Popular Now

وجه الحقيقة | مسيراتهم.. وصمودنا .. د. إبراهيم شقلاوي

السودان تحت نيران المسيّرات: استهداف الكهرباء والأعيان المدنية وتعثر الحوار السياسي.. هل تنجح الجهود الأفريقية في فتح الطريق أمام الحل؟ (34).. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6343 | لماذا لم يحاكم حمدوك رئيس وزراء حكومة الثورة الأولى المسؤولين عن بيع منازل السودان بلندن عام 2012؟

السودان تحت نيران المسيّرات: استهداف الكهرباء والأعيان المدنية وتعثر الحوار السياسي.. هل تنجح الجهود الأفريقية في فتح الطريق أمام الحل؟ (34).. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
تدخل الحرب في السودان مرحلة أكثر تعقيدًا مع استمرار التقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة واستهداف منشآت الكهرباء والأعيان المدنية، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية وتتزايد الضغوط الإقليمية والدولية لوقف القتال وإطلاق مسار سياسي ينهي الصراع.
ولا تقتصر خطورة التطورات على نتائج المواجهات العسكرية، بل تمتد إلى تأثيراتها المباشرة على حياة المواطنين، من انقطاع الكهرباء وتعطل الخدمات الأساسية إلى تراجع النشاط الاقتصادي وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية. وفي المقابل، تواجه الجهود السياسية عقبات تتعلق بتباين مواقف القوى السودانية بشأن المبادرات المطروحة، وشروط الحوار، وطبيعة الأطراف التي ينبغي أن تشارك في تحديد مستقبل البلاد.
وفي هذا السياق، تتواصل الدعوات الأفريقية والدولية إلى حوار سوداني شامل، لكن التحدي الأساسي يبقى في تحويل هذه الدعوات إلى خطوات عملية توقف الحرب وتحمي المدنيين وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
أولًا: تصاعد حرب المسيّرات واتساع دائرة الاستهداف
شهدت الفترة من 22 إلى 28 أكتوبر 2026 استمرار التقارير عن هجمات بالطائرات المسيّرة في عدد من المناطق السودانية، وسط مخاوف من اتساع استخدامها وتأثيرها في العمليات العسكرية وسلامة السكان.
وتناولت تقارير صحفية حوادث في مناطق مختلفة، من بينها نيالا، تحدثت عن سقوط قتلى ومصابين جراء هجمات نُسبت إلى المسيّرات. غير أن الأرقام المتداولة وتفاصيل بعض الوقائع والمسؤولية عنها تحتاج إلى تحقق مستقل، في ظل صعوبة الوصول إلى المعلومات الميدانية وتضارب روايات أطراف النزاع.
وتثير هذه الهجمات مخاوف متزايدة عندما تقع بالقرب من المناطق المأهولة أو تؤثر في المرافق المدنية، إذ لا تقتصر نتائجها على الخسائر المباشرة، بل قد تمتد إلى تعطيل الخدمات وزيادة النزوح وتعميق المخاوف الأمنية لدى السكان.
كما تطرح مواصلة استخدام المسيّرات تساؤلات بشأن مصادر الحصول عليها وتدفق التقنيات والمعدات العسكرية إلى أطراف الحرب، ومدى فاعلية الجهود الدولية في الحد من الدعم الخارجي الذي قد يسهم في إطالة أمد الصراع.
ثانيًا: استهداف الكهرباء وتفاقم الأعباء على المدنيين
يمثل استهداف منشآت الكهرباء أحد أخطر مظاهر التصعيد، نظرًا إلى ارتباط الطاقة بمعظم الخدمات الأساسية، بما في ذلك المستشفيات ومحطات المياه والاتصالات والمخابز والمنشآت الإنتاجية.

وتحدثت تقارير صحفية سودانية عن هجمات وأضرار طالت منشآت مرتبطة بإمدادات الكهرباء في مناطق متعددة، بينها تندلتي، كما أشارت تقارير خلال 26 أكتوبر إلى منشآت ومحطات في مناطق من بينها الجنيد وسنجة والفاو والحواتة ومشكور. وتناولت تقارير أخرى، في 27 أكتوبر، حادثة مرتبطة بمنطقة المريخيات شمال غربي أم درمان.
وتظل التفاصيل المتعلقة بطبيعة الأضرار والمسؤولية عن كل حادثة بحاجة إلى التحقق، إلا أن تكرار هذه التقارير يسلط الضوء على هشاشة البنية التحتية في ظل الحرب وصعوبة إصلاح المنشآت المتضررة.
فانقطاع الكهرباء لا يعني فقط تعطل الإنارة المنزلية، بل قد يؤدي إلى توقف بعض الخدمات الصحية، وصعوبة ضخ المياه، وتراجع قدرة المنشآت التجارية والإنتاجية على العمل، فضلًا عن زيادة تكاليف المعيشة. وتزداد هذه الآثار في المناطق التي تعاني أصلًا من نقص الوقود والإمدادات الأساسية.
وتؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني ضرورة حماية المدنيين والأعيان المدنية، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالأهداف العسكرية والاستخدام المزدوج، والالتزام بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة. ولا يجوز استهداف المنشآت المدنية لمجرد إلحاق الضرر بالسكان أو الضغط عليهم.
وتتطلب مواجهة هذه المخاطر حماية مرافق الكهرباء والمياه والمستشفيات، وتسهيل عمل فرق الصيانة، وضمان وصول قطع الغيار والوقود والمعدات اللازمة لاستمرار الخدمات، باعتبارها احتياجات إنسانية لا تحتمل الانتظار.
ثالثًا: التداعيات الإنسانية والاقتصادية
تتجاوز آثار الهجمات على البنية التحتية الأضرار المباشرة، لتنعكس على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فتعطل الكهرباء يرفع تكلفة الإنتاج والتخزين، ويؤثر في عمل المنشآت الصحية والخدمية، ويزيد الأعباء على الأسر التي تضطر إلى استخدام بدائل مكلفة للطاقة.
كما تتداخل هذه التداعيات مع أزمة الغذاء والنقل والإمدادات، إذ يؤدي تراجع النشاط الزراعي والصناعي واضطراب طرق التجارة إلى ارتفاع تكاليف السلع وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية بصورة منتظمة.
وقد حذرت منظمات إنسانية دولية في تقارير سابقة من اتساع الاحتياجات الإنسانية في السودان وصعوبة الوصول إلى الفئات الأكثر تضررًا. ويؤكد استمرار القتال أن الأزمة لا تقتصر على الخسائر البشرية، بل تهدد أيضًا قدرة المجتمعات على الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
وتتطلب الاستجابة العاجلة تأمين وصول المساعدات، وحماية العاملين في المجال الإغاثي، وفتح الطرق والممرات الإنسانية، إلى جانب إصلاح الخدمات الأساسية ودعم الأنشطة الزراعية والإنتاجية التي تساعد الأسر على استعادة قدر من الاستقرار.
رابعًا: الاتحاد الأفريقي والخماسية والخلاف حول الحوار السوداني السوداني
في ظل استمرار الحرب، تتزايد أهمية التحركات التي يقودها الاتحاد الأفريقي وشركاؤه الإقليميون والدوليون لإيجاد مخرج سياسي للأزمة. وقد شددت مواقف أفريقية ودولية على ضرورة إطلاق حوار سوداني شامل، والحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها، ورفض ترتيبات الحكم الموازية التي قد تعمق الانقسام.
وتوفر الآلية الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» ، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، إطارًا للتنسيق بين الجهات المعنية بالأزمة، إلى جانب مبادرات وتحركات دبلوماسية أخرى. كما أكدت مواقف مشتركة صادرة عن الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة أهمية الحل السياسي الشامل ورفض إنشاء هياكل حكم موازية.

لكن العقبة الرئيسية تتمثل في الخلاف بين القوى السودانية بشأن كيفية تنظيم الحوار، والأطراف التي ينبغي أن تشارك فيه، والضمانات المطلوبة لضمان استقلاله وفاعليته. فبينما تشدد أطراف على ضرورة توسيع المشاركة السياسية والمدنية، تربط أطراف أخرى انخراطها في المبادرات بوقف القتال وتوفير ضمانات تتعلق بحماية المدنيين ومصداقية العملية السياسية.
كما تختلف المواقف بشأن ترتيب الأولويات: هل يبدأ المسار بوقف إطلاق النار، أم بإطلاق حوار سياسي، أم بالتوازي بين المسارين؟ وتزيد هذه الخلافات من صعوبة بناء موقف سوداني مشترك، وتمنح أطراف النزاع مساحة لمواصلة المواجهات في ظل غياب اتفاق واضح على قواعد التسوية.
ومن المهم التمييز بين رفض مبادرة محددة ورفض الحوار من حيث المبدأ؛ فالاعتراض على آلية أو جهة منظمة لا يعني بالضرورة رفض التسوية السياسية. كذلك لا يمكن تعميم موقف واحد على جميع القوى المدنية أو جميع الأطراف المرتبطة بأحد طرفي الحرب، نظرًا إلى تباين مواقفها وحساباتها.
ولكي يحقق الحوار نتائج ملموسة، ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة للمشاركة، وأجندة تتناول:
– وقف الحرب ومستقبل مؤسسات الدولة،
– و الترتيبات الانتقالية والعدالة وإعادة الإعمار، مع ضمان مشاركة حقيقية للقوى المدنية والمجتمعات المتضررة والنساء والشباب.
كما ينبغي ألا يتحول الحوار إلى غطاء لتكريس موازين القوة العسكرية أو إلى وسيلة لكسب الوقت.
ويظل دور الاتحاد الأفريقي والخماسية مرتبطًا بقدرتهما على تنسيق المبادرات، وتقديم ضمانات قابلة للتنفيذ، وممارسة ضغط متوازن على الأطراف للالتزام بوقف القتال وحماية المدنيين. فتكاثر البيانات والمبادرات، من دون آلية متابعة واضحة، لن يكون كافيًا لتغيير الواقع على الأرض.
خامسًا: ما المطلوب لفتح الطريق أمام الحل؟
تحتاج معالجة الأزمة إلى تحرك متزامن على المسارات العسكري والإنساني والسياسي. فمن الناحية العسكرية، تبرز ضرورة التوصل إلى وقف واضح للأعمال العدائية، تدعمه آلية مراقبة للتحقق من الالتزام ومنع تجدد المواجهات.
وعلى المستوى الإنساني، يجب ضمان وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، وحماية العاملين في الإغاثة، وتأمين المرافق الحيوية، خصوصًا الكهرباء والمياه والمستشفيات وشبكات الاتصالات.
أما سياسيًا، فإن المطلوب عملية سودانية شاملة لا تقتصر على تفاهمات بين القوى المسلحة أو النخب السياسية، بل تتيح مشاركة فعلية للقوى المدنية والمجتمعية، وتتناول أسباب الحرب ومستقبل الدولة وترتيبات الانتقال والمساءلة وإعادة الإعمار.
ويحتاج نجاح هذه الجهود أيضًا إلى تنسيق إقليمي ودولي للحد من تدفق السلاح والمعدات التي تسهم في استمرار القتال، ومساندة ترتيبات وقف إطلاق النار، ومنع تحول السودان إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية.
ولا يقل المسار الاقتصادي أهمية عن المسارات الأخرى، إذ يتطلب التعافي إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات، ودعم الزراعة والإنتاج المحلي، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإعادة بناء المجتمعات المتضررة.

خاتمة
تكشف تطورات الفترة من 22 إلى 28 أكتوبر 2026 عن استمرار المخاطر التي تهدد المدنيين والبنية التحتية في السودان، في ظل التقارير عن هجمات المسيّرات واستهداف منشآت الكهرباء، بالتزامن مع تفاقم الاحتياجات الإنسانية وتعثر التوافق السياسي.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الاتحاد الأفريقي وشركاؤه الدعوة إلى حوار سوداني شامل، لا تزال الخلافات حول شروط المشاركة وآليات التفاوض تعوق تحويل المبادرات إلى مسار سياسي فعّال. ولن يكون تجاوز هذه العقبات ممكنًا من خلال البيانات وحدها، بل يحتاج إلى إجراءات عملية لحماية المدنيين ووقف القتال وبناء الثقة بين الأطراف.

إن الطريق إلى الحل يبدأ بوقف استهداف الأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات، وإطلاق حوار جاد يعالج أسباب الصراع ويضع مستقبل السودان ومصلحة مواطنيه في مقدمة الأولويات. أما استمرار الحرب وتوسيع دائرة استهداف البنية التحتية، فلن يؤدي إلا إلى زيادة الخسائر وتعقيد مهمة إعادة بناء الدولة والمجتمع.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6343 | لماذا لم يحاكم حمدوك رئيس وزراء حكومة الثورة الأولى المسؤولين عن بيع منازل السودان بلندن عام 2012؟

المقالة التالية

وجه الحقيقة | مسيراتهم.. وصمودنا .. د. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *