تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن مرحلة ما بعد الحرب في السودان لن تكون مجرد انتقال سلطة، بل إعادة تشكيل شاملة للخريطة السياسية وفق معادلات القوة والشرعية والقدرة على التأثير. فالتجارب منذ 2019 أثبتت أن الفترات الانتقالية الطويلة غالبًا ما تقود إلى هشاشة سياسية، بينما تميل الدول الخارجة من النزاعات إلى مراحل انتقالية قصيرة تقودها مؤسسات صلبة قادرة على ضبط الإيقاع الداخلي.
أولاً: أزمة الكتل المدنية التقليدية
يواجه التيار المدني المرتبط برئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أزمة بنيوية تتعلق بضعف القاعدة الشعبية وتشتت التحالفات. فالأجسام السياسية التي تشكلت بعد الثورة لم تتحول إلى قوى انتخابية جماهيرية، بل ظلت كيانات نخبوية التأثير تعتمد على الاعتراف الخارجي أكثر من الارتكاز إلى قاعدة اجتماعية راسخة.
ومن أبرز هذه الكيانات تجمع «صمود» الذي يعلن معارضة الحرب، لكنه — وفق منتقديه — يتجنب إدانة انتهاكات قوات الدعم السريع بشكل واضح، ويركز بدلًا من ذلك على اتهام الدولة باستخدام أسلحة محظورة، كما يعارض عودة مؤسسات الحكم إلى العاصمة ويرفض إدانة الأدوار الخارجية في النزاع. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف قدرته على التحول إلى قوة جماهيرية مؤثرة.
ثانياً: تحالف «تأسيس» وإشكالية الشرعية المسلحة
يُنظر إلى تحالف «تأسيس» باعتباره مظلة سياسية لقوى عسكرية ميدانية، خاصة مع ارتباطه بتحالفات مع فصائل مسلحة وشخصيات بارزة مثل عبد العزيز الحلو. هذا النمط من التحالفات، القائم على القوة العسكرية أكثر من البرامج السياسية، غالبًا ما يواجه أزمة شرعية بعد توقف الحروب، لأن مشروعيته ترتبط بظرف الصراع لا بمرحلة الدولة.
كما أن توتر علاقته مع المؤسسات الإفريقية، خصوصًا انتقاداته لمواقف الاتحاد الإفريقي، يعكس فجوة ثقة بينه وبين المنظومة الإقليمية، ما قد يحدّ من فرص اندماجه في أي ترتيبات سياسية مستقبلية معترف بها.
ثالثاً: موقف المؤسسات الإقليمية والدولية
على الصعيد الدولي، ما تزال الأمم المتحدة تتعامل رسميًا مع مؤسسات الدولة السودانية القائمة، ويتجلى ذلك في استمرار نشاط البعثة الدبلوماسية في نيويورك التي تمثل السودان داخل المنظمة، إضافة إلى مشاركة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يعكس استمرار الاعتراف الإجرائي بمؤسسات الدولة رغم تعقيدات الوضع الداخلي.
إقليميًا، ورغم إشادة مجلس السلم والأمن الإفريقي ببعض التطورات السياسية والادارية مثل العودةللخرطوم، فإنه أجّل النظر في إعادة عضوية البلاد، مفضّلًا التريث إلى حين اتضاح مسار التسوية السياسية. أما منظمة إيقاد فقد اتجهت عمليًا إلى التعامل مع الوقائع القائمة، بما في ذلك القبول بعودة بعثة الأمم المتحدة، في تحول يعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن إدارة المرحلة تمر عبر المؤسسات القائمة لا تجاوزها.
رابعاً: الكتلة الاجتماعية الصامتة
في مقابل الانقسام السياسي، تتشكل كتلة اجتماعية واسعة غير منظمة حزبيًا لكنها مؤثرة واقعيًا، تضم قطاعات من القبائل والعشائر وقوى مدنية وأحزابًا تقليدية وتيارات دينية متنوعة مابين جماعات سياسةو صوفية وسلفية و عن تنظيمات مختلفة. هذه الكتلة تميل إلى دعم مؤسسات الدولة باعتبارها الضامن الوحيد لوحدة البلاد، خصوصًا بعد تجربة سيطرة المليشيات على مناطق واسعة وما نتج عنها من اضطرابات أمنية واقتصادية.
خامساً: معيار البقاء في المشهد السياسي
المرحلة المقبلة لن يحكمها الخطاب الإعلامي، بل معايير واقعية حاسمة:
قاعدة شعبية حقيقية لا افتراضية.
قدرة تنظيمية على التحول إلى حزب انتخابي.
استقلال القرار السياسي عن التمويل الخارجي.
القوى التي تعجز عن تحقيق هذه الشروط ستجد نفسها خارج المشهد، حتى لو كانت حاضرة في الإعلام أو مدعومة دوليًا.
الخلاصة التحليلية
يتجه المشهد السوداني نحو تنافس بين مشاريع كبرى ستحدد شكل الدولة بعد الحرب:
مشروع دولة مركزية قوية بقيادة القوات المسلحة انتقالياً يطرح نفسه كضامن لوحدة البلاد ومنع تفككها.
مشروع تحالفات موازية تستند إلى قوة السلاح ودعم قوى إقليمية متوغلة بنفوذها وأموالها يسعى لفرض معادلة سياسية بديلة.
مشروع مدني عابر للأطراف لكنه ضعيف القاعدة الشعبية يعتمد على الشرعية الدولية أكثر من اعتماده على أدوات التأثير الداخلي.
وبذلك فإن مستقبل الحكم لن تحدده نهاية العمليات العسكرية وحدها، بل قدرة أي معسكر على بناء تحالف وطني واسع يمنحه شرعية داخلية راسخة قبل الاعتراف الخارجي.
البريد الإلكتروني: alzomzami.analysis@gmail.com


