ما أورده القوني دقلو لا يمكن التعامل معه بوصفه رأي شخصي، بل هو موقف كاشف لطريقة تفكير تختزل التنوع الثقافي السوداني في قالب، واحد وتتعامل مع الأعراف المتجذرة باعتبارها عائقًا يجب كسره لا منظومة قيم يجب احترامها.
قبيلة البني عامر إحدى أعرق قبائل شرق السودان تقوم منظومتها الاجتماعية على مفهوم صارم للكرامة، واحترام المرأة وصون الجسد باعتباره مساحة أخلاقية لا تستباح باسم الفرح ولا الحداثة في أعراف البني عامر، ليست المرأة موضوع عرض اجتماعي ولا ينظر للرقص أو كشف الشعر باعتباره معيارًا للتحرر أو الانتماء، هذا ليس (تشددًا)، بل اختلاف ثقافي مشروع تشترك فيه غالب قبائل الشرق مسلمة كانت أو غير مسلمة.
اللافت في تصريح القوني ليس جهله بهذه الحقائق بل قفزه السريع إلى اتهام جاهز هذا نتاج تربية (الكيزان) هنا نكون أمام ما يمكن تسميته بـفوبيا الكيزان حالة ذهنية ترى في كل قيمة محافظة وكل سلوك اجتماعي متوارث وكل رفض فردي أثرا مباشرا للحركة الإسلامية حتى لو سبق وجودها بقرون هذا النمط من التفكير لا ينتج خطاب دولة بل ينتج استعلاءً ثقافيًا ويكشف عن عجز فكري عن التمييز بين الدين والعُرف والاختيار الشخصي فهل أصبحت المرأة حرة فقط حين تستجيب لرغبة الرجل؟ وهل تقاس العلمانية بمدى قدرة السلطة أو المجتمع على فرض أنماط سلوكية بعينها؟ الدولة التي تحترم الحرية الشخصية لا تجبر امرأة على كشف شعرها، أما تحويل الخلاف الأسري أو الاجتماعي إلى منصة أيديولوجية لتصفية حسابات مع خصم سياسي (الكيزان) فليس مشروع دولة بل سردية شيطنة كسولة تهرب من مواجهة الواقع المركب للمجتمع السوداني.
إن قبائل الشرق ومنها البني عامر لم تستمد قيمها من التنظيمات السياسية الحديثة، بل من تاريخ طويل من التعايش والانضباط الاجتماعي واحترام الخصوصية ومن لا يفهم هذا لن يفهم السودان مهما رفع من شعارات الدولة العلمانية.
ليست المشكلة في (الكيزان) ، بل في عقل مأزومٍ يرى في التنوع تهديدًا، وفي الأعراف جريمة وفي المرأة أداة لإثبات أفكار مستوردة والحرية التي تبدأ بإهانة ثقافة الآخرين تنتهي دائما باستبداد جديد.
حين تختزل الكرامة في رقصة قراءة في تصريح القوني دقلو .. بقلم مستشار/ هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


