولة السودانية شخص من أشخاص القانون الدولي والقوات المسلحة هي المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، أما قوات الدعم السريع فهي جماعة مسلحة غير حكومية،
وهذا لا يعني إطلاقاً أن القوات الحكومية فوق القانون فالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني تلزم أطراف النزاع كافة،
لكن المساواة في الالتزام بالقانون الإنساني لا تعني المساواة في الصفة القانونية والسيادية وهذه نقطة يجب أن تكون أكثر وضوحا في أي تحليل دولي للحرب السودانية.

عاشراً: الخطأ في تجاهل البعد المقابل للانتهاكات

إذا كان التقرير يريد أن يقدم صورة كاملة للحرب فلا يكفي أن يسجل الانتهاكات التي تقع أثناء العمليات العسكرية للقوات المسلحة بل يجب أن يضع في الصورة أيضا طبيعة العمليات التي تقوم بها قوات الدعم السريع وحلفاؤها بما في ذلك الهجمات على المدنيين، والقتل، والتعذيب، والتهجير، والعنف الجنسي، والنهب، واستخدام المناطق المدنية في العمليات العسكرية، فالعدالة لا تتحقق بمجرد إدانة الانتهاكات التي يسهل الوصول إليها أو التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام السياسي، العدالة الحقيقية هي أن تكون وحدة القياس واحدة، والسؤال نفسه يجب أن يوجه إلى كل طرف:
– هل كان الهدف عسكرياً؟
– هل تم احترام المدنيين؟
– هل وقع قتل متعمد؟
– هل وقع هجوم عشوائي؟
– هل كان هناك تناسب؟
– هل اتخذت الاحتياطات؟
– هل صدرت الأوامر؟
– هل كان القائد يعلم؟
– هل حاول منع الجريمة؟
– هل عوقب مرتكبوها؟

الحادي عشر التقرير يحتاج إلى خريطة مسؤولية لا خريطة انتهاكات فقط

هذه هي النقطة التي أرى أنها الأكثر أهمية
التقرير الجيد لا ينبغي أن يكتفي بإعداد خريطة للانتهاكات وإنما عليه أن يقدم خريطة للمسؤولية خريطة تبدأ من الجريمة وتنتهي بمن يتحمل المسؤولية عنها ومن ثم يجب أن تكون لدينا سلسلة واضحة: (الجريمة، الفاعل المباشر، الأمر، سلسلة القيادة، العلم، السيطرة الفعلية، القدرة على المنع، التحقيق أو عدم التحقيق، العقاب أو الإفلات)، وفي حالة الدعم الخارجي (مصدر التمويل، مصدر السلاح الوسيط، الناقل، المستفيد، العملية العسكرية، الجريمة المحددة العلم الصلة السببية)
إذا لم تكتمل هذه السلسلة فإن التقرير يظل مهما كتقرير توثيق، لكنه لا ينبغي أن يقدم نفسه كأنه حسم المسؤولية القانونية النهائية.
الثاني عشر أين يقف القانون من القوات المسلحة؟

هنا يجب أن يكون الموقف واضحا بلا التباس، القوات المسلحة السودانية لها حق الدفاع عن الدولة وإقليمها ومؤسساتها.
لكن هذا الحق ليس شيكاً على بياض؛ فإذا كان الهدف عسكرياً مشروعا فإن استهدافه قد يكون مشروعاً، أما إذا استهدف الهجوم المدنيين عمداً، أو كان عشوائياً، أو كان الضرر المدني المتوقع مفرطً أو لم تتخذ الاحتياطات الممكنة فقد تنشأ مسؤولية قانونية، وبذلك نحافظ على مبدأين في الوقت نفسه
لا نجرّم الدفاع عن الدولة ولا نبرر الجريمة باسم الدفاع عن الدولة.،وهذه هي الصيغة القانونية التي يجب أن تحكم النقاش.

الخلاصة
المطلوب تحقيق أقوى لا تقريرا أكثر اتهاماً:
إن أهم نقد يمكن توجيهه إلى تقرير مجلس حقوق الإنسان ليس أنه تحدث عن انتهاكات في السودان، فهذا أمر لا يمكن إنكاره أو تجاهله، النقد الحقيقي هو:
– هل كان معيار الإثبات واحداً؟
– هل تم الفصل بين الواقعة والتكييف القانوني والمسؤولية؟ – هل تم التمييز بين الهدف العسكري والمدني؟
– هل جرى تحليل التناسب والاحتياط في كل واقعة؟
– هل تم تحديد سلسلة القيادة والسيطرة؟ هل فصلت مسؤولية الدولة عن المسؤولية الجنائية الفردية؟ هل تم التمييز بين تقديم الدعم والمسؤولية عن الجريمة؟
– وهل طبقت هذه المعايير نفسها على جميع أطراف النزاع والجهات الخارجية؟
هذه ليست أسئلة دفاع عن طرف، وإنما أسئلة دفاع عن القانون نفسه.

السودان لا يحتاج إلى حصانة لأي طرف لكنه لا يحتاج أيضاً إلى إدانة مسبقة لأي طرف
لا يحتاج إلى عدالة سياسية، بل إلى عدالة قانونية، ولا يحتاج إلى تقرير يقول إن الجميع مذنبون، ولا إلى رواية تقول إن الجميع أبرياء، إنما يحتاج إلى تحقيق يستطيع أن يقول، لكل واقعة من ارتكب ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وبأي وسيلة؟ وتحت أي قيادة؟ وبأي علم وقصد؟ ومن ساعده؟ وماذا كان يعرف الداعم؟ وما علاقته بالجريمة المحددة؟ وهنا ينبغي أن يكون المبدأ الحاكم لأي تحقيق دولي في السودان واضحاً: لا إفلات من العقاب لمن تثبت مسؤوليته، ولا إدانة لمن لم تثبت مسؤوليته، ولا حماية سياسية لمن تثبت مساهمته ولا تجريم لمجرد الخصومة السياسية، فحقوق الإنسان لا تحتاج إلى رواية سياسية تحميها، إنها تحتاج إلى قانون قوي، ودليل مستقل، ومنهج واحد ومعيار واحد يطبق على الجميع.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6311 | مسعد بولس يفجر قنبلة تزعج المعارضة ولكنها لا تقوى على انتقاده !!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *