Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (33) السودان بين ضغوط المعيشة وتحديات الأمن واستعادة الدولة لقدراتها الاقتصادية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

وجه الحقيقة | الغلاء.. أزمة سوق أم أزمة دولة؟ .. د. إبراهيم شقلاوي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6330 | ماذا قال نتنياهو عن الدعم السريع؟

المفوضيات الوطنية ضرورة التأسيس الآن لا انتظار نهاية الحرب.. من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة السودانية على أسس دستورية ومؤسسية راسخة .. مستتشار هشام محمود سليمان

معلوم للجميع أن أخطر نتائج الحروب لا ما تخلفه من دمار في المدن والمنشآت، ولا ما تزهقه من أرواح فحسب، وإنما ما تحدثه من اختلال في بنية الدولة، وتراجع في ثقة المواطن بمؤسسات، واتساع في المظالم والانقسامات التي قد تظل كامنة حتى بعد توقف القتال. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يقتصر على تجاوز الحرب، بل يمتد إلى تأسيس دولة قادرة على منع تكرارها، واستعادة سيادة القانون وبناء نظام سياسي يستمد شرعيته من المؤسسات وإرادة الشعب.
من هنا تبرز ضرورة تأسيس مفوضيات وطنية مستقلة للسلام، ونزع السلاح، والتسريح وإعادة الدمج، والدستور، والانتخابات، و الحسبة و المظالم، ومكافحة الفساد والعدالة الانتقالية. فهذه المفوضيات تمثل أدوات أساسية لمعالجة اختلالات الدولة ووضع القواعد التي تنظم الانتقال من واقع الحرب إلى سلام مستدام.
وتزداد أهمية هذه الخطوة في التوقيت الراهن لأن انتظار انتهاء الحرب بالكامل قبل البدء في تأسيس المؤسسات يعني إهدار الوقت اللازم للإعداد وترك مستقبل البلاد.
و هنا بالتفاهمات السياسية المؤقتة وموازين القوة، فالمؤسسات لا تبنى بين ليلة وضحاها والسلام لا يبدأ يوم توقيع الاتفاقيات، وإنما يبدأ حين تتوافر الآليات القادرة على معالجة أسباب النزاع، وتنفيذ الالتزامات، وضمان الحقوق ومنع العودة إلى العنف.
إن مفوضية السلام ينبغي أن تتولى وضع رؤية وطنية لمعالجة جذور الصراعات، ومتابعة تنفيذ اتفاقات السلام وتوسيع المشاركة المجتمعية في المصالحة الوطنية وبالمقابل تضطلع مفوضية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج بمهمة معالجة انتشار والتشكيلات المسلحة خارج الأطر القانونية وتأهيل المقاتلين السابقين وإدماجهم في الحياة المدنية ضمن استراتيجية شاملة لإصلاح القطاع الأمني تفضي إلى جيش وطني مهني واحد وأجهزة نظامية تعمل وفق القانون أما مفوضية الدستور فتمثل المدخل إلى صياغة عقد وطني جديد يحدد طبيعة الدولة وينظم العلاقة بين السلطات ويصون الحقوق والحريات ويعالج أوجه القصور التي صاحبت التجارب الدستورية السابقة ولا يجوز أن يكون الدستور امتيازا تحتكره النخب السياسية بل ينبغي أن يكون ثمرة حوار وطني واسع يعكس تنوع السودان ويؤسس للمواطنة المتساوية وتأتي مفوضية الانتخابات لتكمل هذا المسار من خلال الإعداد المبكر لانتخابات حرة ونزيهة وضمان استقلال إدارتها وتكافؤ الفرص بين المتنافسين فتأسيسها الآن لا يعني التعجيل باقتراع تفتقر البلاد إلى شروطه، وإنما يعني الاستعداد المؤسسي والقانوني لانتخابات تعبر عن الإرادة الشعبية ولا تتحول إلى سبب جديد للنزاع وفي جانب الرقابة والمساءلة تبرز أهمية مفوضية الحسبة والمظالم باعتبارها آلية مستقلة لتلقي شكاوى المواطنين بشأن التجاوزات الإدارية ومتابعة إنصاف المتضررين وتعزيز الشفافية في أداء مؤسسات الدولة كما تكتسب مفوضية مكافحة الفساد أهمية استثنائية في مرحلة إعادة الإعمار حين تتزايد الحاجة إلى حماية المال العام وضمان توجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية، ويجب أن تقوم هذه المفوضية على الاستقلال والكفاءة، وأن تعمل بالتنسيق مع النيابة والقضاء وأجهزة المراجعة بعيداً عن تصفية الحسابات السياسية أو الانتقائية في تطبيق القانون
ولا يقل عن ذلك أهمية تأسيس مفوضية للعدالة الانتقالية تتولى تنسيق الجهود الوطنية لكشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات وجبر الضرر ورد الحقوق ودعم مساءلة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات فالسلام الذي يتجاهل معاناة الضحايا لا يعالج جذور الصراع والمصالحة التي تفرض على الناس دون إنصاف تظل هشة مهما بدت صورتها الخارجية مستقرة.
غير أن قيام هذه المفوضيات لا ينبغي أن يكون مجرد إصدار قرارات وتعيين مسؤولين، وافتتاح مقار فلا قيمة لمؤسسة لا تملك استقلالها، ولا صلاحيات محددة، ولا موارد كافية ولا آليات للمساءلة، ولذلك يتطلب تأسيسها إطاراً دستورياً وتشريعياً واضحاً ومعايير مهنية لاختيار قياداتها وضمانات تمنع إخضاعها للمحاصصة والولاءات السياسية، مع تحديد اختصاصاتها وعلاقاتها بالقضاء، والسلطات التنفيذية وأجهزة الرقابة، ونشر تقارير دورية عن أدائها. كما أن الحكمة تقتضي ترتيب الأولويات، وتجنب تضخم الجهاز الإداري وتكرار الاختصاصات بحيث تتكامل المفوضيات ضمن مشروع وطني واحد ولا تتحول إلى مراكز نفوذ جديدة تستنزف الموارد المحدودة.

إن السودان يقف أمام لحظة لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الحاضر دون التخطيط للمستقبل، فالتأسيس المؤسسي ينبغي أن يبدأ الآن بالتشريعات، والدراسات والمشاورات الوطنية، ثم يستكمل وفق أساس دستوري واضح وبما يراعي الظروف الأمنية والإنسانية وقدرات الدولة.

إن معركة السودان ليست معركة استعادة الأرض وحدها، بل معركة استعادة الدولة لوظيفتها والقانون لهيبته والمواطن لثقته في مؤسساته، ولن يكون النصر مكتملاً إذا انتهت الحرب وبقيت أسبابها، أو تغيرت موازين القوة وظلت بنية الحكم عاجزة عن حماية الحقوق وتحقيق العدالة، فالدولة القوية ليست التي تجمع السلطات في يد واحدة، بل التي تبني مؤسسات مستقلة وتخضع الجميع للقانون وتجعل الوطن أكبر من الأشخاص والأحزاب والسودان اليوم لا يحتاج إلى العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب، وإنما إلى تأسيس دولة تتعلم من مأساتها وتحول تضحيات شعبها إلى عقد وطني جديد تكون فيه المؤسسات أقوى من الأفراد، والعدالة أساساً للسلام والمواطنة أساساً للانتماء.

المقالة السابقة

قيل قديماً: لولا الإسلام، لمكرتُ مكراً لا تطيقه العرب!.. د. عادل الرفاعي الوالحسن

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6330 | ماذا قال نتنياهو عن الدعم السريع؟

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *