Popular Now

قراءة في واقع السودان الآن: بين وضوح الحاضر وأوهام التأويل .. بقلم: د.أحمد الطيب السماني. أستاذ الإدارة والتنمية

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (1-2) .. بقلم: العبيد أحمد مروح

سلسلة الحرب على السودان (25)-2 .. مؤتمر برلين إعادة تشكيل المشهد أم تكريس الفوضى المُدارة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

قراءة في واقع السودان الآن: بين وضوح الحاضر وأوهام التأويل .. بقلم: د.أحمد الطيب السماني. أستاذ الإدارة والتنمية

فيه خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يقف السودان عند مفترق تاريخي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع إعادة تشكيل النظام الدولي، وتفرض الوقائع الجديدة نفسها بوصفها معطيات لا تقبل التأجيل ولا تحتمل القراءة الانتقائية. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية منهجية عميقة في قراءة الواقع السوداني، تتمثل في الميل إلى تفسير الحاضر عبر إسقاطات الماضي، أو عبر تأويلات جزئية تستند إلى ما هو متشابه ومحتمل، مع إغفال ما هو واضح وثابت من حقائق.

إن المقاربة العلمية الرصينة تقتضي الانطلاق من قاعدة معرفية راسخة مفادها أن تحليل الواقع يجب أن يُبنى على المحكم لا المتشابه؛ أي على الوقائع الملموسة والمؤشرات القابلة للقياس، لا على الانطباعات أو التفسيرات المتحيزة. فالأمم التي تتعثر في مسارها التنموي غالبًا ما تقع في هذا الخلل المنهجي: إذ تنشغل بتأويل الأحداث بدل تفكيكها، وتغرق في سرديات الماضي بدل استيعاب تحولات الحاضر.

السودان اليوم ليس هو السودان بالأمس؛ لا من حيث البنية الاجتماعية، ولا من حيث الاقتصاد السياسي، ولا من حيث موقعه في خارطة التفاعلات الإقليمية والدولية. فالعالم من حوله يشهد انتقالًا نوعيًا نحو اقتصاد المعرفة، وتسارعًا غير مسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحولات في أنماط الحكم والإدارة، حيث أصبحت الكفاءة المؤسسية، والمرونة التنظيمية، والقدرة على التكيف، هي معايير البقاء والتنافس.

وفي مقابل هذه التحولات، لا يزال جزء من الخطاب العام أسيرًا لثنائيات تقليدية وتفسيرات تاريخية لا تسعف في فهم الواقع الراهن، بل قد تعيق استجابته الفعّالة. إن استدعاء الماضي بوصفه مرجعية تفسيرية وحيدة، دون إخضاعه للنقد والتحليل، يُفضي إلى نوع من الجمود المعرفي، ويحول دون إنتاج رؤى استراتيجية قادرة على التعامل مع التعقيد الحالي.

من منظور علمي، يمكن توصيف هذه الحالة بأنها انحياز معرفي نحو التأويل الانتقائي (Selective Interpretation Bias)، حيث يتم تضخيم بعض الوقائع الجزئية أو الرمزية، وإهمال المؤشرات الكلية التي تعكس الاتجاهات الحقيقية. وهذا النمط من التفكير لا يقتصر أثره على المجال الفكري، بل يمتد ليؤثر في عملية اتخاذ القرار على المستويين الفردي والمؤسسي.

إن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب إعادة بناء منهج التفكير العام على أسس علمية، من أبرزها:

اعتماد التحليل القائم على البيانات (Data-Driven Analysis)
التمييز بين الثابت والمتغير في قراءة الظواهر
التعامل مع الواقع بوصفه نظامًا معقدًا (Complex System) لا يُفسر بعامل واحد
تبني التفكير الاستشرافي (Foresight Thinking) بدل التفكير الرجعي

كما أن إعادة تشكيل الوعي الجمعي تستلزم الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الفعل المبادر، ومن الانشغال بتفسير ما حدث إلى التركيز على ما ينبغي أن يحدث. فالدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تكن بالضرورة أقل تعقيدًا من الحالة السودانية، لكنها امتلكت القدرة على قراءة واقعها بموضوعية، واتخاذ قرارات مبنية على فهم عميق للسياق.

إن الرسالة الجوهرية التي ينبغي أن تتشكل في الوعي العام هي أن الحاضر لا يُدار بأدوات الماضي، وأن الغموض لا يمكن أن يكون أساسًا لبناء مستقبل واضح. فحين يُقدَّم المتشابه على المحكم، تضيع البوصلة، ويتحول النقاش العام إلى دائرة مغلقة من الجدل غير المنتج.

وفي الختام، فإن السودان، بما يملكه من موارد بشرية وطبيعية، لا تنقصه الإمكانات بقدر ما يحتاج إلى تحول في منهج التفكير؛ تحول يُعيد الاعتبار للعلم، ويُعلي من شأن الموضوعية، ويُحرر الوعي من أسر التأويلات التي لا تسندها الوقائع. عندها فقط يمكن الانتقال من حالة التوصيف إلى حالة البناء، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

المقالة السابقة

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (1-2) .. بقلم: العبيد أحمد مروح

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *