في عالم السياسة، كثيراً ما تختصر جملة واحدة تعقيداتٍ تاريخية وجيوسياسية واسعة. ومن بين العبارات التي أثارت نقاشاً واسعاً في الفكر السياسي العربي والإسلامي مقولة المفكر الموريتاني محمد مختار الشنقيطي:
“إيرانُ جارٌ دائمٌ وعدوٌّ مؤقتٌ لجزءٍ من الأمة.. وإسرائيلُ جارٌ مؤقتٌ وعدوٌّ دائمٌ لكلِّ الأمة”.
هذه العبارة ليست مجرد توصيف عابر، بل تحمل رؤية تحليلية لطبيعة الصراعات في المنطقة، وتطرح تمييزاً مهماً بين نوعين من الخصومة: خصومة يمكن أن تتغير بحكم الجغرافيا والتاريخ، وخصومة مرتبطة بجذور صراع وجودي عميق.
أولاً: إيران… الجوار الدائم والصراع المتغير
حين يصف الشنقيطي إيران بأنها “جار دائم”، فإنه يشير إلى حقيقة جغرافية وتاريخية لا يمكن تجاوزها. فالدولة الإيرانية تقع في قلب الإقليم الإسلامي، وتتشارك مع العالم العربي حدوداً طويلة ومصالح سياسية واقتصادية متشابكة.
إن الجغرافيا السياسية تجعل العلاقة مع إيران علاقة مستمرة، سواء في حالة التوتر أو في حالة التعاون. فالدول قد تختلف أو تتصارع، لكن الجوار الجغرافي يفرض في النهاية نوعاً من التعايش السياسي.
ولذلك فإن الصراع مع إيران – مهما بلغ من حدة – يظل في نظر بعض المفكرين صراعاً سياسياً قابلاً للتحول والتغيير. فالعلاقات بين الدول في التاريخ ليست ثابتة؛ إذ يمكن أن تتحول الخصومة إلى تعاون، كما يمكن أن تتبدل التحالفات وفق المصالح والظروف الدولية.
من هذا المنظور، يرى أصحاب هذا الطرح أن الخلاف مع إيران، رغم خطورته في بعض الملفات الإقليمية، يظل صراعاً يمكن احتواؤه عبر الحوار السياسي أو التوازنات الإقليمية.
ثانياً: إسرائيل… صراع يتجاوز السياسة
في المقابل، تصف المقولة إسرائيل بأنها “عدو دائم لكل الأمة”، وهي عبارة تعكس رؤية تعتبر أن الصراع مع إسرائيل ليس مجرد خلاف سياسي بين دولتين، بل صراع يرتبط بتاريخ طويل من النزاع حول الأرض والهوية والحقوق.
فمنذ قيام إسرائيل عام 1948، أصبح الصراع العربي-الإسرائيلي أحد أكثر النزاعات تعقيداً في العالم. وقد ارتبط هذا الصراع بقضية فلسطين، التي ينظر إليها كثير من العرب والمسلمين باعتبارها قضية مركزية تتجاوز حدود دولة أو شعب واحد.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها طرفاً في صراع طويل الأمد يصعب إنهاؤه بسهولة، لأن جذوره تتعلق بقضايا السيادة والهوية والحقوق التاريخية.
ثالثاً: الفرق بين صراع الجغرافيا وصراع الهوية
تكشف المقولة عن تمييز مهم بين نوعين من الصراعات:
1. صراعات الجغرافيا السياسية
وهي الصراعات التي تنشأ بين دول متجاورة بسبب التنافس على النفوذ أو المصالح. هذه الصراعات قد تشتد أو تخف مع تغير الظروف السياسية.
2. الصراعات المرتبطة بالهوية والتاريخ
وهي صراعات أعمق، لأنها تتصل بقضايا الوجود والحقوق التاريخية، وغالباً ما تكون أكثر صعوبة في الحل.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم مقولة الشنقيطي باعتبارها محاولة للتفريق بين صراع يمكن أن يتغير مع الزمن، وصراع يُنظر إليه باعتباره أكثر ثباتاً واستمراراً.
رابعاً: قراءة نقدية للمقولة
رغم ما تحمله هذه المقولة من عمق تحليلي، فإنها تبقى في النهاية رؤية فكرية قابلة للنقاش. فبعض المحللين يرون أن العلاقات الدولية لا تعرف ثوابت مطلقة، وأن مفهوم “العدو الدائم” قد يتغير مع الزمن تبعاً لتحولات السياسة الدولية.
كما أن واقع الشرق الأوسط اليوم يشهد تحولات كبيرة في طبيعة التحالفات الإقليمية، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً من أن يُختصر في ثنائية صديق وعدو.
واخيرا : تعكس مقولة محمد مختار الشنقيطي محاولة لفهم طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط من زاوية الجغرافيا السياسية والتاريخ. فهي تميز بين علاقة الجوار التي تفرض التعايش مهما كانت الخلافات، وبين الصراعات التي ترتبط بقضايا أعمق تتجاوز الحسابات السياسية المؤقتة.
ومهما اختلفت القراءات حول هذه المقولة، فإنها تظل تذكيراً بحقيقة أساسية في السياسة الدولية:
أن الصراعات ليست كلها من طبيعة واحدة، وأن فهم جذورها هو الخطوة الأولى نحو التعامل معها بواقعية وحكمة.


