Popular Now

أصل القضية | في يوم عرفة… ماذا نريد أن يعرف السودانيون؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

مسارات … في عيد الأضحى… لا شيء أجمل من وطن يبتسم .. د.نجلاء حسين المكابرابي

اجتماعات نيروبي.. إدمان الفشل السياسي .. عبود عبدالرحيم

أصل القضية | في يوم عرفة… ماذا نريد أن يعرف السودانيون؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست كل الهزائم تُقاس بخسارة الأرض… بعض الهزائم تبدأ حين يفقد الناس معنى الرحمة بينهم.

في يوم عرفة، لا يقف المسلمون فقط على جبلٍ في مكة، بل تقف الأرواح على حافة المراجعة.
هذا اليوم ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، ولا طقسًا موسميًا يتكرر كل عام، إنه اليوم الذي ينظر فيه الإنسان إلى نفسه دون ضجيج ويكتشف فجأة كم تغيّر قلبه دون أن يشعر.

وفي السودان… يبدو السؤال هذا العام أكبر من مجرد دعاء.
ماذا نريد أن يعرف السودانيون في يوم عرفة؟
نريدهم أن يعرفوا أن الحروب لا تبدأ فقط بالبندقية، بل تبدأ يوم تموت الحكمة ويصبح الغضب أعلى صوتًا من العقل.
نريدهم أن يعرفوا أن أخطر ما فعلته الحرب ليس الدمار، بل اعتياده؛ أن يعتاد الناس صور النزوح، وأخبار الموت، وانقطاع الكهرباء،وفقدان الأحبة وضنك العيش. حتى يصبح الألم “تفصيلًا يوميًا” لا يوقظ أحدًا.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالشعوب لا تنهار فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد حساسيتها الأخلاقية تجاه الوجع.

وفي يوم عرفة…
يجب أن نتذكر شيئًا مهمًا:
أن الله لا ينظر فقط إلى كثرة الشعارات، بل إلى ما تبقى في القلوب من رحمة، وعدل وخوفٍ منه.
يوم عرفة هو يوم المراجعة الكبرى.
اليوم الذي يسأل فيه الإنسان نفسه بصراحة موجعة:
● من كنت؟
● وماذا أصبحت؟
● وهل ما زال داخلي متسع للخير؟
في السودان اليوم… كثيرون يتحدثون عن السياسة، لكن القليل فقط يتحدث عن الإنسان السوداني نفسه.
● عن هذا المواطن الذي صار يحمل الخوف كأنه جزء من ملابسه اليومية.
● عن الأم التي صارت تدعو لا من أجل الرفاه، بل فقط أن تستيقظ صباحًا وتجد أطفالها ما زالوا أحياء حولها.
● عن الشاب الذي كان يحلم بوظيفة، أو دراسة أو بيت،
ثم وجد نفسه فجأة يحلم فقط بالنجاة وأن يتركه العالم وشأنه.
● عن الجار…
ذلك الذي كان أقرب إليه من بعض أهله يتقاسم معه الملح، والفرح ومفتاح البيت…ثم جاءت الحرب… فصار يخاف منه بدل أن يطمئن إليه.
عن الجار الذي كان يركض أول الناس حين يسمع صرخة في الحي ثم صار يغلق بابه بصمت
ويقول في داخله:“نفسي… نفسي.”
أي وجعٍ هذا الذي يجعل الإنسان يخاف حتى من أقرب الناس إليه؟
● عن الشيخ… الذي كان يفترض أن يكون قدوة للقلوب المتعبة، فانشغل بالمظهر ونسي الجوهر. صار بعضهم يتحدث كثيرًا عن شكل التدين وقليلًا عن الرحمة، كثيرًا عن الناس وقليلًا عن نفسه حتى أصبح بعض الشباب يحفظون لغة الأحكام ولا يعرفون لغة الاحتواء.
● عن المسؤول…
الذي ظن أن الكرسي جاءه تشريفًا لا تكليفًا. فصار يرى الناس أرقامًا…
والشكاوى إزعاجًا… والدموع “تفاصيل إدارية”.
نسي أن المنصب في لحظة الانهيار الوطني ليس وجاهة، بل أمانة ثقيلة سيسأل عنها أمام الله قبل التاريخ.
● وعن الذي حمل السلاح مطالبًا بحقه ثم تحولت المطالبة عنده إلى اقتلاع حقوق الآخرين.
نسي أن المظلوم حين يتحول إلى ظالم لا يصنع عدالة، بل يعيد إنتاج المأساة بصورة أكثر قسوة.
وهنا تكمن القضية.
السودانيون لا يحتاجون فقط إلى وقف الحرب، بل يحتاجون إلى ترميم المعنى، لأن أخطر آثار الحروب ليست الخراب المادي، بل التشوه النفسي الذي يجعل الإنسان يفقد ثقته في الجميع.

وفي يوم عرفة…
نريد أن يعرف السودانيون أن النجاة الوطنية لا تبدأ من البيانات السياسية فقط، بل تبدأ من استعادة الأخلاق العامة، أن يعود الناس إلى احترام بعضهم و أن يتوقف تحويل الاختلاف إلى كراهية.
أن يدرك الجميع أن الوطن لا يُبنى بالشماتة، ولا بالتحريض ولا بإدمان التخوين.
لقد دخل السودان مرحلة خطيرة جدًا؛ مرحلة التعبئة النفسية المستمرة. وهذه أخطر من الحرب نفسها.
لأن المجتمعات حين تُحقن يوميًا بالخوف، والغضب والكراهية تفقد قدرتها على التفكير الهادئ، وتصبح أكثر قابلية للاستقطاب والانقسام.
ولهذا فإن يوم عرفة ليس مجرد فرصة للعبادة الفردية فقط، بل فرصة لإنقاذ الوعي الجماعي أيضًا.
أن يسأل السوداني نفسه:
● هل أساهم في تهدئة الناس… أم في إشعالهم؟
● هل أبني الوعي… أم أستهلك الفوضى؟
● هل أستخدم الكلمة للعلاج… أم للتحريض؟
السودان اليوم… قد تصبح الكلمة أخطر من الرصاصة. ولهذا فإن مسؤولية النخب، والإعلاميين، والناشطين والدعاة أصبحت مضاعفة. لأن المجتمعات المنهكة لا تحتمل المزيد من السموم النفسية.

وفي يوم عرفة…
نريد أن يعرف السودانيون شيئًا آخر مهمًا:
أن الله لا يطلب منا الكمال، بل الصدق.
وأن الأوطان لا تُبنى بالملائكة، بل بالبشر حين يتغلبون على أنانيتهم.
نريد أن يعرف السودانيون أن السودان ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل معركة على روح المجتمع نفسه.
هل سيبقى هذا الشعب متماسكًا رغم كل شيء؟
أم ستنجح الحرب في تحويل الناس إلى جزر معزولة مليئة بالخوف، والشك والكراهية؟
هنا يصبح يوم عرفة أكثر من مناسبة دينية؛ يصبح اختبارًا أخلاقيًا لوطن كامل.
وفي هذا اليوم العظيم يقف ملايين المسلمين بالدعاء والرجاء طلبًا للمغفرة والرحمة، لكن السودان يحتاج فوق الدعاء إلى وعي.
يحتاج أن يعرف الناس أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت، بل بإعادة بناء الإنسان.
وأن الدولة ليست مجرد مؤسسات، بل شعور عام بالأمان، والإنصاف والثقة.

وفي يوم عرفة…
ربما يجب أن ندعو بشيء أكبر قليلًا من النجاة الفردية.
أن ندعو أن يحفظ الله ما تبقى من الرحمة بين السودانيين، و ألا يكبر أطفالنا وهم يظنون أن الخوف هو الشكل الطبيعي للحياة، أن لا تتحول الأمهات إلى آلات صبرٍ تبكي بصمت كي لا ينهار البيت و أن لا يصبح الحنين إلى الوطن حنينًا إلى زمنٍ مات لأن الأمم لا تموت حين تفتقر، بل تموت حين تجف الرحمة في قلوب أهلها.
أصل القضية …
ربما لا نملك اليوم أن نغيّر كل شيء، لكننا نملك على الأقل أن نمنع الحرب من سرقة إنسانيتنا.
أن نحرس ما تبقى من قلوبنا قبل أن نصحو يومًا ونكتشف أن الحرب لم تقتل الناس فقط، بل قتلت قدرتهم على أن يحبوا بعضهم مرة أخرى.
وهذا بالضبط قد يكون أعظم دعاء.

المقالة السابقة

مسارات … في عيد الأضحى… لا شيء أجمل من وطن يبتسم .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *