Popular Now

وجه الحقيقة |المجتمع بعد الحرب: ما الذي تبقى منا؟ .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

رسالة فكرية من مواطن سوداني يحب المملكة العربية السعودية وتخرج في احدي جامعاتها العريقة جامعة الكنز المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالي .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

الثروة الحيوانية في السودان .. أولوية التطوير قبل منطق الاستثمار .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني .. خبير تنمية المجتمع والإدارة .. أستاذ جامعي – مدرب ومستشار تنموي

يُعدّ السودان من الدول القليلة في الإقليم التي تمتلك ثروة حيوانية بهذا الحجم والتنوع الكثير من الأنعام الأربعة، فضلًا عن الخيل، والبغال، والحمير والدواجن، إضافة إلى ثروة سمكية ومراعي طبيعية شاسعة. غير أن هذه الوفرة، على أهميتها، لم تتحول بعد إلى قوة تنموية حقيقية أو ميزة تنافسية مستدامة.

خلال الفترة الأخيرة، تصاعد الخطاب الرسمي حول استثمار الثروة الحيوانية وتسويقها وتصديرها، وهو توجه مفهوم في ظل الحاجة الملحّة للنقد الأجنبي ودعم الاقتصاد الوطني. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في مبدأ الاستثمار ذاته، بل في تقديم منطق السوق على منطق التنمية، أي القفز مباشرة إلى التسويق قبل بناء قاعدة إنتاجية صحية، مستقرة، وقابلة للاستدامة.

إشكالية الخلط بين العقلية التجارية والعقلية التنموية

العقلية التجارية بطبيعتها تبحث عن العائد السريع، وحجم الصادرات، وفتح الأسواق، بينما تقوم العقلية التنموية على:

  • تحسين الإنتاجية،
  • رفع الجودة،
  • ضمان الاستدامة،
  • حماية المورد للأجيال القادمة.

وعندما تطغى الأولى على الثانية، يصبح الاستثمار قصير الأجل، هشًّا، ومعرّضًا للانهيار عند أول أزمة صحية أو بيئية أو سوقية. فالتسويق، مهما كان ذكيًا، لا يستطيع أن يعوّض ضعف القاعدة الإنتاجية.

معادلة لا تقبل الجدل

تُجمع التجارب الدولية على حقيقة واحدة:

لا نجاح مستدام للتسويق دون سياسة إنتاجية قوية.

فبدون حيوان سليم صحيًا، وبرامج تحسين وراثي، وإدارة علمية للمراعي، وسلاسل قيمة متكاملة، فإن التصدير يتحول إلى استنزاف للثروة لا إلى تنميتها.

دروس من التجارب العالمية

  • نيوزيلندا لم تصبح قوة عالمية في تصدير اللحوم والألبان عبر فتح الأسواق أولًا، بل عبر عقود من الاستثمار في البحث العلمي البيطري، وتحسين السلالات، وربط المزارع الصغيرة بنظم إنتاج ذكية.
  • البرازيل سبقت طفرتها التصديرية ببرنامج وطني صارم للصحة الحيوانية ومكافحة الأوبئة، ما منح منتجاتها ثقة الأسواق العالمية.
  • هولندا، رغم ضيق مساحتها، ركزت على النوعية والقيمة المضافة، فأصبحت من أكبر مصدري المنتجات الحيوانية في العالم.

هذه الدول لم تبدأ بالسؤال: أين نبيع؟
بل بالسؤال الأهم: ماذا ننتج؟ وبأي جودة؟ ولأي مدى زمني؟

ما الذي يحتاجه السودان اليوم؟

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في قلة الموارد، بل في غياب الرؤية المتوازنة بين الإنتاج والتسويق. ومن هنا تبرز جملة من الأولويات الاستراتيجية:

  • وضع استراتيجية وطنية شاملة لتنمية الثروة الحيوانية تكون مرجعية لكل برامج الاستثمار.
  • إعادة الاعتبار للبحث العلمي البيطري وربطه مباشرة بصانع القرار.
  • الانتقال من تصدير الحيوانات الحية إلى تعظيم القيمة المضافة (لحوم مصنّعة، ألبان، جلود).
  • تبنّي منهج سلاسل القيمة بدل التركيز على التصدير الخام.
  • تمكين صغار المنتجين والرعاة بوصفهم العمود الفقري الحقيقي للثروة الحيوانية.
  • توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التتبع الصحي والإنتاجي.
  • تحقيق توازن واضح بين السياسات الإنتاجية والسياسات التسويقية ضمن منظور تنموي طويل الأمد.

خلاصة القول

السودان لا يحتاج فقط إلى أسواق جديدة، بل إلى إعادة بناء فلسفة إدارة ثروته الحيوانية. فالثروة التي لا تُنمّى تُستنزف، والاستثمار الذي لا يستند إلى قاعدة إنتاجية متينة يتحول إلى عبء بدل أن يكون فرصة.

إن بناء ثروة حيوانية قوية هو مشروع دولة، لا صفقة سوق، وهو رهان على المستقبل قبل أن يكون استجابة لضغوط الحاضر.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | السودان: معضلة الإغاثة والإدانة الدولية .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

السودان في عين العاصفة الإقليمية: قراءة في “جيوسياسية” الحدود وصراع البوابات البحرية .. بقلم/ د. محمد الخاتم تميم .. باحث أكاديمي وزميل بحثي سابق بجامعة درهام – بريطانيا

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *