Popular Now

قراءة في واقع السودان الآن: بين وضوح الحاضر وأوهام التأويل .. بقلم: د.أحمد الطيب السماني. أستاذ الإدارة والتنمية

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (1-2) .. بقلم: العبيد أحمد مروح

سلسلة الحرب على السودان (25)-2 .. مؤتمر برلين إعادة تشكيل المشهد أم تكريس الفوضى المُدارة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

سلسلة الحرب على السودان (25)-2 .. مؤتمر برلين إعادة تشكيل المشهد أم تكريس الفوضى المُدارة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

أولاً: مدخل عام – مؤتمر بلا دولة
انعقد مؤتمر برلين الثالث حول السودان في ظل مفارقة مركزية:
نقاش مستقبل دولة في غياب تمثيلها الرسمي الحقيقي أو تهميشه.
ورغم الحشد الدولي الكبير (أكثر من 55 دولة ومنظمات أممية وإقليمية)، إلا أن بنية المؤتمر تعكس تحولًا عميقًا في طريقة إدارة الأزمة السودانية، حيث:
تم نقل مركز القرار من الدولة إلى الفاعلين الدوليين
إعادة تعريف “الشرعية” عبر قنوات مدنية مختارة خارجيًا
ربط الحل السياسي بالمسار الإنساني بدلًا عن المسار السيادي
وهذا يمثل تحولًا استراتيجيًا من منطق دعم الدولة إلى إدارة الأزمة دون الدولة.
ثانياً: التغير البنيوي في مؤتمر برلين (من الدعم إلى الهندسة)
1. من الإغاثة إلى إعادة هندسة النظام السياسي
لم يعد المؤتمر منصة إنسانية فقط، بل أصبح أداة لـ:
فرض مسار سياسي بديل
تشكيل قيادة مدنية جديدة
تجاوز المؤسسات السيادية
2. بروز “الخماسية” كفاعل فوق الدولة
(الاتحاد الإفريقي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الإيغاد، جامعة الدول العربية)
هذا التكتل يمارس دورًا يشبه:
“حكومة ظل دولية”
إدارة الحوار السياسي
تحديد من هو “المدني المقبول”
ثالثاً: إشكالية التمثيل المدني – من يمثل السودان؟
تظل أسئلة جوهرية بلا إجابة:
من اختار المشاركين المدنيين؟
هل يمثلون فعلاً المجتمع السوداني؟
هل شاركت الولايات السودانية؟
وأين تمثيل:
اللاجئين السودانيين
النازحين داخليًا
القطاع الخاص ورجال الأعمال
المؤسسات المهنية
النتيجة:
تم خلق تمثيل انتقائي يهدف إلى إنتاج نخبة سياسية متوافقة مع الرؤية الدولية، لا مع الواقع السوداني.
رابعاً: تجاوز مؤسسات الدولة – تفكيك ناعم للسيادة
تم التعامل مع قطاعات حيوية (الصحة، التعليم، العمل الإنساني) عبر:
المنظمات الدولية
الشبكات المحلية المرتبطة بها
غرف الطوارئ
دون المرور عبر:
وزارات الدولة المختصة
مفوضية العون الإنساني
الهلال الأحمر السوداني
الدلالة:
نموذج “الدولة الموازية” حيث يتم استبدال وظائف الدولة تدريجيًا.
خامساً: التمويل الإنساني – أداة نفوذ
تم الإعلان عن 1.5 مليار يورو، لكن:
التمويل مشروط سياسيًا
يمر عبر قنوات غير سيادية
يُستخدم كأداة تأثير سياسي
من يسيطر على المساعدات، يسيطر على القرار.
سادساً: غياب الإدانة وانتقائية الخطاب الدولي
برز غياب واضح لإدانة أدوار إقليمية محددة، وعلى رأسها:
الإمارات العربية المتحدة
رغم تصاعد الاتهامات بشأن:
دعم لوجستي وعسكري
استهداف البنية التحتية (الكهرباء والوقود)
تعميق الأزمة الإنسانية
الدلالة:
هذا الصمت يعكس:
تشابك المصالح الدولية
استخدام “الصمت الدبلوماسي” كأداة توازن
إدارة الصراع بدلًا من حله
سابعاً: إشكالية المساواة بين الأطراف
الخطاب الدولي الذي يدعو “جميع الأطراف” لوقف الانتهاكات يؤدي إلى:
مساواة بين الدولة وفاعل مسلح غير نظامي
إضعاف مفهوم الشرعية
تشويش صورة المسؤولية
رغم وجود جهود لإعادة الخدمات وفتح المرافق الحيوية، خاصة في العاصمة.
ثامناً: الحرب على البنية التحتية
تحول الصراع إلى حرب تستهدف:
الكهرباء
الوقود
المرافق العامة
النتائج:
إنهاك الدولة
زيادة معاناة المدنيين
تعطيل الحياة اليومية
وفي المقابل، تسهم جهود المهندسين والعاملين في قطاع الكهرباء في إعادة الأمل تدريجيًا.
تاسعاً: ملف المعتقلين والانتهاكات
يغيب هذا الملف عن المؤتمرات الدولية رغم أهميته، ويشمل:
المعتقلين المدنيين
الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز
وفيات داخل السجون
إضافة إلى:
أحداث العنف ذات الطابع العرقي في دارفور والجزيرة
الدلالة:
هناك فجوة واضحة بين الواقع الميداني والخطاب الدولي.
عاشراً: الاتحاد الإفريقي وأزمة المصداقية
يتأثر دور الاتحاد الإفريقي بسوابق، خاصة في:
إثيوبيا
حيث أظهر محدودية في التعامل مع أزمات كبرى، مما يثير تساؤلات حول:
الحياد
القدرة على الوساطة
أدوات التنفيذ
الحادي عشر: البعد الاستخباراتي والعسكري
تشير المعطيات إلى:
1. تدويل الصراع
وجود شركات أمنية خاصة
تدخلات إقليمية
نقل خبرات عسكرية
2. حرب تكنولوجية
أنظمة مراقبة متقدمة
استخدام الطيران المسيّر
بيئة قتال هجينة
3. اختراق المنظومات
أي نجاح في تعطيل هذه الأنظمة يعكس:
تفوقًا استخباراتيًا
قدرة على كسر منظومات القيادة والسيطرة
الثاني عشر: لماذا فشل مؤتمر برلين سياسيًا؟
رغم نجاحه ماليًا، فشل سياسيًا بسبب:
غياب الإجماع الدولي
تضارب المصالح
تهميش الدولة
ضعف التمثيل الحقيقي
فصل المسار الإنساني عن السياسي
السيناريوهات المستقبلية
1. سيناريو التفكك البنيوي لقوات الدعم السريع
تصاعد الانشقاقات
تآكل القيادة
تراجع الدعم الخارجي
مع دمج تدريجي في الجيش السوداني
التقييم: مرجّح.
2. سيناريو التعرية السياسية الناعمة
كشف الانتهاكات
فقدان الحاضنة الاجتماعية
عزل سياسي تدريجي
النتيجة: إضعاف دون مواجهة شاملة.
3. سيناريو الحسم السياسي–الدبلوماسي
ضغوط دولية
تسوية مفروضة
إعادة تشكيل السلطة
المخاطر: هشاشة وعدم استقرار.
4. سيناريو الاستنزاف الممتد
استمرار الحرب
إدارة الأزمة بالمساعدات
غياب الحسم
خاتمة
يكشف مؤتمر برلين الثالث أن السودان أصبح ساحة:
لتقاطع المصالح الدولية وإعادة تشكيل النفوذ،
باستخدام أدوات إنسانية وسياسية وعسكرية.
وفي ظل:
غياب الإدانة الواضحة
تضارب المصالح
تجاوز الدولة
يبقى السودان أمام خيارين:
إما استعادة الدولة من الداخل،
أو إعادة تشكيلها من الخارج.

📧 alzomzami.research@gmail.com

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. حياة المعنى … وموت الإنسان البطيء .. بقلم: محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (1-2) .. بقلم: العبيد أحمد مروح

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *