سلسلة: هندسة السلام – رؤية سودانية لإعادة الإعمار وبناء السلام المستدام
على مدى ما يقارب سبعة عقود، ظل السودان واحدًا من أكثر الدول الإفريقية معاناةً من النزاعات المسلحة والحروب الأهلية، التي خلّفت آثارًا عميقة على الإنسان والدولة والاقتصاد والنسيج الاجتماعي، وأعاقت مسيرة التنمية والاستقرار.
وفي سبيل إنهاء هذه النزاعات، شهد السودان منذ الاستقلال عددًا من اتفاقيات السلام، من أبرزها: اتفاقية أديس أبابا (1972)، واتفاقية الخرطوم للسلام (1997)، واتفاقية السلام الشامل (نيفاشا، 2005)، واتفاق أبوجا لسلام دارفور (2006)، واتفاق سلام شرق السودان (2006)، ووثيقة الدوحة للسلام في دارفور (2011) وأخيرًا اتفاق جوبا للسلام (2020). ورغم أهمية هذه الاتفاقيات في احتواء النزاعات خلال مراحل مختلفة، فإن معظمها لم ينجح في تحقيق سلام مستدام، إذ تجددت النزاعات في صور جديدة، كان آخرها الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.
وهنا يبرز سؤال ظل يتكرر مع كل جولة من جولات الصراع:

إذا كانت اتفاقيات السلام تنجح في وقف إطلاق النار، فلماذا لا تحقق سلامًا مستدامًا؟
تكمن الإجابة في التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يُستخدمان وكأنهما يحملان المعنى نفسه، رغم أن الفارق بينهما جوهري: وقف الحرب وبناء السلام.
فوقف الحرب يعني إنهاء العمليات العسكرية أو الحد من العنف المباشر، أما بناء السلام فهو عملية طويلة الأمد تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، وبناء مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة والتنمية واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع.
وقد قدّم الباحث النرويجي (يوهان غالتونغ) هذا التمييز عندما فرّق بين السلام السلبي، الذي يعني غياب العنف المباشر، والسلام الإيجابي، الذي يقوم على إزالة الأسباب البنيوية للنزاعات، مثل التهميش، وضعف الحوكمة، وغياب العدالة، وعدم تكافؤ الفرص (Galtung, 1969). ومن هذا المنطلق، فإن اتفاقيات السلام تمثل بداية عملية السلام، وليست نهايتها.
ولا يمكن إرجاع تعثر اتفاقيات السلام في السودان إلى سبب واحد، فلكل اتفاقية ظروفها وسياقها السياسي والأمني. ومع ذلك، تكشف التجربة السودانية أن معظم الاتفاقيات ركزت على وقف إطلاق النار، وتقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية، بينما حظيت قضايا بناء المؤسسات، وإصلاح الإدارة العامة، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة الخدمات الأساسية وتعزيز المشاركة المجتمعية باهتمام أقل أو تأخر تنفيذها إلى مراحل لاحقة.
كما أن كثيرًا من الاتفاقيات عالجت نزاعات في أقاليم محددة أو مع أطراف بعينها، دون أن تنطلق من رؤية وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية بوصفها أزمة دولة ومؤسسات، وليس مجرد أزمات محلية متفرقة. ولذلك بقيت العديد من مسببات الصراع دون معالجة حقيقية، مما جعل احتمالات تجدد النزاعات قائمة.
وتؤكد الأمم المتحدة، في إطار مفهوم استدامة السلام، أن السلام ليس حدثًا سياسيًا يبدأ وينتهي بتوقيع اتفاق، بل هو عملية مستمرة تتطلب بناء مؤسسات فعالة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتحقيق التنمية الشاملة، ومعالجة عوامل الهشاشة التي تغذي النزاعات (United Nations, 2016).
وفي تقديري، لا يبدأ بناء السلام بعد توقف الحرب فحسب، بل يبدأ عندما يستعيد المجتمع قدرته على التماسك والتعاون واستئناف حياته الطبيعية. وقد أظهرت التجربة السودانية خلال الحرب الأخيرة أن المبادرات المجتمعية، مثل لجان الأحياء، وغرف الطوارئ، والتكايا ومنظمات المجتمع المدني، لعبت دورًا محوريًا في التخفيف من معاناة المواطنين، والحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي في ظل الظروف الاستثنائية. وتؤكد هذه التجربة أن المجتمع ليس مجرد متلقٍ لثمار السلام، بل شريك رئيس في صناعته واستدامته، وأن أي مشروع وطني لبناء السلام ينبغي أن يستند إلى تمكين المجتمعات المحلية، وتعزيز مشاركتها في جهود التعافي وإعادة الإعمار، باعتبارها أحد أهم ركائز السلام المستدام.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يتمثل في توقيع اتفاقية سلام جديدة، وإنما في بناء مؤسسات قوية، واقتصاد منتج، وحوكمة رشيدة، وعدالة شاملة ومجتمع قادر على إدارة خلافاته بوسائل سلمية.
فالسلام لا يستقر بمجرد التوقيع على الوثائق، بل عندما يشعر المواطن بأن حياته أصبحت أكثر أمنًا، ومؤسسات دولته أكثر كفاءة واقتصاده أكثر قدرة على توفير سبل العيش الكريم.
وربما لا يكون التحدي الأكبر هو كيفية إنهاء الحرب، بل كيفية فهم طبيعتها؛ فالتشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى نحو بناء سلام مستدام.
فهل الحرب في السودان صراع واحد… أم مجموعة نزاعات متداخلة؟
هذا ما سنناقشه في المقال القادم.
المراجع
Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.
United Nations. (2016). The Challenge of Sustaining Peace. A/RES/70/262.


