Popular Now

قراءة في واقع السودان الآن: بين وضوح الحاضر وأوهام التأويل .. بقلم: د.أحمد الطيب السماني. أستاذ الإدارة والتنمية

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (1-2) .. بقلم: العبيد أحمد مروح

سلسلة الحرب على السودان (25)-2 .. مؤتمر برلين إعادة تشكيل المشهد أم تكريس الفوضى المُدارة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

العيد والحنين إلى السودان .. بقلم/ زهير عبدالله مساعد

في زمن الترحال والتشظي، حيث تتسارع خطى الناس في دروب الغربة والشتات، يبقى السودان الوجهة الذي لا يغيب، والمرفأ الذي لا يخون، والحضن الذي لا يشيخ. عبارة ( السودان) ليس مجرد اسم عابر، بل نداء داخلي يستيقظ في القلوب حين تشتد الغربة ويشتد الحنين، حين ندرك أن الراحة ليست في الفنادق الفخمة ولا في شوارع العواصم الكبرى، بل في زقاق صغير يحمل رائحة الطين بعد المطر، أو في صوت مؤذن يعرف اسمك منذ الصغر. يمنحنا الهوية والدفء وعندما ينادي( يا زول ) تلتف بكلياتك كيان يتسلل إلى تفاصيل يومك، يسكن في لهجتك، في ذاكرتك، في الأشياء التي لا تراها إلا بعين الشوق.

السودان ليس فقط خارطة تُعلّق على الجدار، بل هو ذاكرة، ولهجة أم، ومقهى قديم لا يُقدّم قهوة لذيذة، لكنه يروي حكايات الأصدقاء. هو تلك المدرسة التي كتبت فيها اسمي أول مرة، وهو امي التي ظلت تنتظرني عند الباب حتى بعد أن شاخت الذاكرة.
العيد بعيدًا عن الوطن ليس مجرد مناسبة تمر، بل هو اختبار للحنين، حيث تفقد الزوايا طقوسها، وتغدو التهاني إلكترونية بلا دفء، وتصبح فرحة العيد ناقصة كأن الوطن هو تكملة التكبير.
وتفاصيل قريتي تطاردني حتى في المدن الكبرى…. صوت المؤذن ، صراخ الأطفال في الأزقة الطينية… تسكن الذاكرة وترفض أن تُنسى.

رائحة الشوايا واللحوم في العيد من بلدي ومن أهلي
في العيد، تنتشر في الأجواء رائحة الشوايا واللحوم التي لا تشبه أي رائحة أخرى في العالم. تلك الرائحة ليست مجرد عبير للطعام، بل هي قطعة من بلدي، جزء من ذاكرتي، وعبق ينبعث من قلب أهلي الذين تركتهم خلفي.
كل نفَس من تلك الرائحة يوقظ فيّ حكايات الطفولة، أوقات الفرح، واللقاءات التي لا تُنسى حول مائدة العيد. إنها رائحة لا تحمل فقط نكهات اللحوم المشوية، بل تحمل دفء الأهل، صوت الضحكات، والأحاديث التي تعطر الأمسيات.
حين أستنشق تلك الرائحة في الغربة، أشعر وكأنني أعود إلى بيتي، إلى أصدقائي، وإلى أحبابي. هي الجسر الذي يصلني بوطنٍ بعيد، وبأناس هم جزء من كياني. تلك الرائحة هي وطن آخر، لا يزول مهما تباعدت المسافات.

الحينَ يا قلبي شدّ الرحالْ
كفـى التـيـهَ، وكـفـى الـتـرْحـالْ
إلى الـوطنِ حيثُ رُبا الذكرياتْ
حيثُ الطفولةُ، حيثُ الظلالْ

هواجس الشوق والحنين
حين يغادر الإنسان وطنه، لا يخرج من أرض فقط، بل من ذاكرةٍ جماعية، من رائحة الطفولة، من ملامح الوجوه التي شكلت وعيه الأول. تبدأ هواجس الأوطان في التسلل إليه بهدوء، في تفاصيل بسيطة في صوت لهجة عابرة، في مذاق طعام، أو حتى في لحن قديم يُبث عبر إذاعة بعيدة.
هذه الهواجس لا تأتي على هيئة ألم فوري، بل تنمو مع الوقت، تتحول إلى حالة شعورية معقدة، مزيج من الحنين والقلق، من الحب والخوف، من التقدير والرغبة في الرجوع. الوطن ليس مساحة جغرافية فقط، بل هو شعور بالأمان، بالانتماء، بالتاريخ الشخصي والجماعي، وهوية تتكئ عليها الروح عندما تتعب من التيه.
الشوق للأوطان يشبه ضوءًا خافتًا لا ينطفئ، مهما ابتعدت المسافات، يبقى مشتعلًا في القلب. هو ليس شوقًا للمكان فقط، بل للأيام، للناس، للغة التي تُقال بها المشاعر دون ترجمة، وللأرض التي احتضنت أول دمعة فرح وأول وجع صادق.
وتتجلى هواجس الأوطان في الليل، حين يهدأ كل شيء، وتبقى الذاكرة وحدها مشتعلة. يتساءل الإنسان هل ما زال الطريق ذاته؟ هل ما زال البيت قائمًا؟ هل ما زالت الشجرة القديمة تُثمر؟ وهل تفتقدني الأرصفة كما أفتقدها؟
هذه الأسئلة لا تُطلب إجاباتها بقدر ما يُراد لها أن تُقال، كأنها صلاة صامتة تُقال على عتبات الغربة. فهو امتداد للحب، والشوق ليس ندمًا بل اعتراف بأن الجذور، مهما طال غيابها، تبقى نابضة بالحياة في باطن القلب.
الأمطار في بلدي شوق وحنين
حين تهطل الأمطار في بلدي، لا تكون مجرد قطرات ماء تتساقط من السماء، بل هي شوق وحنين يتسللان إلى الأعماق. رائحة الأرض المبللة تفتح أبواب الذكريات، وتعيد إلى الذاكرة تفاصيل الماضي الجميل، كأن الزمن يتوقف للحظة ليغني مع قطرات المطر.
الأمطار تذكرني بوجوه الناس، بأحاديثهم الدافئة، وبابتساماتهم التي تشرق رغم البرد والغيوم. هي نبض الحي وروحه، هي اللقاءات على أبواب البيوت، وصدى الضحكات في الأزقة. كل قطرة مطر تحمل قصة حب، وتزرع بذور الحنين في القلب.حين يتنغني حمد الريح تسقط الاحرف حولك
أوعه ليل الغربة ينسيك
ريحة الطين في جروفنا
والتميرات البهبن ديمة راقصات في حروفنا
والدعاش والغيم رزازاً في العصير
بالفرح بلل كتوفنا
أنحنا راجعين في المغيرب
للديار ما حد يشوفنا لا نشوفو لا يشوفنا
في بلدي، ليست الأمطار مجرد ظاهرة طبيعية، بل هي لغة تُقرأ بالروح، تعبر عن انتظارات وأماني، وتغسل أعباء الغربة والبعد. معها ينمو الشوق، وتُزرع الأحلام من جديد، في أرض تعشق المطر كما يعشق أبناؤها وطنهم.

المقالة السابقة

دبلوماسية رسائل المخابرات .. بقلم/ لواء ركن متقاعد/ خالد عثمان أبوبكر شانوه

المقالة التالية

عاجل … الي رئيس الوزراء .. بقلم/ سنهوري عيسى

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *