Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. من بريد أصل القضية محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟ .. (14) .. بين صمود طهران وصمود الخرطوم .. هل تعيد الحروب تشكيل خرائط النفوذ أم تكشف حدود القوة الأمريكية؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6083 | 8 شروط لضمان نجاح الحوار الوطني الشعبي الشامل !!!

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟ .. (14) .. بين صمود طهران وصمود الخرطوم .. هل تعيد الحروب تشكيل خرائط النفوذ أم تكشف حدود القوة الأمريكية؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

مقدمة
تكشف التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط والسودان أن العالم يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى الدولية والإقليمية. فالحرب التي اندلعت بين إسرائيل وإيران وما تبعها من تدخلات أمريكية وضغوط سياسية وعسكرية لم تنتهِ بتحقيق الأهداف المعلنة بصورة كاملة، كما أن الحرب السودانية أظهرت بدورها قدرة مؤسسات الدولة على الصمود رغم حجم التحديات الداخلية والخارجية.
وفي الحالتين الإيرانية والسودانية برز سؤال جوهري يتعلق بحدود القوة العسكرية وإمكانات التدخل الخارجي في تغيير الأنظمة السياسية أو إعادة تشكيل الدول وفق تصورات القوى الكبرى.
أولاً: ترامب بين خطاب التهديد وخطاب التسوية
اتسمت سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران بمزيج من الضغوط القصوى والانفتاح المشروط على التفاوض.
فمن جهة، اعتمدت واشنطن سياسة العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعسكرية، ومن جهة أخرى ظلت قنوات التفاوض مفتوحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويعكس هذا التناقض طبيعة المدرسة الواقعية في السياسة الأمريكية، التي تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكنة.
كما أن تجربة الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين أظهرت أن الحروب الطويلة والمكلفة لم تعد تحظى بالإجماع داخل المؤسسات الأمريكية، سواء بسبب تكلفتها الاقتصادية أو تداعياتها السياسية.
ثانياً: صمود إيران وتغير الحسابات الاستراتيجية
أظهرت المواجهة الأخيرة أن إيران استطاعت الحفاظ على تماسك مؤسساتها الأساسية رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الكبيرة.
ويرى عدد من الباحثين أن أحد أهم نتائج الأزمة تمثل في انتقال الصراع من مرحلة السعي إلى تغيير النظام إلى مرحلة البحث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تضمن الاستقرار الإقليمي.
كما واصلت طهران تعزيز علاقاتها مع قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها روسيا والصين، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليل آثار الضغوط الغربية وخلق بدائل اقتصادية واستراتيجية طويلة المدى.
ثالثاً: التحالفات الجديدة وإعادة رسم التوازنات
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية.
فالحوار الإيراني ـ السعودي، والجهود الدبلوماسية المتعددة، والبحث عن أطر أمنية إقليمية أكثر استقلالاً، كلها مؤشرات على وجود رغبة متزايدة لدى دول المنطقة في إدارة شؤونها الأمنية بعيداً عن منطق الصراعات المفتوحة.
وفي هذا السياق، تنظر بعض المدارس الاستراتيجية إلى التعاون الإقليمي باعتباره بديلاً أكثر استدامة من سياسات المواجهة المستمرة.
رابعاً: السودان وصمود الدولة الوطنية
في السودان، كشفت الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 عن أهمية المؤسسات الوطنية في الحفاظ على تماسك الدولة.
فبرغم الخسائر الإنسانية والاقتصادية الكبيرة، ما زالت مؤسسات الدولة الرئيسية تؤدي أدوارها الأساسية، بينما يواصل السودانيون البحث عن مخرج سياسي يضع حداً للصراع.
كما يرى عدد من المحللين أن دعم بعض الدول الصديقة للمؤسسات الوطنية السودانية ساهم في منع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات أكثر خطورة كان يمكن أن تؤدي إلى تفكك الدولة بصورة أوسع.
خامساً: معركة السرديات الإعلامية
أصبحت الحروب الحديثة تُخاض في ميدان الإعلام بقدر ما تُخاض في ميادين القتال.
فكل طرف يسعى إلى تقديم روايته الخاصة للأحداث وتوظيفها في كسب التأييد الداخلي والخارجي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الحرب الإيرانية الإسرائيلية، كما ظهر في الحرب السودانية من خلال التنافس على تشكيل الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي.
ومن هنا أصبحت إدارة المعلومات جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والاستراتيجية الشاملة للدول.
سادساً: حدود القوة الأمريكية في النظام الدولي الجديد
تكشف تجارب أفغانستان والعراق وسوريا وإيران أن استخدام القوة العسكرية لا يضمن دائماً تحقيق الأهداف السياسية المرجوة.
فالعالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية أكثر تعقيداً، حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على فرض رؤيته بصورة منفردة.
وفي المقابل، تسعى قوى أخرى مثل الصين وروسيا إلى توسيع أدوارها الدولية عبر أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية متنوعة.
ولهذا أصبحت إدارة النفوذ أكثر أهمية من فرض الهيمنة المباشرة، وأصبح بناء التحالفات أكثر فاعلية من الاعتماد على القوة الصلبة وحدها.
سابعاً: من طهران إلى الخرطوم… دروس مشتركة
تكشف المقارنة بين التجربتين الإيرانية والسودانية عدداً من الدروس المهمة، أبرزها:
أهمية تماسك مؤسسات الدولة.
دور العامل الوطني في مواجهة الأزمات الكبرى.
محدودية فعالية الضغوط الخارجية إذا لم تترافق مع ظروف داخلية مواتية.
أهمية بناء التحالفات الإقليمية والدولية.
مركزية الاقتصاد في تعزيز الصمود الوطني.
كما تؤكد التجربتان أن الدول التي تمتلك مؤسسات فاعلة ورؤية استراتيجية طويلة المدى تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتكيف مع التحولات الدولية.
خاتمة
تشير التطورات الراهنة إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة انتقالية مهمة تتراجع فيها بعض أنماط الهيمنة التقليدية لصالح توازنات أكثر تعقيداً وتنوعاً.
وفي هذا السياق، يبدو أن صمود الدول ومؤسساتها أصبح عاملاً أكثر تأثيراً من حجم القوة العسكرية وحدها، وأن قدرة الأنظمة السياسية على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية ستظل العامل الحاسم في تحديد مستقبلها.
أما بالنسبة للسودان وإيران، فإن التجربتين تبرزان أن إدارة الأزمات وبناء المؤسسات والحفاظ على التماسك الوطني تبقى عناصر أساسية في مواجهة الضغوط والتحديات، مهما اختلفت طبيعة تلك الضغوط أو مصادرها.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي
البريد الإلكتروني:
bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6083 | 8 شروط لضمان نجاح الحوار الوطني الشعبي الشامل !!!

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. من بريد أصل القضية محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *