Popular Now

قراءة في واقع السودان الآن: بين وضوح الحاضر وأوهام التأويل .. بقلم: د.أحمد الطيب السماني. أستاذ الإدارة والتنمية

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (1-2) .. بقلم: العبيد أحمد مروح

سلسلة الحرب على السودان (25)-2 .. مؤتمر برلين إعادة تشكيل المشهد أم تكريس الفوضى المُدارة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

قراءة في مؤتمر برلين حول السودان وتداعياته على السيادة والعلاقات الدولية .. بقلم: إبراهيم كرار – برلين

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتقاطع تحديات الحرب مع رهانات إعادة بناء الدولة، جاء انعقاد مؤتمر برلين حول السودان ليطرح أسئلة جوهرية تتجاوز مخرجاته المعلنة، وتمس في عمقها طبيعة النظام الدولي، وحدود احترام سيادة الدول، ومعايير التعامل مع الحكومات الشرعية.

لم يكن الاعتراض السوداني على المؤتمر شكلياً أو بروتوكولياً، بل تأسس على مسألة مبدئية: كيف يمكن مناقشة مستقبل دولة دون إشراك حكومتها؟ وكيف يمكن السعي إلى بناء سلام مستدام عبر منصات تُقصي الفاعل الرئيسي وتفتح المجال لأطراف أخرى لا تحمل صفة الشرعية؟

هذه الأسئلة لا تعكس فقط موقفاً سياسياً، بل تكشف عن خلل متزايد في مقاربة بعض القوى الدولية للأزمات في العالم النامي، حيث يُعاد إنتاج أنماط تدخل تُذكّر، بشكل أو بآخر، بإرث الوصاية السياسية التي يفترض أن العالم قد تجاوزها.

تغييب الحكومة: خلل في المنهج لا في التفاصيل

إن استبعاد الحكومة السودانية من مؤتمر دولي يُعنى مباشرة بمستقبل البلاد، لا يمكن تفسيره كخلاف تقني أو سوء تنسيق. بل هو تعبير عن منهج يرى أن الحلول يمكن صياغتها خارج مؤسسات الدولة، أو حتى بمعزل عنها.

لكن التجارب الدولية، من أفغانستان إلى ليبيا، أثبتت أن أي عملية سياسية لا تستند إلى مؤسسات الدولة الوطنية محكوم عليها بالفشل أو الهشاشة في أفضل الأحوال. فالدولة، رغم كل التحديات، تظل الإطار الوحيد القادر على تحويل التفاهمات السياسية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

وفي الحالة السودانية، فإن تجاهل الحكومة لا يؤدي فقط إلى إضعافها، بل يفتح الباب أمام شرعنة واقع موازٍ، تُمنح فيه أطراف غير رسمية مساحة تتجاوز وزنها الحقيقي، وهو ما يهدد وحدة الدولة نفسها.

معادلة مقلقة: الدولة في مواجهة “أطراف مكافئة”

من أخطر ما أفرزته مقاربة مؤتمر برلين، هو الإيحاء بوجود نوع من “التكافؤ” بين الدولة السودانية، بمؤسساتها المعترف بها دولياً، وبين أطراف مسلحة أو سياسية خارج إطار الشرعية.

هذه المقاربة، حتى وإن لم تُعلن صراحة، تحمل في طياتها تداعيات خطيرة. فهي تضعف مفهوم الدولة، وتبعث برسائل سلبية ليس فقط للسودان، بل لكل الدول التي تواجه تحديات داخلية، مفادها أن الشرعية يمكن تجاوزها، وأن المجتمع الدولي مستعد للتعامل مع “وقائع القوة” بدلاً من “قواعد القانون”.
وهذا التحول، إذا ما استمر، سيقوض أسس النظام الدولي نفسه، الذي يقوم – نظرياً على الأقل – على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

تمويل بلا شراكة: مفارقة تثير التساؤلات
من النقاط التي أثارت جدلاً واسعاً أيضاً، مسألة تخصيص موارد ودعم مالي مرتبط بمخرجات المؤتمر، في ظل غياب الحكومة السودانية عن طاولة النقاش.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات مشروعة: كيف يمكن ضمان توجيه هذه الموارد بشكل فعّال دون التنسيق مع المؤسسات الرسمية؟ ومن سيتحمل مسؤولية تنفيذ البرامج؟ وكيف يمكن تجنب تسييس المساعدات أو توظيفها في اتجاهات تزيد من تعقيد المشهد؟
إن أي دعم دولي، مهما كانت نواياه، يفقد قيمته إذا لم يُبْنَ على شراكة حقيقية مع الدولة المعنية. بل قد يتحول، في بعض الحالات، إلى عامل إضافي لعدم الاستقرار.
العلاقات السودانية – الألمانية: الحاجة إلى مراجعة هادئة ولكن حازمة
تُعد ألمانيا من الدول ذات الثقل السياسي والاقتصادي في أوروبا، كما لعبت تاريخياً أدواراً مهمة في دعم الاستقرار والتنمية في العديد من المناطق. غير أن التطورات الأخيرة تفرض على السودان إعادة تقييم طبيعة هذه العلاقة.
لا يتعلق الأمر بردود فعل انفعالية، بل بمراجعة استراتيجية قائمة على مبدأ المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ. ومن هذا المنطلق، تبرز أدوات دبلوماسية مشروعة يمكن استخدامها لإيصال رسالة واضحة، مثل:
• استدعاء السفير للتشاور
• مراجعة مستوى التمثيل الدبلوماسي
• إعادة تقييم أطر التعاون السياسي والتنموي
هذه الخطوات لا تعني القطيعة، بل تهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بما ينسجم مع قواعد العمل الدبلوماسي المتعارف عليها.

البعد الأوروبي: هل نحن أمام نمط أوسع؟
ما حدث في برلين لا يمكن عزله عن سياق أوروبي أوسع في التعاطي مع الأزمات الإقليمية. فهناك توجه متزايد نحو إدارة الملفات عبر تحالفات ومنصات متعددة الأطراف، أحياناً على حساب القنوات الثنائية التقليدية مع الدول المعنية.
هذا النهج، رغم ما يحمله من مزايا تنظيمية، قد يؤدي في بعض الحالات إلى تهميش الأطراف الأساسية، خاصة إذا لم يتم تصميمه بعناية تأخذ في الاعتبار خصوصية كل أزمة.
وفي حالة السودان، يبدو أن هذا التوازن لم يتحقق، وهو ما يستدعي نقاشاً أعمق بين السودان وشركائه الأوروبيين حول أسس التعاون المستقبلي.

بين الضغط الشعبي والحراك السياسي
لا يمكن تجاهل أن التحركات السياسية تتقاطع أحياناً مع حراك شعبي وإعلامي يعكس حجم الاحتقان أو الرفض. فالتظاهرات والفعاليات التي رافقت المؤتمر، بما في ذلك تلك التي شهدتها برلين، تعكس وجود رأي عام نشط يسعى للتأثير على مسار النقاش.
لكن التحدي يكمن في ترجمة هذا الزخم إلى مواقف سياسية مدروسة، توازن بين التعبير عن الرفض، والحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة.
نحو مقاربة مختلفة: من الإقصاء إلى الشراكة
إذا كان الهدف الحقيقي للمجتمع الدولي هو دعم السودان في تجاوز أزمته، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر تجاوز حكومته، بل عبر العمل معها، حتى في ظل الخلافات.
المطلوب ليس توافقاً كاملاً، بل إطار عمل يعترف بدور الدولة ويشركها في صياغة الحلول. فبدون ذلك، ستظل أي مبادرة معرضة لفقدان الشرعية الداخلية، وبالتالي الفعالية.

خاتمة: اختبار حقيقي لمفهوم السيادة
ما جرى في مؤتمر برلين ليس حدثاً عابراً، بل اختبار حقيقي لمدى التزام النظام الدولي بمبادئه المعلنة. كما أنه يشكل فرصة للسودان لإعادة تعريف علاقاته الخارجية على أسس أكثر وضوحاً.
بين التصعيد غير المحسوب والتساهل غير المجدي، يبقى الخيار الأمثل هو اتباع دبلوماسية نشطة، واثقة، وقادرة على الدفاع عن المصالح الوطنية دون الانزلاق إلى عزلة غير ضرورية.
في نهاية المطاف، لا يمكن بناء سلام مستدام في السودان من الخارج، ولا يمكن فرضه دون إرادة الدولة ومؤسساتها. وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة، مهما حسنت نواياها، ستبقى قاصرة عن تحقيق الهدف المنشود.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | برلين… أزمة جيل أم عطب فكرة؟.. بقلم: إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. حياة المعنى … وموت الإنسان البطيء .. بقلم: محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *