ليست كل الرغبات التي تُستنفد تنتهي عند حدود الاستمارات، فبعضها يترك أثره في النفوس، وبعضها يعيد تشكيل علاقة الإنسان بمستقبله، وبعضها قد يتحول، حين يتعلق الأمر بالتعليم، إلى خسارة تتجاوز الفرد وأسرته لتطال مستقبل وطن بأكمله.
مع إعلان نتيجة القبول للجامعات والمعاهد العليا في السودان، تصدّر استنفاد الرغبات مشهد الاستياء بين أعداد من الطلاب وأولياء أمورهم. غير أن القضية، في تقديرنا، لا ينبغي أن تقف عند حدود نتيجة القبول، ولا أن تُختزل في جدل حول عدالة توزيع المقاعد؛ فثمة سؤال أعمق يستحق أن نضعه أمامنا: ماذا يحدث حين تنتهي خيارات الطالب في استمارة القبول، بينما لا تزال أحلامه معلقة وقدرة أسرته على البحث عن البدائل محدودة؟
في بلد أنهكت الحرب اقتصاده وأثقلت كاهل أسرته، لم يعد الانتقال إلى التعليم العالي مجرد مرحلة أكاديمية، بل أصبح اختبارًا لقدرة الأسرة على حماية استثمارها في أبنائها. وهنا تتجاوز المسألة ترتيب الرغبات إلى تفاوت القدرة على تحويل الرغبة في التعليم إلى فرصة حقيقية.
فحين تضيق الخيارات أمام الطالب، تتسع الفجوة بين ما يطمح إليه وما يستطيع الوصول إليه.
وليس من الإنصاف أن نفترض، دون أدلة، أن استنفاد الرغبات يستهدف توجيه الطلاب نحو التعليم الخاص أو الأهلي، لكن من المشروع أن نسأل عن الأثر العملي لنتائج القبول: هل يجد الطالب الذي لم يحصل على فرصة مناسبة بديلًا يتلاءم مع قدراته الأكاديمية وإمكانات أسرته؟ أم يصبح الانتقال إلى بعض المسارات التعليمية مرهونًا بقدرة مالية قد لا تتوافر للجميع؟
ذلك أن التعليم حين تتداخل فيه الكفاءة الأكاديمية مع القدرة الاقتصادية، يصبح تكافؤ الفرص سؤالًا يتجاوز اللوائح والإجراءات إلى طبيعة الفرص المتاحة فعلًا. فالفرصة التي توجد على الورق، لكنها تتجاوز إمكانات الأسرة، لا تعني بالضرورة أن الطالب يستطيع الوصول إليها.
*ومن هنا تبدأ القضية في اكتساب أبعادها الاستراتيجية..*
فالتعليم ليس خدمة تنتهي عند تسليم الطالب مقعدًا دراسيًا، بل هو إحدى الأدوات التي تبني بها الدولة رأس مالها البشري، وتجدد بها مؤسساتها وتؤهل بها الأجيال لإدارة الاقتصاد، والمعرفة والمنافسة الدولية. وكل اختلال في الطريق الذي يصل الشباب بالتعليم قد تكون له آثار تتجاوز العام الدراسي الذي وقعت فيه المشكلة.
ولعل أخطر ما في هذه القضية أنها قد تنتج خسائر لا تظهر مباشرة في إحصاءات القبول. فهناك طالب قد يؤجل دراسته، وآخر قد يضطر إلى اختيار تخصص لا يرغب فيه، وثالث قد يعجز عن مواصلة التعليم أصلًا ورابع قد يبحث عن فرصته خارج السودان.
لا يجوز أن نضع هذه الاحتمالات جميعها في خانة واحدة، ولا أن نفترض أنها تحققت بالفعل من دون بيانات. لكن غياب المعلومات عن مصير الطلاب الذين استنفدوا رغباتهم لا يجعل المشكلة أقل أهمية، بل يجعل الحاجة إلى الرصد أكثر إلحاحًا، فما لا يظهر في أرقام القبول قد يظهر لاحقًا في أرقام التسرب، والهجرة وتعطل الطاقات الشابة.
وهنا نصل إلى القوة الناعمة للدولة، بمعناها الذي يتجاوز صورتها أمام الآخرين إلى قدرتها على الاحتفاظ بثقة أبنائها. فالدولة لا تجذب مواطنيها بالشعارات وحدها، وإنما بما تتيحه لهم من فرص، وما تمنحهم إياه من شعور بأن الاجتهاد يمكن أن يفتح طريقًا إلى المستقبل.
وحين يتكرر شعور الشباب بأن أبواب الفرص تضيق أمامهم، بينما تتسع الفجوة بين طموحاتهم وإمكاناتهم، فإن العلاقة بين المواطن ومؤسساته تصبح أمام اختبار صامت. ليس بالضرورة أن يتحول الاستياء إلى قطيعة، لكن تراكم الإحباطات قد يضعف الثقة في جدوى المسار التعليمي، وفي قدرة الوطن على استيعاب طاقات أبنائه.
وفي السودان تحديدًا، حيث تتعاظم الحاجة إلى الكفاءات من أجل إعادة بناء ما دمرته الحرب، لا يمكن التعامل مع مستقبل الشباب بوصفه شأنًا تعليميًا منفصلًا عن معركة التعافي الوطني، فإعادة بناء الجامعات، والمستشفيات، والمؤسسات والاقتصاد تحتاج إلى بشر يمتلكون المعرفة والمهارة، ويجدون الفرصة لاكتسابهما وتوظيفهما داخل بلادهم.
إن الخطر ليس في أن يستنفد طالب رغباته في دورة قبول واحدة، بل في أن يتحول تعثره إلى انقطاع، وأن يتحول الانقطاع إلى ابتعاد عن مسار المعرفة وأن تتراكم الحالات الفردية حتى تصبح خسارة جماعية في رأس المال البشري.
ولذلك، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإعلان أعداد المقبولين، بل معرفة مصير من لم يجدوا مقاعد مناسبة، وتحليل أسباب استنفاد رغباتهم، وتحديد البدائل المتاحة أمامهم وقياس مدى قدرتهم على الالتحاق بها. كما تبرز الحاجة إلى مراجعة المسارات التي تربط التعليم الثانوي بالتعليم العالي وتوسيع الخيارات الأكاديمية والتقنية والمهنية بما يضمن ألا يكون تعثر الطالب في مسار واحد نهاية الطريق أمامه.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار ليس فقط كم طالبًا استنفد رغباته؟ بل أيضًا كم طالبًا استطاع مواصلة تعليمه، وكم طالبًا تعثرت رحلته وما الذي يمكن فعله حتى لا تتحول هذه الفجوة إلى فاقد تعليمي وبشري يصعب تعويضه؟
#أصل_القضية..
في رؤية الجسر والمورد، لا نقيس قيمة الفرصة بما تتيحه من مقاعد فحسب، بل بما تبنيه من قدرة، وما تحفظه من طاقة، وما تفتحه من مسارات نحو المستقبل. فالجسر الحقيقي هو الذي يصل طموح الإنسان بإمكاناته، والمورد الأثمن هو الإنسان الذي يستطيع وطنه أن يمنحه فرصة للنمو والعطاء.
قد تستنفد استمارة القبول رغبات طالب، لكن مسؤولية الدولة والمجتمع ألا تُستنفد معها فرصته في التعلم، ولا ثقته في المستقبل ولا مكانه في وطن يحتاج إلى كل طاقاته.
فالسودان الذي يبحث عن طريق لإعادة بناء دولته، لا ينبغي أن يسمح بأن تتحول رغبات شبابه المستنفدة إلى طاقات وطنية مهدرة.
وهنا بالضبط أصل القضية.

