Popular Now

المجلس التشريعي المنتظر وما قبله .. رسالة أوجهها للرئيس البرهان ونائبه مالك عقار قبل صدور تشكيل المجلس التشريعي ]] (2 من 2) .. بقلم د. بابكر عبدالله محمد علي

وجه الحقيقة | وثائق الري ومعركة الذاكرة.. .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة صفقات ترامب والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران .. تقرير إستراتيجي تحليلي رقم (3) .. (سلام إيران 2/4): حرب النفط وتفكك التحالفات… من يملك زمام المعركة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود – باحث مختص في الشأن الإفريقي

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (1) ..د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

يقول الجغرافي السياسي روبرت كابلان إن «الجغرافيا هي المسرح الدائم الذي تتحرك فوقه السياسة»، بينما يرى الاستراتيجي السويسري أنطوان هنري جوميني أن فهم تضاريس الأرض هو المدخل الحاسم لفهم حركة الجيوش وصناعة القرار. ويذهب هنري كيسنجر إلى أن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يفرض منطقه على من يجهل قوانينه، في حين يختصر صن تزو الحكمة العسكرية بقوله إن من يعرف الأرض يكسب نصف المعركة قبل أن تبدأ. أما ألكسندر دوغين فيربط بين المجال الحيوي ومصير الأمم، معتبراً أن الدولة التي تعجز عن حل معضلتها الجغرافية تظل أسيرة قلقها الاستراتيجي.
من هذه المقاربات الفكرية يمكن قراءة التجربة الإثيوبية بوصفها سيرة دولة تحكمها تضاريسها، ويطاردها تاريخها، وتتنازعها القوى الإقليمية والدولية. فإثيوبيا بلاد جبلية تعادل مساحتها مساحة فرنسا وإسبانيا والبرتغال مجتمعة، تسود أراضيها هضبة مرتفعة تتخللها أودية عميقة ومسالك وعرة يصعب اختراقها. اعتنق بعض سكانها المسيحية في القرن الرابع الميلادي، وتتبع كنيستها الكنيسة القبطية في مصر. وفي القرن السابع الميلادي قطعت الفتوحات الإسلامية الحبشة – وهو الاسم التاريخي لإثيوبيا – عن العالم المسيحي حتى خمسينيات القرن الماضي، فنسجت حولها الأساطير، وقيل إنها مأوى لمملكة غامضة لحواري يوحنا.
وعرفت إثيوبيا في تاريخها البعيد بحروب دائمة بين القبائل، ووصفها بعض المستكشفين الأوروبيين بأنها بلاد الفقر والجهل، يحكمها ملوك مصابون بجنون العظمة، يقتلون أبناءهم خشية الانقلاب عليهم وانتزاع الملك منهم. كانت السلطة هناك رهينة السيف، وكان العرش محفوفاً بالمؤامرات، بينما تحرس الجبال النظام السياسي بعزلتها الطبيعية.
نظراً لقسوة جغرافيتها ووعورة مسالكها، لم يحاول الأوروبيون غزوها إلا في عام 1889 حين أرسل الإنجليز حملة عسكرية فرضت حصاراً على قلعة الملك تيودور، فلجأ إلى الانتحار. عادت الجيوش البريطانية تاركة الأحباش يتقاتلون فيما بينهم على الملك. وكان المنتصر الملك منليك الثاني، الذي تُوّج خلفاً لمنليك الأول الذي قُتل على يد جيش الثورة المهدية.
وسع منليك الثاني رقعة دولته، فاستولى على أراضٍ خصبة في الجنوب والجنوب الغربي ، كما ضم صحراء الأوغادين ذات السكان الصوماليين الرحل. وفي تلك الفترة استولت إيطاليا على إريتريا، بينما بسطت فرنسا وبريطانيا نفوذهما على أجزاء واسعة من القرن الإفريقي، فعُزلت الحبشة تماماً عن ساحل البحر. تلك العزلة البحرية أصبحت منذ ذلك الحين أكبر تحدٍ ومهدد جيوسياسي لإثيوبيا، وما زالت تلقي بظلالها الثقيلة حتى كتابة هذه السطور.
توفي منليك الثاني عام 1919 في فترة اضطراب عظيم ومؤامرات دولية كانت تغطي القارة الإفريقية بسحب كثيفة. وتولى الحكم ابن عمه راس ليج تفاري ماكونن، الذي عُرف لاحقاً بالإمبراطور هيلا سلاسي، واتخذ لقب «أسد يهوذا» زاعماً انتسابه إلى سلالة الملك سليمان.
في عام 1936 غزت إيطاليا الحبشة واستولت على أديس أبابا بعد هزيمة الجيش الإمبراطوري. وأعلن موسوليني قيام «شرق إفريقيا الإيطالي» الذي ضم الحبشة وإريتريا والصومال. لجأ هيلا سلاسي إلى عصبة الأمم محتجاً، غير أن اعتراف فرنسا وبريطانيا بالاحتلال الإيطالي حال دون إنصافه. لكن موازين القوى تبدلت بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة دول المحور، فاحتلت بريطانيا شرق إفريقيا الإيطالي. وفي سياق اعتذار سياسي غير معلن، ومع بروز مقاربات استراتيجية جديدة أصبحت فيها الولايات المتحدة حليفاً لهيلا سلاسي، تقرر عام 1952 تسليم إريتريا للإمبراطور، كما أعيد إقليم الأوغادين الذي كان قد ضم مؤقتاً إلى الصومال. وفي عام 1962 ضُمّت إريتريا رسمياً إلى إثيوبيا، فعادت تطل على البحر من جديد. غير أن هذه الإطلالة كانت في الوقت ذاته بداية النهاية لحكم راس ليج تفاري ماكونن، إذ أطلقت سلسلة صراعات داخلية وإقليمية لم تهدأ.
لم يكن هذا السرد المختصر اجتراراً للتاريخ أو إعادة كتابته برتابة، وإنما محاولة لتثبيت الخلفية التي تتحرك فوقها أحداث الحاضر. فحقائق الجغرافيا ووقائع التاريخ ليست مجرد أرشيف جامد، بل هي عناصر فاعلة في تشكيل القرار السياسي الإثيوبي. إن وضعية الدولة الحبيسة، والبحث الدائم عن منفذ بحري، وتقاطع الاستراتيجيات الدولية في القرن الإفريقي، كلها عوامل تجعل إثيوبيا ساحة مفتوحة للتنافس والتكالب.
إذا كان إقليم الأوغادين قد قُضم من الصومال وضُمّ إلى إثيوبيا تاريخياً، وإذا كانت إريتريا قد أُلحقت بالإمبراطور نتيجة تحالفاته مع الولايات المتحدة، وإذا كان الهاجس البحري يمثل جوهر الرؤية الاستراتيجية الإثيوبية، فإن المشهد الراهن يعكس استمرار هذا القلق بأدوات جديدة. فحكومة آبي أحمد، في ظل تحالفاتها الإقليمية، تطالب بمنفذ بحري على البحر الأحمر، ما أثار توتراً مع أسياس أفورقي في إريتريا، وأعاد العلاقة مع الصومال إلى مربع الشك بسبب ورقة الأوغادين.
وفي الوقت ذاته، يبرز إقليم بني شنقول – القمز، الذي اقتطعته السياسات الاستعمارية من السودان في حقبة سابقة – بوصفه مساحة حساسة في الحسابات العسكرية الراهنة. ومع تصاعد التوترات في منطقة الكرمك ومحيط النيل الأزرق، تتبدى مؤشرات على إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية، وتنامي سباق المحاور.
إن إثيوبيا اليوم ليست مجرد دولة تبحث عن منفذ بحري، بل كيان سياسي يعيش صراعاً بين إرث إمبراطوري قديم وواقع جيوسياسي معقد. فالتاريخ يمدها بسردية العظمة، بينما تفرض الجغرافيا عليها قيوداً قاسية. وبين السردية والقيد تتشكل سياساتها، وتتقاطع رهاناتها، ويتحدد موقعها في معادلة القرن الإفريقي.
ختاماً، قد لا تسير الأحداث في خطوط مستقيمة، وقد تعصف بها تبدلات الأزمنة وتقلبات الأحوال، غير أن جوهر الصراع في هذه المنطقة يظل مرتبطاً بعوامل الجغرافيا والمجال الحيوي. تلك العوامل التي تحركها وقائع التاريخ، وتغذيها حسابات الحاضر، وتبقي إثيوبيا في قلب معادلة لا تعرف السكون.
نواصل.
الجمعه الموافق 27/3/2026

المقالة السابقة

سلسلة مقالات الحرب على السودان رقم (14) ..التصعيد على الحدود السودانية التشادية ..تداخل البعد المجتمعي مع الصراع الإقليمي واستهداف البنية التحتية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع ..محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *