قال الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي (رضي الله عنه): “لولا الإسلام، لمكرتُ مكراً لا تطيقه العرب!”، و ذكرت بعض الروايات أنه قالها بعد نزول الآية الكريمة ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
تكشف هذه المقولة عن حقيقة عميقة، فالقيم لا تلغي الذكاء و القدرة على التخطيط، بل تضبطهما و تمنعهما من التحول إلى أدوات للظلم. فالمشكلة ليست في امتلاك القوة، بل في كيفية استخدامها و الغايات التي تُسخَّر لتحقيقها.
فالقدرة لا تمنح صاحبها الحق، و المصلحة لا تجعل الظلم عدلاً و النجاح في بلوغ الغاية لا يبرر كل وسيلة.
حين تنقلب المكائد على أصحابها
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
تضع هذه الآية قاعدةً بالغة الدلالة؛ فقد يحقق الظالم مكسباً عاجلاً، و يظن أنه أحكم السيطرة على خصمه، بينما يكون قد بدأ بصناعة أسباب خسارته المقبلة. فالعواقب قد تتراكم في صمت، ثم تظهر بعد حين بصورة تتجاوز ما ألحقه الظالم بالآخرين.
و لا يعني تأخر العواقب غياب أسبابها؛ فمن يزرع الحنظل لا ينتظر أن يحصد التفاح، و من يحفر حفرةً لغيره قد يقع فيها.
و تتجلى هذه الحقيقة في سياسات الدول؛ فقد ترى بعض القوى أن إضعاف دولة أخرى، أو تأجيج صراعاتها أو تغذية انقساماتها طريق لتوسيع النفوذ و تحقيق المصالح. غير أن الحسابات الاستراتيجية لا ينبغي أن تقف عند المكسب العاجل؛ فالصراعات قد تتجاوز حدودها، و الفوضى قد تفلت من صانعيها و أدوات الضغط قد تنقلب على من استخدمها.
فليس كل إضعاف للآخرين قوة، و ليس كل انقسام انتصاراً و ليس كل مكسب آني نجاحاً استراتيجياً.
من يصنع الفوضى لا يملك نتائجها
من أخطاء الحسابات السياسية الاعتقاد بإمكانية توظيف الصراعات لتحقيق أهداف محددة، ثم إيقافها متى انتهت الحاجة إليها. فالأزمات التي تغذيها المصالح قد تفرز قوى و عداوات و مسارات يصعب التحكم فيها.
و يمتد الأمر إلى توظيف الحركات و القوى في صراعات الآخرين؛ فقد تدعم دولةٌ طرفاً، ظناً منها أنها تستطيع توجيه مساره أو استخدامه لإزاحة خصم و تحقيق مصلحة مؤقتة. لكن القوى التي تُمنح أسباب الصعود قد تتحول، مع تغير الظروف و تضارب المصالح، إلى مصدر تهديد لمن أسهموا في صعودها.
فمن يظن أنه يستطيع صناعة قوة و تحديد وجهتها إلى الأبد، قد يكتشف أن أداة الأمس أصبحت تهديداً لأمنه و استقراره اليوم.
و قد تتجاوز العواقب خسارة النفوذ و تراجع المصالح، لتطال الأمن، و الاقتصاد، و استقرار الشعوب و مستقبل الأجيال التي تتحمل أثمان قرارات لم تشارك في صنعها.
حين يصبح التفكك تهديداً للجميع
الأخطر أن الظلم حين يطول، و تتعدد صوره، و تتراكم آثاره، و يترافق مع إضعاف الدول، و تفكيك مؤسساتها و فرض الهيمنة عليها، قد يفضي إلى اختلالات تتجاوز الأطراف التي بدأت منها.
فقد تظن بعض الدول أنها أحكمت قبضتها على موازين القوة، و أن نفوذها يتيح لها إخضاع الآخرين و التنمر عليهم إلى أجل غير مسمى. لكن تراكم المظالم و اتساع دوائر الصراع قد يقودان، مع مرور الزمن، إلى تحولات جذرية في موازين القوة و قواعد العلاقات الدولية، وربما إلى إعادة تشكيل المنظومة الدولية برمتها.
فحين يتراكم الظلم إلى حدٍّ تتعذر معه معالجة آثاره بالوسائل المعتادة، قد لا يقتصر التغيير على تبدل الحكومات أو انحسار النفوذ، بل يمتد إلى القواعد و المؤسسات و التوازنات التي قام عليها النظام الدولي نفسه.
و ما كان يُعد قبل سنوات احتمالاً بعيداً أصبح موضوعاً للنقاش بشأن مستقبل دول كبيرة في المنطقة و خارجها، دول لم يكن كثيرون يتصورون أن تُطرح بشأنها أسئلة عن تماسكها أو استمرار كيانها السياسي. و لا يعني ذلك أن التفكك أصبح مصيراً محتوماً، لكنه يذكّر بأن أحداً لا يملك حصانة دائمة من التحولات.
فمن يسهم في تفكيك دولة اليوم، لا يملك ضماناً بأن تبقى دولته بمنأى عن التصدع غداً، و من يجعل إضعاف الآخرين نهجاً، قد يجد نفسه أمام نتائج تهدد مقومات قوته، و استقراره وربما تماسك كيانه نفسه.
و ليست العبرة أن هذا المصير حتمي، بل أن تراكم المظالم و الأزمات قد يغيّر قواعد اللعبة ذاتها، لا مواقع اللاعبين فحسب، فما يُحسب مكسباً اليوم قد يتحول غداً إلى عبء يفوق التوقعات.
العدل أساس الاستقرار
ليس العدل مجرد قيمة أخلاقية، بل ضرورة لاستقرار الدول و دوام مصالحها. فالسياسات القائمة على احترام الحقوق و المصالح المشروعة تهيئ أسباب الثقة، أما الظلم المستمر فيراكم أسباب العداء و الاضطراب.
و مسؤولية القادة لا تقتصر على حساب مكاسب الحاضر، بل تمتد إلى ما يتركونه للأجيال القادمة من أمن أو فوضى، و استقرار أو صراعات. فما الداعي إلى سلوك طريق المكر و تفكيك الدول و توظيف الصراعات، إذا كانت عواقبه قد تتجاوز حسابات صانعيه و تهدد أمنهم و استقرارهم، بل و تماسك كياناتهم نفسها؟
إن الحكمة تقتضي أن تتعلم الدول من دروس التاريخ قبل أن تدفع أثمانها، و أن تدرك أن ما يُزرع في ساحات الآخرين قد يعود إلى أصحابه في زمن و صورة لم يتوقعوهما.
فليس كل ما يتأخر يضيع، و ليس كل ما يُخفى يزول و ليس كل ما ينجح اليوم ينجو من عواقبه غداً.
*و تبقى القاعدة القرآنية أبلغ من كل الحسابات:*
﴿*وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾*


