Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (33) السودان بين ضغوط المعيشة وتحديات الأمن واستعادة الدولة لقدراتها الاقتصادية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

وجه الحقيقة | الغلاء.. أزمة سوق أم أزمة دولة؟ .. د. إبراهيم شقلاوي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6330 | ماذا قال نتنياهو عن الدعم السريع؟

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (33) السودان بين ضغوط المعيشة وتحديات الأمن واستعادة الدولة لقدراتها الاقتصادية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
تكشف التطورات السودانية الراهنة عن تداخل ثلاثة تحديات رئيسية: الضغوط المعيشية المتزايدة، واستمرار المواجهات العسكرية على عدد من الجبهات، ومحاولات استعادة مؤسسات الدولة لقدرتها على إدارة الاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية. وفي الوقت الذي تتقدم فيه القوات المسلحة في بعض المحاور وتستمر جهود استرداد الأموال والممتلكات المنهوبة، يظل المواطن السوداني في مواجهة مباشرة مع ارتفاع تكاليف الحياة ومخاطر انعدام الأمن الغذائي.
وتبرز أهمية المرحلة الحالية في ضرورة الربط بين حماية الدولة وتخفيف معاناة المواطنين، وبين استعادة الاستقرار العسكري وإطلاق عملية إنتاج اقتصادي قادرة على تقليص الاعتماد على الخارج.

أولاً: البرهان بين رسائل السيادة وضغوط الشارع المعيشية
تعكس تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان، خلال تفاعله مع المواطنين، تمسك القيادة العسكرية بخطاب السيادة الوطنية ورفض فرض أي سلطة خارج الإرادة الشعبية، مع التأكيد على أن الوصول إلى الحكم يجب أن يكون عبر الانتخابات.
غير أن الهتافات التي عبّرت عن ارتفاع أسعار الخبز وتكاليف المعيشة تكشف عن فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والأولويات اليومية للمواطنين. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع دخله لا تكفيه التأكيدات المتعلقة بحماية البلاد، ما لم تنعكس هذه الحماية في استقرار الأسواق وتوافر السلع والخدمات الأساسية.
القراءة الاستراتيجية: يمثل الحفاظ على التماسك الداخلي شرطاً أساسياً لاستمرار الصمود الوطني. ولذلك، فإن المعركة العسكرية تحتاج إلى مسار اقتصادي واجتماعي موازٍ، يضع الأمن الغذائي وضبط الأسواق واستعادة الخدمات في مقدمة الأولويات. كما أن توسيع المشاركة السياسية والتهيئة لانتخابات حرة يمثلان مدخلاً لتعزيز الشرعية والاستقرار على المدى البعيد.

ثانياً: العلاقات السودانية المصرية وأهمية وادي حلفا
يحمل شكر البرهان لمصر، وتأكيده سلامة المواطنين المصريين في السودان، مؤشرات على أهمية المحافظة على العلاقات الثنائية في ظل الحرب والتحديات الإقليمية. كما أن التعهد بمعالجة القيود المتعلقة بالاستيراد عبر وادي حلفا يعكس إدراكاً لأهمية هذا المعبر في حركة التجارة والسلع والروابط الاجتماعية بين البلدين.
وتكتسب العلاقات السودانية المصرية أهمية استراتيجية تتجاوز المصالح التجارية المباشرة، نظراً للحدود المشتركة، والتداخل السكاني، وارتباط أمن البلدين باستقرار وادي النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
القراءة الاستراتيجية: تحتاج المرحلة المقبلة إلى تحويل المواقف السياسية الإيجابية إلى ترتيبات عملية لتسهيل التجارة وحركة المواطنين، ومعالجة الاختناقات الحدودية، وتعزيز التعاون في الأمن الغذائي وإعادة الإعمار. فالعلاقات مع مصر، إلى جانب التعاون مع بقية الأشقاء، يمكن أن تشكل رافعة لدعم استقرار السودان، شريطة أن تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية.

ثالثاً: خطر المجاعة واستعادة الذاكرة الزراعية السودانية
يشكل التحذير من احتمال تفاقم أزمة الغذاء خلال الأشهر المقبلة إنذاراً يتطلب التعامل معه باعتباره قضية أمن قومي، لا مجرد أزمة إنسانية. فقد ألحقت الحرب أضراراً بالقطاع الزراعي، وأعاقت حركة المزارعين والمدخلات والأسواق، وأضعفت سلاسل النقل والتوزيع، فضلاً عن النزوح وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وفي المقابل، تمثل الدعوات إلى استعادة القدرة الزراعية للسودان فرصة استراتيجية لإعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج، مستفيدة من الأراضي الخصبة والموارد المائية والخبرات الزراعية المتراكمة.
ولا يكفي توفر الأراضي والمياه وحدهما لتحقيق الأمن الغذائي؛ إذ يتطلب الأمر تمويلاً للموسم الزراعي، وتوفير التقاوى والأسمدة والوقود، وتأمين مناطق الإنتاج، وإصلاح البنية التحتية، وضمان وصول المحاصيل إلى الأسواق.
القراءة الاستراتيجية: إن الأشهر السبعة المقبلة، وفق التحذيرات المتداولة، ينبغي أن تكون فترة تعبئة وطنية للحد من مخاطر الجوع. ويتطلب ذلك تنسيقاً بين الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين والمصارف والمنظمات الإنسانية، مع توجيه الدعم إلى المناطق الأكثر تضرراً وحماية الموسم الزراعي من الاختناقات الأمنية والتمويلية.
إن استعادة الزراعة ليست مجرد وسيلة لتوفير الغذاء، بل مدخل لإعادة تشغيل الاقتصاد وخلق فرص العمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز استقلال القرار الوطني.

رابعاً: استرداد الأموال المنهوبة ومعركة استعادة مؤسسات الدولة
يمثل الإعلان عن استرداد مبالغ مالية ضخمة وسيارات منهوبة، بالتعاون مع جهات داخلية وخارجية، تطوراً مهماً إذا تأكدت تفاصيله وحُددت آليات الاسترداد وحجم الأموال التي عادت فعلياً إلى الخزانة العامة.
وتتجاوز أهمية هذه العملية الجانب المالي؛ إذ ترتبط باستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، ومكافحة الجريمة المنظمة، وملاحقة شبكات تهريب الممتلكات والأصول، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
لكن نجاح جهود الاسترداد لا يُقاس بالأرقام المعلنة وحدها، بل بمدى توثيقها وشفافية إجراءاتها، ومصير الأموال المستردة، وضمان توظيفها في المصلحة العامة.
القراءة الاستراتيجية: إن بناء دولة ما بعد الحرب يتطلب مؤسسات رقابية وقضائية قادرة على حماية المال العام، وملاحقة المتورطين وفق القانون، ومنع إعادة تدوير الأموال المنهوبة داخل الاقتصاد. كما أن استعادة الأصول يمكن أن تسهم في دعم جهود الإعمار إذا أُديرت بشفافية وخضعت للمراجعة والمحاسبة.

خامساً: الجبهة الشرقية وتعقيدات المشهد السياسي
تشير التقارير عن تجدد المعارك في المحور الشرقي والهجوم على منطقة سالي إلى استمرار أهمية الجبهة الشرقية في الحسابات العسكرية والأمنية. وتنبع حساسية هذه الجبهة من ارتباطها بأمن الولايات الشرقية والحدود والممرات التجارية، فضلاً عن التداخل بين التطورات العسكرية السودانية والتنافس الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وفي المسار السياسي، يثير تداول أخبار اللقاءات بين مسؤولين دبلوماسيين غربيين وقيادات من المؤتمر الوطني تساؤلات حول طبيعة الاتصالات الجارية، وما إذا كانت تندرج في إطار التواصل الدبلوماسي أو استكشاف مواقف القوى السياسية أو البحث عن ترتيبات أوسع للمرحلة المقبلة.
ولا يكفي حدوث لقاء أو تداول خبر بشأنه لإثبات وجود اتفاق سياسي أو تحول في مواقف الأطراف؛ فذلك يتطلب معرفة مضمون الاتصالات ونتائجها الفعلية.
القراءة الاستراتيجية: يحتاج السودان إلى إدارة متوازنة للمسارين العسكري والسياسي، بما يحمي الجبهات الحساسة ويمنع استغلال الانقسامات الداخلية. كما أن أي عملية سياسية مستقبلية ينبغي أن ترتبط بإنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة وتوسيع المشاركة الوطنية، بعيداً عن الإقصاء أو فرض التسويات من الخارج.

سادساً: الترابط بين الأمن والاقتصاد والسيادة الوطنية
تكشف المحاور السابقة أن التحديات السودانية لم تعد منفصلة بعضها عن بعض. فاستمرار الحرب يؤثر في الإنتاج الزراعي وحركة التجارة، وتراجع الإنتاج يزيد الضغوط المعيشية، بينما يضعف انعدام الأمن قدرة الدولة على استعادة الموارد وحماية الحدود.
وفي المقابل، فإن تحسين الأوضاع الاقتصادية يعزز قدرة المجتمع على الصمود، ويساعد الدولة على استعادة الثقة العامة، ويحد من فرص استغلال الأزمات المعيشية لتوسيع الانقسامات السياسية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن استعادة السيادة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، رغم أهميتها الحاسمة في حماية الدولة، وإنما تحتاج أيضاً إلى اقتصاد منتج ومؤسسات فاعلة وعلاقات خارجية متوازنة وإدارة عادلة للموارد.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: التعافي التدريجي. تتحسن الأوضاع الأمنية في عدد من المناطق، وتنجح الدولة في دعم الموسم الزراعي وتسهيل التجارة مع دول الجوار، بالتزامن مع استعادة بعض الموارد والأصول، بما يخفف الضغوط المعيشية تدريجياً.
السيناريو الثاني: استمرار الاستنزاف. تتواصل المواجهات والاختناقات الاقتصادية، وتتراجع القدرة على تمويل الإنتاج الزراعي والخدمات، فتزداد مخاطر انعدام الأمن الغذائي وتتعمق معاناة المواطنين.
السيناريو الثالث: تداخل التصعيد العسكري والأزمة الغذائية. تتسع المواجهات في بعض المناطق، وتتضرر طرق الإمداد ومناطق الإنتاج، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات، بما يفرض ضغوطاً أكبر على الدولة ويزيد تعقيدات المشهد الإنساني والسياسي.
التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي
تشير التطورات حتى 21 أكتوبر 2026 إلى أن السودان يقف أمام اختبار يتجاوز حسم المواجهة العسكرية إلى قدرة الدولة على تحويل الصمود إلى استقرار، واستعادة المؤسسات إلى إنتاج، والعلاقات الإقليمية إلى شراكات عملية تخدم مصالح المواطنين.
ويظل التحدي الأكثر إلحاحاً هو منع تفاقم أزمة الغذاء، بالتوازي مع حماية الجبهات العسكرية وتأمين طرق التجارة واستعادة الأموال والممتلكات المنهوبة. كما تمثل العلاقات مع مصر وبقية الأشقاء فرصة مهمة لدعم التعافي، شريطة ترجمة المواقف السياسية إلى تعاون اقتصادي وإنساني وأمني ملموس.
أما داخلياً، فإن استمرار الفجوة بين تطلعات المواطنين والواقع المعيشي قد يضعف التماسك الوطني، حتى في ظل التقدم العسكري. ولذلك، فإن تخفيف الأعباء عن المواطنين واستعادة الخدمات وتحريك الإنتاج ليست ملفات ثانوية، بل عناصر أساسية في معركة بقاء الدولة وتعزيز شرعيتها.
والخلاصة أن مستقبل السودان سيتحدد بمدى نجاحه في إدارة ثلاثة مسارات مترابطة: حماية الدولة، وتأمين الغذاء، واستعادة الإنتاج. فالقوة العسكرية تحمي المجال الوطني، والإنتاج يوفر مقومات الصمود، والعدالة والشرعية تعززان وحدة المجتمع. ومن دون الجمع بين هذه العناصر، ستظل المكاسب الميدانية عرضة لضغوط الاقتصاد والانقسام الداخلي والتدخلات الخارجية.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | الغلاء.. أزمة سوق أم أزمة دولة؟ .. د. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *