قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: يا بيدبا، لقد بلغني أن أهل السودان قد ضاقت بهم سبل العيش، واشتدت عليهم مؤونة الحياة، حتى أصبح الرجل يخرج في طلب قوت عياله، فيعود وقد أنفق نهاره ولم يبلغ مراده. وأن الناس يشكون غلاء الأسعار، وندرة الأقوات، واضطراب الأسواق، وضعف قيمة النقود.وقد عجبت لأمرهم؛ فبلادهم واسعة، وأرضهم خصبة، وأنهارهم جارية، ومعادنهم وافرة، فكيف يجتمع غنى الأرض وفقر أهلها؟ وكيف يملك المرء أسباب الرزق ثم يعجز عن تحصيل خبزه ودوائه؟
قال بيدبا الفيلسوف:
أيها الملك السعيد، إن فقر الأمم لا يكون دائما من قلة ما تملك، وإنما قد يكون من سوء ما تدبر. ورب أرض أنبتت الذهب، وأهلها لا يجدون ثمن الخبز، ورب مملكة كثرت خيراتها وقلت بركاتها، لأن الذين ولوا أمرها اشتغلوا بقسمة الغنائم قبل رعاية الناس.
واعلم أن الرعية إذا جاعت لم يغنها حديث السلطان عن وفرة الموارد، وإذا عطشت لم يروها وصف الأنهار، وإنما تريد من الخير ما تصل إليه أيديها، ومن العدل ما تراه في حياتها.
قال الملك:صدقت يا بيدبا، غير أن السودان قد أنهكته الحرب، وخربت أسواقه، وتعطلت موارده، فهل يحمل الحكام وزر ما صنعت الحرب؟
قال بيدبا:أيها الملك، إن الحرب عذر فيما دمرت، ولكنها ليست عذراً فيما أُهمل بعدها. ولئن كان الخراب من فعل الحرب، فإن ترك الناس في الخراب دون تدبير مسؤولية من تولى أمرهم. واعلم أن المصائب إذا نزلت بالرعية كانت امتحاناً لصبرها، وإذا نزلت بالملوك كانت امتحاناً لحكمتهم. وليس الملك الحكيم من يكثر الاعتذار بشدة الزمان، وإنما من يقلل على الناس وطأته.
قال الملك:فما بالك ترى الناس يشكون الغلاء، وكلما زادت أجورهم سبقتها الأسعار، وكلما جمعوا مالاً نقصت قيمته، حتى صار صاحب الراتب كمن يحمل الماء في غربال؟
قال بيدبا:ذلك لأن النقود إذا فقدت ثباتها صار الكسب تعبا بلا ثمرة، والادخار أملاً بلا ضمان.وقد قيل إن رجلاً كان يسقي بستانه كل صباح، ولكن الماء يتسرب من ساقية مكسورة، فكلما أكثر السقي ازداد تعبه، ولم ترتوِ نخلة واحدة.فقال له حكيم: (أصلح الساقية قبل أن تكثر الماء، فإن الزيادة مع التسرب لا تورث إلا التعب). وكذلك زيادة الأجور دون معالجة التضخم واضطراب العملة؛ سرعان ما تبتلعها الأسعار، ويعود المواطن إلى ضيقه الأول.
قال الملك:ولكن الناس يشكون كذلك قلة الوقود وارتفاع ثمنه، وصعوبة المواصلات، وغلاء الدواء والغذاء، حتى أصبح بعضهم يقدم شراء الخبز على الدواء ويؤخر علاج مريضه ليطعم أطفاله.
قال بيدبا:يا مولاي، تلك أشد المصائب؛ لأن الفقر إذا بلغ بالإنسان حد المفاضلة بين قوت ولده ودواء نفسه، فقد جاوز العسر حد الاحتمال.
ومن أراد معرفة حال الرعية، فليدخل الأسواق، وليسمع من الأمهات اللواتي يعجزن عن شراء اللبن لأطفالهن، ومن المرضى الذين يقفون بين الدواء والجوع حائرين، ومن العمال الذين تلتهم المواصلات أكثر أجورهم.
قال الملك:لقد أوجعتني بقولك يا بيدبا. فما الذي ينبغي أن يصنعه السلطان إذا قلت موارده وكثرت مطالب الناس؟
قال بيدبا:أيها الملك، إن التدبير عند قلة الموارد أوجب منه عند كثرتها، وإن الحكيم من يبدأ بالضرورة قبل الزينة.
فليجعل السلطان قوت الناس ودواءهم وأمنهم في مقدمة أمره، وليصلح الأسواق، وليحارب الاحتكار، وليخفف أعباء المعيشة، وليفتح أبواب الإنتاج.ولا يحمل الفقير من الجباية ما لا يطيق، ولا يطلب من الجائع الصبر وهو يرى الإسراف في دواوين الحكم؛ فإن التقشف إذا بدأ بالرعية وحدها كان ظلماً، وإذا بدأ بأهل السلطان كان قدوة.
قال الملك:فما أعظم ما ينبغي أن يخشاه الحاكم في زمن العسر؟
قال بيدبا:أعظم ما أخشاه أن يعتاد الناس الشقاء حتى يصبح أمراً مألوفاً، وأن تعتاد الدولة شكواهم حتى لا تعود تسمعها.فإذا أصبح الخبز حلما، والدواء ترفا، والتعليم عبئا، والعمل بلا كفاية، ثم قيل للناس إن الأمور بخير، فقد اجتمع عليهم عسر المعاش وعسر الحقيقة.وما هلكت دولة لأنها اعترفت بمشكلاتها، وإنما ضعفت دول حين أنكرت ما يراه الناس بأعينهم.
قال دبشليم الملك:لقد فهمت قولك يا بيدبا، وعلمت أن خير الحكم ليس في كثرة ما يملك السلطان، بل في مقدار ما يصل إلى الرعية من خيره.
فقال بيدبا: واعلم أن السودان، على ما أصابه من حرب وخراب، لا يزال يملك أسباب النهوض، ولكن الأرض لا تنتج بمجرد مدح خصوبتها، والمعادن لا تطعم الجائع بمجرد الحديث عن قيمتها، والأوطان لا تتعافى بالأماني وحدها.وإنما يكون التعافي بحسن التدبير، وعدالة التوزيع، وإصلاح الاقتصاد، وإحياء الإنتاج وصيانة كرامة الإنسان.ثم سكت هنيهة، وقال:يا مولاي، إن أردت أن تعرف حقيقة ملكك، فلا تسأل كم في خزائن الدولة من مال، ولكن سل كم في بيوت الرعية من طعام، وكم من مريض وجد دواءه، وكم من عامل كفاه أجره وكم من طفل نام آمناً شبعان.
فإن الملك الذي تشبع فيه الخزائن وتجوع فيه الرعية، ملك كثير المال قليل البركة.
وإن الدولة التي تسمع أنين شعبها وتجعل منه سبباً للإصلاح، أقرب إلى البقاء من دولة لا تسمع إلا أصوات المادحين.
قال دبشليم الملك:صدقت يا بيدبا، فقد كنت أظن أن أعظم ما يهدد الممالك عدو يأتيها من خارج حدودها، فإذا بك تعلمني أن الجوع إذا دخل بيوت الرعية وخرج العدل من دواوين الحكم، كان ذلك من أشد ما يهدد استقرارها.
فقال بيدبا:يا مولاي، إن الممالك لا يحفظها ما في خزائنها من ذهب، وإنما يحفظها ما في قلوب رعيتها من رضا، وما في بيوتهم من كفاية وما في حكم ولاتها من عدل.


