هذا الخطاب المتوتر لا يبدو تعبيرًا عن حرص صادق على استقرار الأوضاع بقدر ما يعكس نزعة قديمة تتجدد ترى في أزمات الآخرين فرصة لإعادة تشكيلها وفق ميزان المصالح، فحين يصدر مثل هذا الطرح من دوائر مرتبطة بـالبيت الأبيض فإنه يستدعي قراءة ناقدة لا انفعالاً مقابلاً.
إن تصوير ما يجري في السودان على أنه تهديد مباشر للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية هو طرح مبالغ فيه يتجاوز حدود التحليل الواقعي إلى محاولة تهيئة مبررات للتدخل، فمثل هذه اللغة ليست جديدة وقد استخدمت مرارًا في سياقات انتهت إلى تعقيد الأزمات لا حلها.
أما الحديث عن تحوّل السودان إلى بؤرة للإرهاب بصيغة الجزم فهو خطاب يفتقر إلى الأدلة الموضوعية ويعتمد على إطلاق الأحكام أكثر من اعتماده على الوقائع وهذا النوع من الطرح لا يسهم في التهدئة، بل يفتح الباب لمزيد من التوتر وسوء الفهم.
كما أن الزج بعناصر إقليمية ودولية في هذا السياق بهذه الصيغة الحاسمة يوحي بوجود محاولة لصناعة سردية تخدم أهدافًا سياسية، لا قراءة متزنة لمجريات الواقع، وهو أسلوب لم يعد يقنع أحدًا فقد بات العالم أكثر وعيًا بتعقيدات الصراعات وتشابكاتها.
الأهم من ذلك أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة جوهرية أن السودان دولة ذات سيادة وشعبه ليس تابعًا لإرادات خارجية، وأي مقاربة تتجاوز هذه الحقيقة محكومة بالفشل مهما بدت حازمة في ظاهرها أن الرد الحقيقي لا يكون بالصوت المرتفع، بل بإعادة التأكيد على أن معالجة الأزمة السودانية لا تتم عبر التهديد أو فرض الوصاية، وإنما عبر دعم مسارات الحل الداخلي وتشجيع التوافق والعمل من خلال الأطر الدولية القائمة على الاحترام المتبادل.
لقد أثبتت التجارب أن لغة القوة لا تصنع استقرارا وأن التدخلات المبنية على ذرائع أمنية غالبًا ما تترك وراءها فراغًا أعمق وأزمات أكثر تعقيدًا، ومن هنا فإن أي خطاب يتجاهل هذه الدروس إنما يعيد إنتاج الأخطاء ذاتها ولو بصيغ مختلفة.


