Popular Now

وجه الحقيقة | الحوار السوداني.. التوافق أم المحاصصة؟ .. د. إبراهيم شقلاوي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6366 | المعارضة برئاسة حمدوك لن تقبل الحوار مع الحكومة ولو جاء مبرأً من كل عيب !!!

القمة الروسية الأفريقية وصفقة المقاتلات الإثيوبية: إعادة تشكيل موازين القوة واتهامات السودان بشأن المسيّرات والتحرك المصري لدعم سيادة إريتريا وتصاعد المواجهات في أمهرا وتيغراي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

القمة الروسية الأفريقية وصفقة المقاتلات الإثيوبية: إعادة تشكيل موازين القوة واتهامات السودان بشأن المسيّرات والتحرك المصري لدعم سيادة إريتريا وتصاعد المواجهات في أمهرا وتيغراي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

مقدمة تنفيذية
تشهد منطقة القرن الأفريقي تحولات أمنية واستراتيجية متسارعة، تتداخل فيها صفقات التسليح الروسية مع التوتر الإثيوبي–الإريتري، واتهامات السودان لأديس أبابا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق طائرات مسيّرة استهدفت منشآت سودانية، والتحرك الدبلوماسي المصري لتأكيد دعم سيادة إريتريا ووحدة أراضيها، فضلاً عن استمرار المواجهات المسلحة في إقليمي أمهرا وتيغراي.

وفي هذا السياق، تكتسب القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، أهمية خاصة في ظل سعي روسيا إلى تعزيز حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي في أفريقيا. وقد تزامنت القمة مع إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حصول بلاده على مقاتلات روسية من طراز «سوخوي-35»، والتوجه للحصول على منظومات دفاع جوي متقدمة، في خطوة قد تعزز القدرات العسكرية الإثيوبية، لكنها لا تعني بالضرورة تحقق تفوق جوي على مصر أو تغيراً حاسماً في ميزان القوة الإقليمي.

وفي المقابل، تصاعدت المواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات فانو في أمهرا، وبين القوات الحكومية وقوات الدفاع عن تيغراي في شمال البلاد ووسطها. ويشير تزامن هذه الجبهات مع الأزمة الإثيوبية–الإريترية إلى أن تحديث القدرات العسكرية الخارجية يجري في وقت تواجه فيه الدولة الإثيوبية تحديات داخلية معقدة.

ويستند التقرير إلى متابعة البيانات الحكومية الإثيوبية والمصرية، والتغطيات الإريترية، وتقارير رويترز وأسوشيتد برس والجزيرة، ومتابعات «مشروع التهديدات الحرجة» و«مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED)، إلى جانب الصحافة السودانية والعربية. ويُميّز بين التصريحات الرسمية والاتهامات التي لم تخضع لتحقق مستقل، وبين الوقائع الميدانية والتقديرات الاستراتيجية.

المحور الأول: القمة الروسية الإفريقية وأهداف موسكو في إعادة تشكيل النفوذ بالقارة

تسعى روسيا من خلال القمة الروسية الإفريقية الثالثة إلى تعزيز موقعها في قارة أصبحت ساحة رئيسية للتنافس الدولي، خصوصاً في مجالات الأمن والطاقة والتعدين والتجارة والتسليح والبنية التحتية.

ووفقاً لتغطية وكالة رويترز في 28 أكتوبر، شهدت القمة مشاركة إفريقية واسعة، مع حضور وفود من عشرات الدول، بينها رؤساء دول وحكومات. وركز الخطاب الروسي على توسيع التعاون الاقتصادي والأمني، وتعزيز التجارة، وتطوير الشراكات في مجالات الطاقة والغذاء والأسمدة والتكنولوجيا.

وتتحرك موسكو في ثلاثة مسارات متكاملة:

1. **المسار السياسي:** توسيع علاقاتها مع الحكومات الإفريقية وتعزيز التنسيق معها في المؤسسات الدولية، وإظهار أن العقوبات الغربية لم تمنع روسيا من الحفاظ على شراكات واسعة خارج أوروبا.
2. **المسار العسكري:** توسيع صادرات السلاح وتقديم التدريب والصيانة والخدمات الفنية، بما يحافظ على موقع روسيا مورداً رئيسياً للمعدات العسكرية لبعض الدول الإفريقية.
3. **المسار الاقتصادي والاستراتيجي:** تعزيز حضورها في قطاعات الطاقة والتعدين والنقل والغذاء، وربط التعاون الاقتصادي بعلاقات سياسية وأمنية طويلة الأجل.

غير أن اتساع الحضور الدبلوماسي لا يعني بالضرورة تحقق جميع الأهداف الروسية. فالتنفيذ العملي للاتفاقيات، وتوافر التمويل، وقدرة موسكو على توفير قطع الغيار والخدمات والتكنولوجيا، كلها عوامل تحدد القيمة الفعلية لهذه الشراكات.

الدلالة الاستراتيجية: تستثمر روسيا حاجة بعض الدول الإفريقية إلى تنويع مصادر التسليح والشراكات الخارجية، بينما تبحث الحكومات الإفريقية عن بدائل لا ترتبط حصراً بالقوى الغربية. وتكمن أهمية القمة في قدرتها المحتملة على تحويل هذا التقارب السياسي إلى ترتيبات عسكرية واقتصادية تعيد توزيع النفوذ في مناطق استراتيجية، وفي مقدمتها القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

المحور الثاني: إثيوبيا وصفقة «سوخوي-35» ومنظومة «إس-400» — مكسب عسكري أم عبء اقتصادي؟

يمثل الإعلان الإثيوبي عن الحصول على مقاتلات «سوخوي-35» تطوراً مهماً في مساعي تحديث القوات الجوية. فالمقاتلة الروسية متعددة المهام مصممة للاشتباك الجوي وتنفيذ عمليات الاعتراض والهجوم، وتتميز بقدرات عالية على المناورة وحمل مجموعة متنوعة من الأسلحة.

وقد أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد تسلّم بلاده مقاتلات من هذا الطراز، فيما نقلت رويترز عن شركة «روسوبورون إكسبورت» الروسية أن الدفعة الأولى التي جرى تسليمها تتكون من طائرتين، بينما أشارت التغطية الإثيوبية إلى أن الاتفاق المعلن يشمل 12 طائرة. ويستوجب هذا الاختلاف التمييز بين العدد الإجمالي المعلن للصفقة وما تأكد تسليمه فعلياً.

كما أعلن آبي أحمد أن إثيوبيا ستحصل على أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي «إس-400». لكن الإعلان عن الاتفاق لا يعني أن المنظومات وصلت بالفعل أو أصبحت عاملة داخل البلاد، إذ لم تُعلن تفاصيل مؤكدة عن جدول التسليم والتشغيل.

وتكمن أهمية هذه الصفقات في أنها قد توسع الخيارات العسكرية الإثيوبية، وتمنح القوات الجوية قدرة إضافية على الاعتراض والردع، خصوصاً إذا جرى دمج الطائرات في شبكة متكاملة من الرادارات والقيادة والسيطرة والاستطلاع والدفاع الجوي.

لكن إثيوبيا تواجه في الوقت نفسه تحديات اقتصادية حادة. وتشير تقارير صندوق النقد الدولي بشأن برنامج التمويل وإعادة هيكلة الدين إلى استمرار المخاطر المرتفعة المرتبطة بالدين الخارجي والإجمالي، والحاجة إلى إصلاحات اقتصادية وإدارة دقيقة للسيولة والالتزامات الخارجية.

وهنا تظهر المفارقة: فالحكومة تسعى إلى تعزيز قدراتها العسكرية في وقت تحتاج فيه إلى تمويل إعادة الإعمار والخدمات العامة والتنمية، ومعالجة آثار النزاعات الداخلية.

ولا تتوقف تكلفة المقاتلات عند شرائها؛ إذ تشمل التدريب والصيانة والذخائر وقطع الغيار والبنية التحتية والتشغيل المستمر. كما أن منظومات الدفاع الجوي المتقدمة تحتاج إلى أطقم مؤهلة، وتدريب طويل الأجل، وقدرات اتصال ورصد وصيانة متخصصة.

الدلالة الاستراتيجية:
قد تحقق إثيوبيا مكسباً عسكرياً وسياسياً من الصفقة، لكن وصفها بأنها «الرابح الأكبر» يظل مشروطاً بقدرتها على تشغيل الطائرات بكفاءة والمحافظة على جاهزيتها. فالامتلاك لا يساوي بالضرورة القدرة القتالية، ولا يمكن قياس نجاح الصفقة من خلال عدد الطائرات وحده.

المحور الثالث: هل تحقق المقاتلات الإثيوبية تفوقاً جوياً على مصر؟

تثير صفقة «سوخوي-35» تساؤلات حول مستقبل ميزان القوة الجوية بين إثيوبيا ومصر، في ظل الخلافات الاستراتيجية القائمة بين البلدين، خصوصاً في حوض النيل، والاهتمام المتزايد بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

تمثل «سوخوي-35» مقاتلة متقدمة ضمن فئتها، ويمكنها تعزيز قدرة إثيوبيا على الاعتراض والاشتباك الجوي. غير أن امتلاك عدد محدود من الطائرات لا يكفي وحده لفرض التفوق الجوي على دولة تمتلك أسطولاً أكثر تنوعاً، وشبكات دعم وصيانة وتدريب متراكمة.

وتضم القوات الجوية المصرية مقاتلات من مصادر مختلفة، بينها «رافال» الفرنسية و«إف-16» الأمريكية و«ميغ-29 إم» الروسية، إلى جانب منصات جوية أخرى. ويمنح تنوع الأسطول مصر خيارات تشغيلية متعددة، لكنه يفرض أيضاً تحديات تتعلق بتكامل الأنظمة وتعدد سلاسل الإمداد.

وتتحدد نتائج المقارنة بين القوتين بمجموعة من العناصر، من بينها:

– حجم الأسطول وعدد الطائرات الجاهزة للعمليات.
– مستوى تدريب الطيارين وساعات الطيران والخبرة التشغيلية.
– أنظمة الرصد والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة.
– قدرات الحرب الإلكترونية والتشويش وتبادل البيانات.
– نوعية الذخائر ومدياتها ومعدلات توافرها.
– كفاءة الصيانة والإمداد والقدرة على استمرار العمليات.

أما منظومة «إس-400»، إذا تسلمتها إثيوبيا وشغّلتها بكفاءة، فقد تعزز دفاعاتها الجوية وتزيد من تعقيد أي تخطيط لعمليات جوية ضدها. لكنها لا تمنح حصانة مطلقة، ولا تعني تلقائياً القدرة على فرض السيطرة الجوية خارج نطاق الدفاع عن المجال الجوي.

وعليه، فإن التقدير الأكثر انضباطاً هو أن الصفقة قد تقلص بعض الفجوات في قدرات إثيوبيا، وتعزز ردعها، لكنها لا تثبت حدوث تفوق جوي إثيوبي على مصر. كما أن تقييم ميزان القوة يتطلب مقارنة شاملة للقدرات الجوية والدفاعية والاستطلاعية واللوجستية، وليس مقارنة مواصفات طائرتين فقط.

الدلالة الاستراتيجية: يمثل التحديث العسكري الإثيوبي تطوراً ينبغي لمصر ودول المنطقة أخذه في الاعتبار، لكنه لا يبرر الاستنتاج بأن ميزان القوة قد انقلب. فالتفوق الجوي نتاج منظومة متكاملة من القدرات البشرية والتقنية والعملياتية، وليس نتيجة صفقة واحدة.

المحور الرابع: «المفارقة المصرية» — حقيقة الطائرات التي كانت مخصصة لمصر وحدود الرواية الفنية

تتداول منصات إعلامية رواية تقول إن بعض مقاتلات «سوخوي-35» التي حصلت عليها إثيوبيا كانت مخصصة أصلاً لمصر، التي تعاقدت على شرائها من روسيا عام 2019 قبل أن تتراجع عن الصفقة.

وتضيف الرواية أن القاهرة ألغت التعاقد بعد اختبارات فنية كشفت عيوباً في الرادار وأنظمة الحرب الإلكترونية والبصمة الحرارية، وأن المقاتلات لا تتوافق بسهولة مع منظومة القيادة والسيطرة المصرية المعتمدة على تقنيات غربية.

لكن هذه الرواية تجمع بين مسائل مختلفة ينبغي فصلها.

أولاً: هل الطائرات الإثيوبية هي نفسها التي كانت مخصصة لمصر؟

لا تتوافر في المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها أدلة كافية تثبت أن الطائرات التي تسلمتها إثيوبيا هي ذاتها الطائرات التي كانت مخصصة لمصر. وإثبات ذلك يحتاج إلى سجلات إنتاج وتسليم أو وثائق تعاقدية واضحة، وليس مجرد تشابه في الطراز أو التسلسل الزمني.

ثانياً: هل ألغت مصر الصفقة بسبب عيوب فنية محددة؟

تناولت التقارير السابقة صفقة «سوخوي-35» المحتملة لمصر في سياق الضغوط الأمريكية المرتبطة بالعقوبات على مشتري المعدات العسكرية الروسية، فضلاً عن الاعتبارات الفنية والعملياتية التي تدخل عادة في قرارات التسليح. لكن لا يجوز الجزم بأن القاهرة ألغت الصفقة حصراً بسبب اكتشاف عيوب محددة في اختبارات الرافال، ما لم تدعم ذلك وثائق أو تصريحات موثوقة.

**ثالثاً: هل رادار «سوخوي-35» عديم الفاعلية أمام الرافال؟**

تستخدم «سوخوي-35» رادار «إيربس-إي» من فئة المصفوفة المسحوبة إلكترونياً سلبياً (PESA)، وهو يختلف تقنياً عن رادارات المصفوفة النشطة (AESA). لكن هذا الاختلاف لا يعني أن الرادار عديم الفاعلية أو أنه يمكن التشويش عليه بسهولة في جميع الظروف. فالنتيجة تتأثر بالترددات وأنماط التشغيل والمسافة والبرمجيات والتكتيكات المستخدمة، إضافة إلى قدرات أنظمة الحرب الإلكترونية لدى الطرفين.

رابعاً: هل غياب التكامل المباشر مع «Link 16» يجعل المقاتلة غير قادرة على العمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة؟

لا. يمثل «Link 16» معياراً غربياً لتبادل البيانات التكتيكية، وقد يفرض غياب التوافق المباشر قيوداً على التكامل مع بعض الشبكات، لكنه لا يعني أن الطائرة عاجزة عن العمل ضمن أي منظومة قيادة وسيطرة. فقد تتطلب عملية التكامل واجهات أو بوابات اتصال وسيطة، تبعاً للتجهيزات المتاحة.

خامساً: هل البصمة الحرارية والمحركات تحددان وحدهما فاعلية الطائرة؟

تؤثر البصمة الحرارية في فرص الكشف والتتبع، لكنها لا تشكل حكماً نهائياً على أداء المقاتلة. وينبغي تقييمها مع الرصد الراداري والمناورة والحرب الإلكترونية والتسليح والظروف العملياتية.

الدلالة الاستراتيجية:
قد تمتلك مصر معرفة فنية مهمة بخصائص المقاتلات الروسية من خلال دراساتها الدفاعية وخبراتها في تشغيل أنظمة جوية متنوعة. لكن القول إن هذه المعرفة تضمن إبطال فاعلية المقاتلات الإثيوبية أو تمنح القاهرة تفوقاً حتمياً في أي مواجهة افتراضية، يتجاوز ما تثبته المعلومات المتاحة.

والخلاصة أن الرواية المتداولة تطرح أسئلة فنية مشروعة، لكنها لا تصلح أساساً لاستنتاجات قطعية بشأن هوية الطائرات أو أسباب إلغاء الصفقة أو النتيجة الحتمية لأي مواجهة.
المحور الخامس: اتهام السودان لإثيوبيا بشأن إطلاق المسيّرات — من الخلاف الثنائي إلى خطر تدويل الحرب

شهدت العلاقات السودانية–الإثيوبية تصعيداً جديداً في 28 أكتوبر 2026، بعدما اتهمت الخرطوم أديس أبابا بالتورط في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت مدنية وبنية تحتية للطاقة والوقود داخل السودان.

ووفقاً لما نشرته صحيفة «سودان تريبيون»، قال مسؤولون سودانيون في مؤتمر صحفي مشترك إنهم عرضوا بيانات فنية لمسارات جوية وصوراً فضائية وشظايا طائرات مسيّرة، قالوا إنها تشير إلى انطلاق بعض الطائرات من داخل الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك مطار بحر دار.

وجاءت الاتهامات في أعقاب هجمات على منشآت كهرباء ووقود في مناطق سودانية مختلفة، بينها محيط أم درمان والجزيرة وشرق السودان، وفقاً للرواية السودانية. وقال مسؤولون إن الهجمات تسببت في انقطاعات واسعة للكهرباء وألحقت أضراراً بمنشآت حيوية.

وفي 29 أكتوبر، نقلت وكالة الأناضول عن وكيل وزارة الخارجية السودانية معاوية عثمان خالد تجديد اتهام إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق المسيّرات، مؤكداً أن السودان يحتفظ بحقه في حماية أراضيه وإبلاغ المجتمع الدولي بما وصفه بالاعتداءات. كما أفادت التغطية بأن إثيوبيا نفت اتهامات سابقة مماثلة، وأكدت احترامها سيادة السودان.

غير أن رويترز لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من بيانات الطيران أو تحديد مصدر المسيّرات، وهو ما يستدعي الفصل بين الاتهام الرسمي وبين الإثبات المستقل للمسؤولية. كما ينبغي التمييز بين اتهام الدولة الإثيوبية بالتورط، وإثبات مسؤولية جهات محددة عن كل هجوم على حدة.

وتكمن خطورة التطور في أنه يأتي في سياق الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023، التي أصبحت تتداخل مع حسابات إقليمية وتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد سبق أن اتهم السودان إثيوبيا والإمارات بالتورط في هجمات بطائرات مسيّرة على مطار الخرطوم في مايو 2026، بينما رفضت إثيوبيا الاتهامات آنذاك، ولم تتمكن رويترز من التحقق منها بصورة مستقلة.

وتزداد حساسية القضية إذا ثبت استخدام أراضي دولة مجاورة منصةً لشن هجمات على منشآت داخل السودان؛ لأن ذلك سيحوّل النزاع من حرب داخلية إلى أزمة أمنية إقليمية، ويطرح أسئلة تتعلق بالسيادة والمسؤولية الدولية وأمن المدنيين والبنية التحتية الحيوية.

الدلالة الاستراتيجية: يمثل الاتهام السوداني تطوراً بالغ الأهمية، لكنه لا ينبغي أن يُعامل بوصفه حقيقة نهائية قبل التحقق المستقل من الأدلة الفنية ومسارات الطيران ومواقع الإطلاق. وإذا تعززت الأدلة، فقد تتجه الأزمة إلى مستوى دبلوماسي وأمني أشد خطورة، بما يشمل الاحتجاجات الرسمية والتحركات الإقليمية ومراجعة الترتيبات الأمنية على الحدود.

أما إذا بقيت الاتهامات دون تحقق مستقل، فإن استمرار تبادلها قد يفاقم انعدام الثقة ويزيد فرص سوء التقدير، خصوصاً في ظل تداخل النزاع السوداني مع المنافسة الإقليمية.

المحور السادس: الاتصال المصري–الإريتري وتأكيد دعم سيادة إريتريا

في 27 أكتوبر 2026، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً بنظيره الإريتري عثمان صالح، أكد خلاله موقف مصر الداعم لسيادة إريتريا ووحدتها وسلامة أراضيها.

ووفقاً لبيان وزارة الخارجية المصرية، تناول الاتصال تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والتجاري وتشجيع الاستثمارات، إلى جانب مناقشة التطورات في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. كما أكد الوزيران أن أمن البحر الأحمر وحوكمته مسؤولية الدول المطلة عليه.

ويأتي هذا الاتصال امتداداً لمواقف مصرية سابقة؛ إذ أكدت القاهرة وأسمرة في مشاوراتهما خلال سبتمبر 2026 أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة، وأن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها يمثل أساساً للاستقرار الإقليمي.

ويكتسب التأكيد المصري أهمية خاصة في ظل تصاعد الخلاف الإثيوبي–الإريتري حول الوصول إلى البحر الأحمر، ومخاوف أسمرة من أن تتحول المطالب الإثيوبية البحرية إلى ضغط يمس سيادتها. كما يتقاطع الموقف المصري مع مصالح القاهرة في الحفاظ على أمن البحر الأحمر ومنع أي ترتيبات أحادية تؤدي إلى زعزعة استقرار الدول المطلة عليه.

لكن من الضروري التمييز بين الموقف المصري المعلن وبين الاستنتاجات المتعلقة بطبيعة أي ترتيبات عسكرية أو تحالفات مستقبلية. فالتأكيد على السيادة الإريترية لا يعني بحد ذاته وجود اتفاق عسكري جديد، ولا يثبت أن مصر تستعد لمواجهة مباشرة مع إثيوبيا.

الدلالة الاستراتيجية: تسعى القاهرة إلى توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أن أمن البحر الأحمر لا ينبغي أن يُعاد تشكيله عبر فرض الأمر الواقع أو تجاوز سيادة الدول الساحلية. كما يتيح التقارب المصري–الإريتري تعزيز التنسيق الدبلوماسي والاقتصادي في منطقة تتزايد فيها المنافسة الدولية والإقليمية.

وفي حال استمرار التصعيد الإثيوبي–الإريتري، قد يزداد وزن التنسيق المصري مع أسمرة، لكنه سيظل مرتبطاً بتطورات الأزمة وحسابات الأطراف وقدرتها على تجنب المواجهة المباشرة.

المحور السابع: المواجهات في أمهرا وتيغراي — اتساع الحرب الداخلية وتراجع فرص الاستقرار
لا يمكن قراءة الصفقات العسكرية الإثيوبية بمعزل عن تطورات الجبهات الداخلية، إذ تتزامن مع استمرار القتال في إقليمي أمهرا وتيغراي، وتزايد الضغوط على القوات الفيدرالية وخطوط الإمداد، واستمرار الانقسام السياسي حول مستقبل الحكم المحلي في تيغراي.

أولاً: جبهة أمهرا وتصاعد المواجهات مع فانو

شهد إقليم أمهرا خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر مواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات فانو في مناطق متعددة، ولا سيما جنوب غوندار ومحيط الطرق التي تربط الإقليم ببحر دار ومناطق أخرى في شمال البلاد.

ووفقاً لتقارير «مشروع التهديدات الحرجة» ومتابعات محلية نشرتها وسائل إعلام إثيوبية، امتدت الاشتباكات إلى مناطق من بينها أديس زيمين وكيمير دينغاي وهاموسيت وأمبسامه ومحيط غونّا وليبو كيمكم. كما أفادت تقارير محلية بوقوع اشتباكات حول طرق رئيسية وفرعية، مع ورود ادعاءات عن إغلاق بعض المقاطع نتيجة القتال، وهي تفاصيل لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل.

وتشير تقارير متابعة النزاع إلى أن فانو كثفت عملياتها ضد مواقع القوات الفيدرالية وخطوط الإمداد في شمال أمهرا، في محاولة للضغط على الحكومة وإرباك تحركاتها العسكرية. وفي المقابل، تواصل القوات الحكومية عملياتها لتثبيت السيطرة على الطرق والمراكز الحضرية.

ولا تقتصر أهمية هذه المواجهات على السيطرة على المدن، بل تمتد إلى قدرة الحكومة على نقل القوات والإمدادات بين أمهرا وتيغراي، وعلى إبقاء الطرق التي تربط بحر دار بالمناطق الشمالية مفتوحة وآمنة.

الدلالة الاستراتيجية: استمرار القتال في أمهرا يفرض على الحكومة توزيع قواتها بين جبهات متعددة، ويحد من قدرتها على تركيز مواردها على تيغراي أو الحدود الإريترية. كما أن اتساع العمليات قرب الطرق الرئيسية قد يؤثر في التجارة وحركة المدنيين والإمدادات، ويزيد تكلفة إدارة النزاع.

ثانياً: تيغراي — تقدم القوات الفيدرالية واستمرار المقاومة

شهد إقليم تيغراي خلال الفترة من 22 إلى 28 أكتوبر تصاعداً في المواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات الدفاع عن تيغراي، في ظل استمرار الخلاف حول تنفيذ اتفاق بريتوريا ومستقبل الإدارة الإقليمية.

ووفقاً لتحديثات «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED)، استعادت القوات الفيدرالية مناطق ريفية في وسط تيغراي، بينها مناطق في أدت وزانا، بعد انسحاب قوات تيغراوية منها. كما وقعت مواجهات في محيط إداغا عربي بمنطقة أهفيروم، وفي مناطق أخرى بوسط الإقليم.

وأفاد تقرير «مشروع التهديدات الحرجة» الصادر في 27 أكتوبر بأن القوات الفيدرالية ألقت القبض على عدد من القادة العسكريين التيغراويين، من بينهم اللواء يوهانس وولديغيورغيس، المعروف باسم «جون ميديد»، إلى جانب ضباط آخرين. وذكرت المصادر أن جبهة تحرير شعب تيغراي اتهمت القائد بالتخلي عنها والانضمام إلى الحكومة الفيدرالية، بينما تحدثت مصادر أخرى عن وقوعه في الأسر أو استسلامه؛ ولذلك ينبغي التعامل مع التفاصيل الدقيقة للعملية وفقاً للمعلومات المتاحة من كل طرف.

وفي المقابل، أشارت تقارير ميدانية إلى استمرار الاشتباكات في مناطق شمال غرب تيغراي، بما في ذلك المحاور القريبة من شيرارو ومحيط شيري، مع تضارب التقارير بشأن السيطرة على بعض المواقع.
وتتزامن العمليات العسكرية مع محاولة الإدارة المؤقتة المدعومة من الحكومة الفيدرالية إعادة تشغيل المؤسسات والخدمات العامة. فقد أفادت ACLED في 26 أكتوبر بأن الإدارة طلبت إعادة فتح المدارس وتسجيل الموظفين المدنيين، وأن بعض المدارس الخاصة في ميكيلي استأنفت الدراسة.

غير أن إعادة تشغيل الخدمات لا تعني انتهاء الصراع. فقد أظهرت تقارير أسوشيتد برس أن الإدارة المؤقتة دعت مقاتلي تيغراي إلى إلقاء السلاح والعودة إلى الحياة المدنية، في حين أعلن قائد عسكري استمرار المقاومة، بما يعكس استمرار الانقسام بشأن مستقبل الإقليم وعلاقته بالحكومة المركزية.

الدلالة الاستراتيجية يمثل التقدم الفيدرالي في بعض مناطق تيغراي مكسباً ميدانياً للحكومة، لكنه لا يضمن إنهاء التمرد. فقد تستمر قوات تيغراوية في القتال من المناطق الريفية والجبلية، أو تعيد تنظيم صفوفها وتستهدف خطوط الإمداد. كما أن نجاح الإدارة المؤقتة سيعتمد على قدرتها على استعادة الخدمات وبناء شرعية محلية، لا على السيطرة العسكرية وحدها.

ثالثاً: العلاقة بين جبهتي أمهرا وتيغراي
تكشف التطورات في الإقليمين عن ترابط متزايد بين العمليات العسكرية وخطوط الإمداد والتحالفات المعارضة للحكومة. فالمواجهات في أمهرا قد تعرقل حركة القوات والإمدادات المتجهة إلى تيغراي، بينما يمكن لتحركات قوات تيغراوية في المناطق الحدودية أن تزيد الضغط على القوات الفيدرالية في شمال أمهرا.
وقد أشار «مشروع التهديدات الحرجة» إلى تنافس القوات الحكومية والجماعات المسلحة على بعض الطرق والمحاور التي تربط المناطق الشمالية والوسطى، في حين أظهرت متابعات ACLED استمرار الاشتباكات في وسط تيغراي ومناطق من جنوب غوندار.
لكن هذه التطورات لا تثبت بالضرورة وجود قيادة موحدة أو تنسيق كامل بين جميع الجماعات المسلحة. فالتقاطع الميداني بين مصالحها لا يلغي الاختلافات السياسية والتنظيمية بينها.

الدلالة الاستراتيجية:
تكمن المعضلة أمام الحكومة الإثيوبية في إدارة جبهات متزامنة، مع الحفاظ على خطوط الإمداد ومنع تشكل مناطق نفوذ مسلحة متصلة. وإذا استمرت المواجهات في أمهرا وتيغراي بالتوازي مع التوتر مع إريتريا، فقد تتعرض قدرة الدولة على تركيز قواتها واستدامة عملياتها لضغوط متزايدة.

المحور الثامن: السيناريوهات المستقبلية ومآلات التوازن الإقليمي السيناريو الأول: تعزيز الردع الإثيوبي مع احتواء التوتر الإقليمي

تنجح إثيوبيا في إدخال المقاتلات الجديدة إلى الخدمة تدريجياً، وتعزز قدراتها الدفاعية، بينما تتجنب المواجهة المباشرة مع مصر وإريتريا والسودان. وفي هذا السيناريو، توظف أديس أبابا التحديث العسكري لتحسين موقعها التفاوضي وحماية مجالها الجوي، مع السعي إلى تسوية الخلافات الإقليمية عبر الوساطة.

ويظل تحقق هذا السيناريو مرهوناً بقدرة الحكومة على ضبط الخطاب السياسي، وإدارة التوترات الحدودية، وتوفير التمويل اللازم لتشغيل المعدات الجديدة.

المقالة السابقة

السودان وروسيا.. ما وراء لقاء البرهان وبوتين ؟ البحر الأحمر ومعادن الأرض والسكك الحديدية.. ملامح تحالف استراتيجي يعيد رسم موقع السودان في معادلة النفوذ الدولي .. د. نجلاء حسين المكابرابي

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6366 | المعارضة برئاسة حمدوك لن تقبل الحوار مع الحكومة ولو جاء مبرأً من كل عيب !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *