ليست الجامعات أسماءً نعلّقها على جدران الذاكرة، ولا أمجادًا تاريخية نستدعيها كلما تعثّر الحاضر، إنما هي مؤسسات تُقاس بقيمة ما تنتجه من معرفة، وما تصنعه من عقول وما تقدمه لمجتمعاتها من حلول.
ومن هنا، فإن اختيار الطالبة الأولى على الشهادة السودانية لعام 2026 (تقى النور محمد النور) جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا لدراسة الطب بدلًا من جامعة الخرطوم، ليس مجرد خبر عابر في موسم القبول، ولا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للتقليل من جامعة الخرطوم أو الانتقاص من تاريخها. لكنه، في تقديري، حدث يستحق قراءة أعمق من سجالات الفخر والغيرة التي أعقبته.
فالجامعات العريقة لا تخسر مكانتها لأن طالبًا متفوقًا اختار غيرها، وإنما ينبغي أن تسأل نفسها: ما الذي يجعل المتفوقين يختارونها، وما الذي قد يدفعهم إلى اختيار غيرها؟
إن اختيار الطالبة حق أصيل لها ولأسرتها، ولا يجوز تحميل قرارها أكثر مما يحتمل، أو اتخاذه دليلًا قاطعًا على تفوق جامعة على أخرى. غير أن قيمة الحدث تكمن في أنه يفتح نافذة على تحولات معايير الاختيار لدى الأجيال الجديدة؛ حيث لم يعد الاسم التاريخي وحده كافيًا، بل أصبحت البيئة التعليمية، وانتظام الدراسة، وتوافر المعامل، واستقرار التقويم الأكاديمي، وفرص التدريب وآفاق المستقبل، عناصر حاسمة في اتخاذ القرار.
الجامعة بين الذاكرة والواقع
لجامعة الخرطوم مكانة راسخة في تاريخ السودان الحديث. فقد أسهمت في إعداد أجيال من العلماء، والإداريين، والأطباء، والمهندسين والمفكرين، وكان لخريجيها حضور معتبر في مؤسسات الدولة ومجالات الحياة العامة. وهذه حقيقة تستحق الاعتزاز، لا الجدل.
لكن الاعتزاز بالتاريخ لا يعفي المؤسسة من مراجعة الحاضر، كما أن الوفاء للماضي لا يعني تعطيل النقد.
وأقول ذلك من موقع من تربطه بالجامعة صلة علمية ومهنية، فقد نلت منها دبلومًا عاليًا في الدراسات الإنمائية، وكان أول كتبي من إصدارات دار جامعة الخرطوم للنشر. ولذلك فإن حديثي عنها ليس حديث خصومة أو غربة، بل حديث من يرى أن المؤسسات التي نعتز بها تستحق منا الصراحة بقدر ما تستحق الوفاء.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة أكاديمية عريقة هو أن تتحول مكانتها التاريخية إلى حصانة معنوية تجعل مساءلتها أمرًا غير مستحب، أو تجعل كل نقد لها يُفسَّر على أنه انتقاص من تاريخها أو موقف من خريجيها.
فالجامعة ليست خريجيها وحدهم، وليست مبانيها أو اسمها، الجامعة رسالة علمية متجددة، ومجتمع معرفي ومؤسسة عامة مسؤولة عن المستقبل.
من النقد إلى سؤال الاستقلال الأكاديمي
لا يمكن تجاهل ما تعرضت له الجامعات السودانية من آثار الحرب، وتدمير البنية التحتية، والنزوح، وتعطل الدراسة، وهجرة الكفاءات واضطراب التمويل. ومن الإنصاف ألا نحمّل جامعة الخرطوم وحدها مسؤولية أزمة وطنية طالت مؤسسات التعليم العالي كلها.
لكن الاعتراف بظروف الحرب لا يلغي ضرورة مراجعة الخيارات المؤسسية، ولا يمنع السؤال عن مدى استقلال القرار الأكاديمي عن التجاذبات السياسية.
لقد كانت الجامعة، في صورتها التي استقرت في الوجدان السوداني، فضاءً للمعرفة والحوار والتعدد الفكري، ومؤسسة يُنتظر منها أن تدرس أزمات المجتمع وتقدم بدائل علمية لمعالجتها. ولذلك فإن أي انطباع متزايد لدى قطاعات من المجتمع بأن الجامعة تنشغل بالاستقطاب السياسي أكثر من انشغالها باستعادة دورها العلمي، يستحق أن يُناقش بالأدلة والوقائع، لا أن يُقابل بالتخوين أو الاستدعاء الدائم للأمجاد.
والسؤال هنا ليس: هل يجوز للأستاذ الجامعي أن تكون له مواقف سياسية؟ فالأستاذ مواطن، ومن حقه أن يفكر ويعبّر. وإنما السؤال: هل تظل الجامعة، بوصفها مؤسسة، مستقلة في رسالتها وقراراتها ومناهجها، وقادرة على احتضان الاختلاف دون أن تصبح امتدادًا لأي تيار أو جهة؟
إن الفرق كبير بين جامعة يشارك أفراد مجتمعها الأكاديمي في الشأن العام، وجامعة تصبح هويتها المؤسسية أسيرة الاستقطاب. الأولى تؤدي دورًا مدنيًا مشروعًا، أما الثانية فتخاطر بتآكل الثقة في حيادها الأكاديمي.
حين تتحول المنافسة إلى عبء مالي
ومن القضايا التي تستحق نقاشًا جادًا سياسات القبول والرسوم الدراسية، لا سيما في التخصصات الطبية التي تتطلب نسبًا مرتفعة وإمكانات مالية كبيرة.
فإذا كانت نسب القبول في الطب بجامعة الخرطوم قد بلغت مستويات تتجاوز 94%، فإن السؤال لا يتعلق بارتفاع النسبة وحده، بل بكيفية ترجمة التفوق الأكاديمي إلى فرصة تعليمية عادلة، وبمدى قدرة الطالب المتفوق على مواصلة تعليمه دون أن تصبح الإمكانات المالية عاملًا حاسمًا في مستقبله.
كما أن الرسوم المرتفعة في مسارات القبول على النفقة الخاصة، متى تجاوزت قدرة الأسر، تثير أسئلة مشروعة حول العدالة وتكافؤ الفرص، وحول التوازن بين احتياجات تمويل الجامعة وحق المجتمع في التعليم.
ولا يصح ،في المقابل، الخلط بين نسبة القبول العام والقبول على النفقة الخاصة، أو افتراض أن كل طالب يحصل على نسبة مرتفعة يستحق تلقائيًا مقعدًا في كلية بعينها دون مراعاة الطاقة الاستيعابية والمعايير الأكاديمية. المطلوب هو شفافية في السياسات، وعدالة في الفرص وتناسب معقول بين الرسوم وجودة التعليم.
فالجامعة الحكومية ليست مطالبة بإلغاء احتياجاتها المالية، لكنها مطالبة كذلك بأن تظل رسالتها العامة حاضرة في كل سياسة تتخذها.
ماذا قدمت الجامعة للسودان في زمن الأزمة؟
هذا هو السؤال الأصعب، وربما الأهم.
في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى، لا يُنتظر من الجامعات أن تكون مجرد مؤسسات تستأنف المحاضرات وتمنح الشهادات، بل أن تتحول إلى بيوت خبرة وطنية تسهم في تشخيص المشكلات، وتصميم السياسات، وتدريب الكوادر وتقديم الحلول المبنية على البحث العلمي.
والسودان، في ظل الحرب وتراجع مؤسسات الخدمة المدنية والاقتصاد، أحوج ما يكون إلى المعرفة التطبيقية التي تنتجها الجامعات.
أين الدراسات العلمية المتكاملة التي تساعد في إعادة بناء الخدمة المدنية؟ وأين البرامج البحثية التي تقيس آثار الحرب على رأس المال البشري، وتضع تصورات عملية لإعادة الإعمار؟ وما حجم مساهمة الجامعات في تطوير نظم الإدارة العامة، وتحسين الخدمات واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؟
هذه أسئلة ينبغي أن تُطرح على جامعة الخرطوم وغيرها من الجامعات السودانية، وأن تُجاب عنها ببيانات، وأبحاث ومشروعات منشورة، لا بالشعارات وحدها.
ولا يعني ذلك أن الجامعة لم تقدم أي إسهام؛ فالحكم المنصف يحتاج إلى حصر موثق لمبادراتها وأبحاثها ومواقفها خلال الأزمة. لكن غياب الحضور المعرفي المؤثر عن المجال العام، إن ثبت، سيكون موضع مساءلة مشروعة، بالنظر إلى حجم التحديات التي يواجهها الوطن.
الجميلة والمستحيلة… أم الجامعة القابلة للتجدد؟
لقد أثار اختيار الأولى على الشهادة السودانية موجة من الكتابات التي تستعيد وصف جامعة الخرطوم بـ«الجميلة والمستحيلة». وفي هذا الوصف حنين مفهوم إلى مؤسسة ارتبطت في الذاكرة السودانية بالطموح، والتميز والوجاهة العلمية.
لكن هل يكفي أن تظل الجامعة جميلة في الذاكرة، إذا كانت الأجيال الجديدة تبحث عن جامعة أكثر استقرارًا في واقعها؟
وهل تصبح المحبة دفاعًا عن المؤسسة مهما كان أداؤها، أم تكون المحبة الحقيقية دافعًا إلى إصلاحها؟
إن الجامعات لا تُصان مكانتها بإسكات الأسئلة، ولا تستعيد هيبتها بمطالبة الطلاب والأسر بالوفاء للاسم وحده، إنها تستعيد مكانتها حين تجعل من جودة التعليم، ونزاهة البحث، واستقلال القرار الأكاديمي، وعدالة الفرص وخدمة المجتمع، حقائق يلمسها الناس.
وما تحتاج إليه جامعة الخرطوم اليوم ليس حملة لتبرير كل ما يصدر عنها، ولا حملة لإدانتها، بل مراجعة مؤسسية جادة تستند إلى مؤشرات الأداء، وتفتح حوارًا مسؤولًا حول مستقبلها وتعيد وصل تاريخها العريق باحتياجات السودان الجديدة.
خاتمة: لا نقدس المؤسسات… بل نُصلحها
في تجارب التاريخ الإسلامي، نجد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان حريصًا على ألا يتحول تعظيم الآثار والأماكن المرتبطة بالسيرة النبوية إلى ممارسة تحجب المقصد الشرعي. ولا أورد هذه الواقعة لمقارنة جامعة بشجرة، وإنما لاستلهام معنى عام: أن المكانة، مهما عظمت، ينبغي ألا تعطل النظر الواعي أو تمنع المراجعة.
وبالمثل، فإن احترام جامعة الخرطوم وتقدير تاريخها لا يقتضيان تحويل اسمها إلى رمز فوق النقد، ولا يعني نقدها إنكار فضلها أو جحود خريجيها.
إن المؤسسات العظيمة لا تحتاج إلى أن نقدسها، بل إلى أن نحافظ على قدرتها على أداء رسالتها. وخريجوها الأوفياء ليسوا الذين يحمون صورتها من كل سؤال، وإنما الذين يحرصون على أن تظل جديرة بالثقة والاعتزاز.
فالجامعة التي صنعت تاريخًا عظيمًا ليست مطالبة بأن تعيش على أمجاد الماضي، بل بأن تجعل من ذلك التاريخ مسؤولية تجاه المستقبل.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعًا ليس لماذا اختارت الأولى على الشهادة السودانية جامعة أخرى، بل: ماذا ينبغي أن تفعل جامعاتنا حتى يصبح اختيارها، مرة أخرى، قرارًا يستند إلى الثقة في جودة المعرفة، واستقرار التعليم، وعدالة الفرص والقدرة على صناعة المستقبل؟
ذلك هو الوفاء الحقيقي للجامعة، وتلك هي الرسالة التي يستحقها السودان.
إذا فلنعمل معًا لبناء وطنٍ واحد ننتقل فيه من تقديس المؤسسات إلى تقييم أدائها وتطويره، ومن تمجيد أمجاد الماضي إلى صناعة إنجازات المستقبل المواكب للحداثة والتطور، ومن الولاء للأسماء وإحتضان الماضي إلى الوفاء للرسالات واستشراف المستقبل.


