في ظل انعقاد المنتدى الإقليمي الثالث لأصحاب المصلحة المبتكرين في حوض النيل الشرقي “ENTRO” بنيروبي، تتعاظم أهمية تسليط الضوء على التحديات المناخية التي تواجه هذه المنطقة الحيوية. فحوض النيل يُعد من أكثر المناطق تأثرًا بتغير المناخ، ليس فقط بسبب الظواهر البيئية المتسارعة، بل أيضًا بفعل التعقيدات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي تحيط بالموارد المائية المشتركة. إن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعاونًا إقليميًا حقيقيًا يتجاوز المصالح الضيقة، و يسعى إلى بناء رؤية مشتركة قائمة على العدالة و الاستدامة و المسؤولية المتبادلة.
و لا تقتصر الإجراءات المطلوبة لمواجهة التغير المناخي في حوض النيل على التكيف البيئي فحسب، بل تمتد لتشمل تحولات جذرية في نماذج التنمية. و يأتي على رأس هذه الإجراءات استعادة النظم البيئية المتدهورة من خلال حملات التشجير وإعادة تأهيل المناطق المتصحرة، و تبني ممارسات زراعية مرنة تُقلل من استنزاف الموارد، إلى جانب تطبيق تقنيات ري ذكية لترشيد استهلاك المياه. كما تبرز الحاجة إلى بناء أنظمة إنذار مبكر و تبادل المعلومات المناخية بين دول الحوض، بما يتيح التحرك الاستباقي بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة. و على الصعيد الاجتماعي، يظل تمكين المجتمعات المحلية و تعزيز قدرتها على التكيف محورًا أساسيًا، لا سيما حين يتناغم التغيير المجتمعي مع توجهات السياسات العامة.
ولكي تحتل القضايا المناخية موقعًا مركزيًا في أجندات التنمية الوطنية، تبرز الأدوار الحاسمة لأصحاب المصلحة. فالدبلوماسيون السابقون، بما يملكونه من خبرات في تعقيدات العلاقات الإقليمية، يمكنهم الدفع بعجلة التنسيق و صياغة تفاهمات عابرة للحدود. كما يملك القادة الدينيون أدوات أخلاقية و معنوية قادرة على توجيه المجتمعات نحو تحمل مسؤولياتها البيئية، انطلاقًا من القيم الدينية الراسخة. أما وسائل الإعلام، فهي الجسر الأوسع لنقل المعرفة إلى الجمهور، و يمكنها من خلال خطاب بيئي علمي و إنساني أن تعزز الوعي وتخلق ضغطًا شعبيًا يدفع صناع القرار إلى اتخاذ خطوات جدية. و يُعد التناغم بين هذه القوى ركيزة أساسية لنقل ملف المناخ من الهامش إلى قلب السياسات التنموية.
و رغم الصورة القاتمة التي يرسمها الواقع المناخي، إلا أن هناك فرصًا كامنة يمكن البناء عليها. فالتغير المناخي، بحد ذاته، أصبح دافعًا للابتكار، و برزت مجالات واعدة في تقنيات الطاقة المتجددة، والزراعة الذكية، والتكنولوجيا البيئية. كما بدأت بعض دول الحوض في جذب تمويلات دولية لمشروعات التكيف و التخفيف، ما يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار و التنمية. بل إن هذه التهديدات دفعت بعض الدول إلى مراجعة نماذجها الاقتصادية و تبني رؤى أكثر توازنًا نحو اقتصاد أخضر مستدام.
غير أن اغتنام هذه الفرص يتطلب مقاربات مدروسة و واعية. يجب أن تُبنى الخطط التنموية على أساس تكاملي يراعي الترابط الوثيق بين الماء و الغذاء و الطاقة. فالتوسع الزراعي أو الصناعي غير المحسوب قد يؤدي إلى أزمات مائية خانقة. ومن هنا تبرز أهمية التخطيط المعتمد على البيانات المناخية الدقيقة، إلى جانب إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني من خلال شراكات ذكية ذات أهداف واضحة و قابلة للقياس.
و تتفاقم التحديات حين ندرك أن دول الحوض تطمح لتحقيق أهداف تنموية تتطلب كميات مياه تفوق ما هو متاح فعليًا في النظام الهيدرولوجي الحالي. و لردم هذه الفجوة، لا بد من استراتيجيات تدمج بين تقليل الطلب و رفع كفاءة الاستخدام و التوسع في البدائل. من بين هذه الحلول: تحسين شبكات الري و الصرف، اعتماد أنماط زراعية موفرة للمياه، إعادة استخدام المياه المعالجة و الاستثمار في تقنيات التحلية. و يُشترط أن تندرج هذه الحلول ضمن إطار إقليمي متكامل يُراعي مصالح الجميع ويعزز فرص التكامل بدلًا من الصراع.
و في ظل كل ما سبق، يبقى الحفاظ على روح التعاون بين شعوب وحكومات الحوض ضرورة لا ترفًا. فالمواطن هو محور أي تحول مستدام، ويُفترض أن يُشارك بفعالية في البرامج المجتمعية المعنية بالمياه و المناخ، و أن يتبنى سلوكيات مسؤولة، و يطالب بالشفافية و المساءلة. أما أصحاب المصلحة، فعليهم الاستمرار في بناء جسور الثقة، و توسيع آفاق الشراكة في إطار مبادرة حوض النيل، عبر الاستفادة من المكتسبات كأنظمة المعلومات المشتركة و المشروعات الإقليمية للبنية التحتية.
و بحسب ما نراه من وجه الحقيقة، فإن التحديات المناخية التي تواجه حوض النيل هي تحديات وجودية، لكنها قابلة للتحول إلى فرص، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، و الرؤية المستنيرة و الانفتاح على الابتكار و التعاون الحقيقي. إنها لحظة فارقة، قد تكون بداية جديدة لمسار تنموي أكثر عدالة و استدامة يعود بالنفع على الجميع.
دمتم بخير و عافية.
الجمعة 20 يونيو 2025 م Shglawi55@gmail.com


