Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (28) السودان بين مجريات الحرب اليومية واتساع تداعياتها الإقليمية وأزمة الحدود المصرية من تشاد إلى إثيوبيا واتهامات التدخل الخارجي وأزمة المعدّنين وتعليق حركة الشاحنات، وتصاعد الضغوط المعيشية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6322 | لا يختلف قتل المدنيين بالمسيرة عن قتلهم بطائرة حربية .. ترجمة المنشور 6322 للغة الانجليزية مرفقة

ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (27) السودان بين مجريات الحرب اليومية وأزمة التعدين الحدودي والتحولات العسكرية في القرن الأفريقي جبهات الدلنج والنيل الأزرق، وانسحاب قوات تيغراي، والتعدين العشوائي، وأمن الحدود، ومستقبل الصناعة السودانية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (28) السودان بين مجريات الحرب اليومية واتساع تداعياتها الإقليمية وأزمة الحدود المصرية من تشاد إلى إثيوبيا واتهامات التدخل الخارجي وأزمة المعدّنين وتعليق حركة الشاحنات، وتصاعد الضغوط المعيشية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

المحور الأول: مجريات الحرب اليومية واتساع مسرح الصراع
لم تعد الحرب السودانية محصورة في خطوط المواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل أصبحت تداعياتها تتجاوز الحدود، وتتداخل مع حسابات الأمن الإقليمي ومصالح الدول المجاورة، من تشاد غرباً إلى إثيوبيا شرقاً، مروراً بالحدود الجنوبية والطرق التجارية وممرات الإمداد.
فاستمرار العمليات العسكرية، وتبدل مناطق السيطرة، وتعطل طرق النقل، واتساع نشاط الجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي، كلها عوامل تجعل من الصعب فصل التطورات الميدانية عن البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان. وتزداد خطورة هذا الوضع عندما تتحول المناطق الحدودية إلى مساحات مفتوحة لحركة السلاح والوقود والذهب والمقاتلين، أو عندما تصبح طرق التجارة والإغاثة جزءاً من حسابات أطراف الصراع.
وتتجلى المشكلة الأساسية في أن استمرار الحرب يضعف قدرة الدولة على ضبط حدودها وإدارة مواردها وحماية المدنيين، بينما تتسع مساحة الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي ومسارات الإمداد. ومن ثم، فإن متابعة الحرب لا تقتصر على معرفة الطرف الذي تقدم أو تراجع في جبهة معينة، وإنما تشمل أيضاً قياس أثر ذلك على أمن السودان وعلاقاته بجيرانه ومصالح مواطنيه.

المحور الثاني: من تشاد إلى إثيوبيا… الحدود بوصفها امتداداً للصراع
تمثل الحدود الغربية مع تشاد والحدود الشرقية مع إثيوبيا مسارين مهمين في قراءة التداعيات الإقليمية للحرب السودانية، لكن طبيعة المخاطر تختلف من منطقة إلى أخرى.
في الغرب، تظل الحدود التشادية ذات أهمية إنسانية وعسكرية في آن واحد. فمعبر أدري يمثل ممراً أساسياً لإيصال المساعدات إلى مناطق متضررة من الحرب في دارفور، وقد مددت الحكومة السودانية السماح باستخدامه حتى نهاية عام 2026. وفي الوقت نفسه، تتهم السلطات السودانية قوات الدعم السريع باستخدام المسارات الحدودية في نقل السلاح والمقاتلين، وهي اتهامات تحتاج إلى التعامل معها وفق الأدلة والتحقيقات، لا باعتبارها حقائق محسومة بمجرد تداولها.
أما في الشرق، فقد ارتفعت حدة التوتر مع إثيوبيا في ظل اتهامات سودانية بوجود نشاط عسكري مرتبط بقوات الدعم السريع انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية، مقابل اتهامات إثيوبية سابقة للسودان ومصر بدعم جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية. وتكشف هذه الاتهامات المتبادلة عن بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب السودانية مع التوترات الإثيوبية الداخلية والعلاقات الإثيوبية الإريترية ومنافسة النفوذ في منطقة القرن الأفريقي.
وتكمن الخطورة في أن تتحول الحدود من خطوط للتواصل والتجارة إلى ساحات ضغط متبادل، وأن تجد الدول المجاورة نفسها أمام خيارات أمنية تزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من احتوائها. لذلك، فإن حماية الحدود السودانية تتطلب رقابة مؤسسية وتنسيقاً دبلوماسياً، إلى جانب التمييز بين حركة المدنيين والتجارة والإغاثة من جهة، وأنشطة التهريب والإمداد العسكري من جهة أخرى.

المحور الثالث: الدول المتهمة بدعم أطراف الحرب… ماذا تقول التقارير؟
أصبح الدعم الخارجي أحد أكثر الملفات حضوراً في النقاش الدولي حول الحرب السودانية. وتناولت تقارير صحفية وتحقيقات دولية مزاعم بشأن مسارات دعم قوات الدعم السريع عبر شبكات إقليمية، بما في ذلك مزاعم تتصل بالإمارات، وليبيا وإثيوبيا. كما تحدثت تقارير عن وجود مسارات تدريب وإمداد خارج السودان، في حين نفت أطراف متهمة مسؤوليتها عن تقديم دعم عسكري غير مشروع.
وقد تناولت تقارير صحفية، من بينها تحقيقات نشرتها وسائل إعلام دولية، مزاعم عن استخدام مسارات عبر ليبيا، وكذلك عن منشآت أو خطوط إمداد مرتبطة بإثيوبيا. وتظل أهمية هذه التقارير في أنها تطرح أسئلة جدية بشأن مصادر السلاح والتمويل وشبكات النقل، لكنها لا تعني أن كل تفصيل ورد فيها أصبح حكماً قضائياً نهائياً أو أن جميع الجهات المذكورة تتحمل المسؤولية ذاتها.
وفي المقابل، لا يجوز اختزال المشهد في اتهام طرف خارجي واحد وإغفال تعدد المصالح والتحالفات ومسارات السلاح والتمويل. فالحرب تتغذى على ضعف الرقابة الحدودية، وعلى اقتصاد الذهب والتهريب، وعلى استمرار تدفق الموارد إلى الأطراف المسلحة. وكلما طال أمدها، أصبحت الشبكات المرتبطة بها أكثر قدرة على الاستفادة من الفوضى.
أما الحديث عن أن «لعنة دماء أهل السودان تصيب الدول المتدخلة»، فيمكن فهمه كتعبير سياسي عن ارتداد آثار الحرب على الإقليم: اضطراب الحدود، وتزايد الأعباء الإنسانية، وتوتر العلاقات الثنائية، وارتفاع تكاليف النقل والتجارة، واتساع المخاطر الأمنية. لكن هذا الارتداد لا يثبت وحده مسؤولية دولة بعينها؛ فإسناد المسؤولية يحتاج إلى أدلة مستقلة وشفافة.
إن المطلوب من المجتمع الدولي ليس الاكتفاء بإصدار البيانات أو تبادل الاتهامات، وإنما دعم التحقيقات المستقلة، وتحديد مسارات نقل السلاح، ومساءلة الجهات التي تثبت مسؤوليتها، والعمل على وقف الإمدادات التي تطيل الحرب، مع ضمان ألا تتحول إجراءات الضغط إلى عقاب جماعي للمواطن السوداني.
المحور الرابع: أزمة المعدّنين على الحدود المصرية… بين حماية المواطنين واحترام الحدود
أثار استهداف موقع للتعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية في 10 أكتوبر 2026 موجة من الغضب والقلق، بعد تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. وقد تفاوتت حصيلة القتلى المنشورة بين الجهات المختلفة؛ إذ تحدثت شبكة أطباء السودان عن مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة 28، بينما أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» حصيلة أعلى بلغت 72 قتيلاً، وهو ما جعل تحديد العدد النهائي والظروف الدقيقة للحادث أمراً يستلزم تحقيقاً مستقلاً.
ووجهت جهات سودانية اتهامات إلى الطيران المصري بالمسؤولية عن الضربات، في حين لم تكن الجهة المنفذة قد حُسمت بصورة مستقلة عند نشر التقارير الأولى. وأعلنت القيادة السودانية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم جهات عدلية وأمنية، مؤكدة مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين وكشف ملابسات الحادث، كما أشارت إلى وجود تواصل بين قيادتي البلدين.
وتتجاوز القضية سؤال الجهة التي نفذت الضربة؛ فهي تطرح أسئلة جوهرية حول أمن الحدود، ومصير المعدّنين السودانيين، وطبيعة النشاط الاقتصادي في المناطق النائية، وحدود استخدام القوة في مواجهة التعدين غير المشروع. فمكافحة التهريب أو فرض السيادة على منطقة حدودية لا تلغي ضرورة حماية المدنيين، والتحقق من هوياتهم، وإتاحة ممرات آمنة للإجلاء والإسعاف، وتحديد المسؤولية القانونية عن أي استهداف غير مشروع.
كما أن استمرار التعدين الأهلي في مناطق شديدة الخطورة يعكس أزمة معيشية واقتصادية أوسع؛ إذ تدفع قلة فرص العمل وضعف الرقابة وانكماش النشاط الإنتاجي بعض المواطنين إلى العمل في مناطق بعيدة تفتقر إلى الخدمات والحماية. ومن ثم، لا يكفي التعامل مع الأزمة باعتبارها مسألة أمنية فقط، بل ينبغي تنظيم النشاط التعديني وتحديد مناطق العمل المسموح بها، وتوفير وسائل الحماية والإنقاذ، ومكافحة شبكات التهريب التي تستفيد من ضعف الدولة.

المحور الخامس: حكومة «تأسيس» وموقفها من الحادث… وحميدتي وتهديد الطيران المصري
أثارت أزمة المعدّنين تفاعلات سياسية متباينة، شملت مواقف لقوى مدنية وتحالفات سياسية، من بينها تحالف «تأسيس»، الذي وردت عنه إدانة للغارات المنسوبة إلى الطيران المصري في تقارير صحفية سودانية. كما صدرت مواقف تطالب بالتحقيق المستقل وحماية المدنيين وتوضيح ما حدث. وتبقى هذه المواقف جزءاً من التنافس السياسي القائم، لكنها لا تحل محل التحقيق الفني والقانوني في الحادث.
وفي موازاة ذلك، عاد إلى التداول مقطع مصور نُسب إلى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، يتضمن حديثاً عن اعتبار المطارات التي تنطلق منها طائرات أو مسيّرات تستهدف قواته أهدافاً مشروعة. غير أن التحقق الذي نشرته CNN بالعربية أظهر أن المقطع يعود إلى خطاب في أكتوبر 2025، وليس تصريحاً جديداً صدر رداً على حادث المعدّنين في أكتوبر 2026م.
وهذه النقطة أساسية في قراءة الموقف؛ فإعادة نشر خطاب قديم في توقيت أزمة جديدة قد تصنع انطباعاً مضللاً بوجود تهديد مباشر ومستجد لمصر، بينما يقتضي التحليل الفصل بين الموقف السابق والسياق الراهن. أما قصة حميدتي مع مصر، فهي مرتبطة باتهامات متكررة وجهها إلى القاهرة بشأن دعم القوات المسلحة السودانية، في حين نفت مصر اتهامات الدعم العسكري غير المشروع. وقد أصبحت العلاقة بين الطرفين جزءاً من الصراع الأوسع على المواقف الإقليمية ومسارات الحرب.
لكن التهديدات المعلنة، حتى عندما تكون موثقة في سياقها الأصلي، لا تعني بالضرورة أن هناك قراراً عملياتياً وشيكاً. كما أن تحميل مصر مسؤولية الضربات الأخيرة، أو تحميل قوات الدعم السريع مسؤولية أي حادث حدودي آخر، يحتاج إلى أدلة منفصلة لكل واقعة. فالتداخل بين الخطاب السياسي والعمليات العسكرية والتداول الرقمي للمقاطع القديمة يرفع احتمالات سوء الفهم والتصعيد.
والأولوية الآن هي منع انتقال التوتر إلى مواجهة مفتوحة بين السودان ومصر، وعدم السماح للخطاب التحريضي أو للانتقام الفردي بأن يحول أزمة الحدود إلى أزمة بين الشعبين. ويقتضي ذلك نشر نتائج التحقيق، وتحديد المسؤوليات، والتواصل الرسمي، وحماية المواطنين السودانيين والمصريين على حد سواء.

المحور السادس: تعليق الشاحنات وإغلاق المعابر… عندما تنتقل الأزمة إلى الأسواق
لم تتوقف تداعيات التوتر عند منطقة التعدين؛ فقد أفادت تقارير في 14 أكتوبر بتعليق نقابة سائقي الشاحنات المصرية حركة الدخول والخروج من السودان حتى إشعار آخر، عقب مقتل اثنين من سائقيها داخل السودان. وتزامن ذلك مع استمرار إغلاق معبري إشكيت وأرقين لليوم الثالث، في سياق احتجاجات مرتبطة بقيود على الاستيراد الشخصي واستيراد الخضروات والفواكه.
ويجب التمييز هنا بين تعليق حركة الشاحنات بقرار من نقابة السائقين، وبين القول إن الحكومة المصرية أوقفت مئات الشاحنات بقرار رسمي؛ فالمعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها تتحدث عن تعليق النقل وإغلاق المعابر، ولا تكفي وحدها لإثبات أن الحكومة المصرية أصدرت قراراً شاملاً باحتجاز مئات الشاحنات المحملة بالسلع. كما أن الحديث عن أعداد كبيرة من الشاحنات يحتاج إلى بيانات واضحة بشأن عددها، ومواقع توقفها، والجهة التي اتخذت القرار.
ومع ذلك، فإن الأثر الاقتصادي لتعطل الحركة واضح في المناطق التي تعتمد على التجارة العابرة للحدود. فإغلاق المعابر أو تعليق النقل يرفع تكاليف الشحن والتخزين، ويؤخر وصول السلع، ويضغط على الأسواق المحلية، ولا سيما في وادي حلفا والمناطق الشمالية التي ترتبط مصالحها المعيشية بحركة البضائع بين البلدين.
وتزداد حساسية الوضع لأن السودان يواجه أصلاً ارتفاعاً في أسعار الغذاء وتكاليف النقل وضعفاً في القوة الشرائية. وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة في 13 أكتوبر من استمرار أسعار الحبوب عند مستويات مرتفعة للغاية في السودان، وربطت ذلك بالصراع وانعدام الأمن والصعوبات الاقتصادية وضعف العملة وارتفاع تكاليف النقل.
كما حذرت منظومة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي من تفاقم مخاطر الجوع وسوء التغذية في أجزاء من دارفور وكردفان في ظل الحرب، والنزوح والجفاف ونقص التمويل الإنساني.
وبذلك، فإن أي اضطراب إضافي في المعابر الشمالية لا يُقرأ باعتباره خلافاً تجارياً محدوداً، بل باعتباره عاملاً يمكن أن يزيد الضغوط على الأسر والأسواق. وفي المقابل، فإن استمرار قتل السائقين أو تعريضهم للخطر يجعل شركات النقل والسائقين أكثر تردداً في العمل على هذا المسار، بما ينعكس سلباً على الجانبين.

المحور السابع: تداعيات الأزمة محلياً ودولياً… من أمن الحدود إلى العلاقات الثنائية
تتداخل في الأزمة الحالية ثلاثة مستويات من التداعيات. المستوى الأول محلي، ويتعلق بحماية المعدّنين والسائقين والمواطنين في المناطق الحدودية، وبمنع انتشار السلاح والأنشطة غير المنظمة، وضمان استمرار وصول الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
أما المستوى الثاني فهو ثنائي، ويتعلق بالعلاقات السودانية المصرية. فالتوتر الشعبي الناتج عن مقتل المعدّنين، ثم مقتل السائقين المصريين في الخرطوم، يضع العلاقة بين البلدين أمام اختبار دقيق. وقد يصبح الرأي العام أكثر عرضة للتأثر بالمعلومات غير المكتملة أو المقاطع القديمة أو الاتهامات المتبادلة، خصوصاً عندما تتأخر البيانات الرسمية أو لا تُنشر نتائج التحقيقات في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعاون الأمني الحدودي الذي يجري بحثه بين البلدين، وفق تقارير صحفية تناولت مناقشة إطار للتنسيق بشأن المخاطر الأمنية والجريمة المنظمة. غير أن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على قواعد واضحة، واحترام القانون، وحماية المدنيين، وإعلان النتائج للرأي العام.
أما المستوى الثالث فهو دولي وإقليمي؛ إذ إن اتساع الحرب وتعدد الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي يجعلان أي حادث حدودي قابلاً لأن يدخل في حسابات أوسع. وقد تتداخل الأزمة مع التنافس على الموارد ومسارات الذهب، ومع التوترات في القرن الأفريقي، ومع محاولات الأطراف المسلحة إظهار أن خصومها يستندون إلى دعم خارجي.
لكن تحويل هذه الوقائع إلى استنتاجات نهائية بشأن وجود خطة إقليمية واحدة أو مسؤولية جماعية لدول بعينها يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة. والأدق هو دراسة كل مسار على حدة، وتحديد ما ثبت من الوقائع، وما ورد في تقارير أو اتهامات، وما لا يزال ينتظر التحقيق.
إن حماية السودان لا تتحقق بتصعيد الخلاف مع جميع الجيران، كما لا تتحقق بتجاهل الاعتداءات أو ترك المواطنين عرضة للخطر. وإنما تقوم على الجمع بين صيانة السيادة، والمطالبة بكشف الحقائق، وضبط الحدود، وإدارة العلاقات الخارجية بما يحفظ الحقوق ويمنع انتقال الحرب إلى محيطها الإقليمي.

المحور الثامن: بين حماية السيادة واستعادة الدولة وتخفيف معاناة المواطنين
تجمع التطورات الأخيرة بين جبهات القتال، والاتهامات بشأن التدخل الخارجي، وأزمة التعدين الحدودي، وتعليق حركة الشاحنات، وارتفاع أسعار الغذاء. وهي ملفات تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها ترتبط بمشكلة مركزية واحدة: تراجع قدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون وحماية المواطنين وضمان انسياب السلع والموارد.
فاستعادة سلطة الدولة لا تعني فقط تحقيق مكاسب عسكرية، بل تشمل كذلك بناء إدارة حدودية فعالة، وتنظيم التعدين الأهلي، ومكافحة تهريب الذهب والسلاح، وتأمين الطرق والمعابر، وحماية العاملين في النقل والتجارة، وتعزيز قدرة الأجهزة العدلية على التحقيق والمساءلة.
كما أن الأمن الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني. فحين تتوقف الشاحنات وترتفع كلفة النقل وتتراجع إمدادات الغذاء، يدفع المواطن الثمن مباشرة، وتزداد الضغوط على المجتمعات المحلية، وتصبح البيئة أكثر قابلية للاحتقان. ولذلك فإن تسهيل حركة السلع الضرورية، ومعالجة شكاوى المجتمعات الحدودية، وتوفير بدائل قانونية وآمنة للعمل في التعدين، ليست إجراءات ثانوية، بل عناصر أساسية في استعادة الاستقرار.
وعلى المستوى الدبلوماسي، يحتاج السودان إلى إدارة أزماته مع دول الجوار عبر قنوات رسمية تجمع بين الحزم والواقعية: رفض أي انتهاك للسيادة، والمطالبة بتحقيقات مستقلة، والتعاون في ضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي المجاورة في إطالة الحرب، مع الحفاظ على المصالح التجارية والإنسانية المشتركة.

التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي
تكشف تطورات منتصف أكتوبر 2026 أن الحرب السودانية أصبحت أزمة متعددة الأبعاد؛ فالمواجهات الداخلية تتفاعل مع التوترات في تشاد وإثيوبيا، والاتهامات المتعلقة بمسارات الدعم الخارجي، واضطراب أمن الحدود المصرية، وتعطل حركة التجارة وارتفاع أسعار الغذاء. وتوضح هذه الصورة أن استمرار الحرب لا يقتصر أثره على موازين القوى العسكرية، بل يمتد إلى قدرة الدولة على حماية المواطنين وإدارة الموارد والعلاقات الإقليمية.
وفي ملف الحدود المصرية، يشكل مقتل المعدّنين المدنيين واقعة خطيرة تستوجب كشفاً كاملاً للحقائق وتحديد المسؤولية استناداً إلى تحقيق مستقل، مع تجنب التعامل مع الاتهامات باعتبارها أحكاماً نهائية قبل اكتمال الأدلة. كما أن إعادة تداول خطاب قديم لحميدتي بوصفه تهديداً جديداً لمصر تؤكد ضرورة التحقق من المعلومات قبل بناء المواقف عليها، خصوصاً في لحظات التوتر.
أما تعليق حركة الشاحنات وإغلاق المعابر، فينذران بتفاقم الضغوط الاقتصادية على المناطق الشمالية والأسواق السودانية، في وقت يعاني فيه المواطنون من ارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف النقل وضعف الدخل. وهذا يجعل حماية طرق التجارة وتيسير تدفق السلع الأساسية جزءاً من الاستجابة الأمنية والاقتصادية للأزمة.
وعليه، فإن الأولويات الاستراتيجية تتمثل في استكمال التحقيق في حادث المعدّنين وإعلان نتائجه، وحماية السودانيين والمصريين من العنف والانتقام، وتأمين الحدود من دون الإضرار بالمدنيين، وتسهيل حركة التجارة والسلع الضرورية، وتعزيز التعاون الإقليمي القائم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وتبقى القضية الأهم أن استعادة الدولة السودانية لا تنفصل عن إنهاء الحرب، وضبط السلاح، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وبناء مؤسسات قادرة على حماية المواطنين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. فكلما طال أمد الحرب، اتسعت تداعياتها الجغرافية والاقتصادية، وأصبح احتواء آثارها أكثر صعوبة على السودان وجيرانه.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6322 | لا يختلف قتل المدنيين بالمسيرة عن قتلهم بطائرة حربية .. ترجمة المنشور 6322 للغة الانجليزية مرفقة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *