يرى كارل فون كلاوزفيتز أن أخطر الحروب ليست تلك التي تنتهي بسقوط الجيوش، وإنما تلك التي تنتهي بانهيار الدولة نفسها. وهذا ما حدث في ليبيا عام 2011؛ فقد شكل سقوط نظام العقيد معمر القذافي نهاية حقبة سياسية وبداية فراغ استراتيجي سرعان ما تحول إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى المحلية والإقليمية والدولية. لقد انهارت السلطة المركزية بسرعة، لكن الدولة ،بمؤسساتها وأجهزتها وقدرتها على احتكار القوة، انهارت بوتيرة أسرع، لتدخل ليبيا مرحلة جديدة عنوانها تعدد مراكز القرار، وتفكك المؤسسة العسكرية و صعود الفاعلين دون الدوله المسلحين.
اندلعت الاحتجاجات في فبراير 2011 في سياق موجة “الربيع العربي”، قبل أن تتطور سريعاً إلى مواجهة مسلحة بين القوات الحكومية والتشكيلات المسلحة المعارضة.
ومع تصاعد المواجهات العسكرية، أصدر مجلس الأمن الدولي القرارين 1970 و1973، اللذين مهدا لتدخل عسكري قادته دول حلف شمال الأطلسي، تحت مبرر حماية المدنيين وفرض منطقة حظر جوي. ومع استمرار الضربات الجوية، تراجعت قدرة قوات نظام القذافي على المناورة، وانتهى المشهد بمقتل العقيد معمر القذافي في أكتوبر 2011، لتدخل ليبيا مرحلة انتقالية حملت آمالاً واسعة، لكنها كانت تخفي تحديات أكثر تعقيداً.
كان الاعتقاد السائد آنذاك أن إسقاط النظام سيمهد تلقائياً لبناء دولة ديمقراطية، إلا أن الواقع أثبت أن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة قيام الدولة. فقد ورثت ليبيا فراغاً مؤسسياً كبيراً، حيث انه لم تكن هناك مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة قادرة على فرض القانون أو احتكار العنف، وبدلاً من دمج التشكيلات المسلحة التي شاركت في القتال داخل مؤسسات الدولة، احتفظ معظمها بسلاحها ونفوذها، وتحولت تدريجياً إلى مراكز قوة مستقلة تفرض نفوذها على المدن والموانئ والمنشآت الحيوية.
وفي هذه المرحلة، أصبحت هذه التشكيلات المسلحة لاعباً رئيسياً في المعادلة الليبية. فقد سيطرت مجموعات منها على طرابلس، ومصراتة، والزنتان ومدن أخرى، بينما ظهرت تشكيلات محلية ذات ولاءات متباينة، بعضها ارتبط بحسابات مناطقية أو قبلية، وبعضها تأثر بتوجهات أيديولوجية مختلفة. ومع غياب مؤسسة عسكرية موحدة، أخذت سلطة الدولة تتراجع لصالح موازين القوة على الأرض وتحول السلاح من أداة لإسقاط النظام إلى وسيلة لإعادة تشكيل النظام الجديد.
وفي عام 2012 جرت انتخابات المؤتمر الوطني العام، في محاولة لإطلاق مسار سياسي جديد، إلا أن الخلافات حول شكل الدولة، وتقاسم السلطة وإدارة المرحلة الانتقالية، سرعان ما انعكست على المشهد الأمني. ومع تعثر بناء المؤسسات، توسعت رقعة الانقسام السياسي، وأصبحت القرارات الحكومية رهينة موازين القوى التي تفرضها التشكيلات المسلحة، مما ادي الي أضعاف قدرة الدولة في بسط سيادتها على كامل الأراضي الليبية.
والعوامل الداخلية ليست مسؤولة وحدها عن هذا التحول، فقد بدأت ليبيا تجذب اهتماماً متزايداً من القوى الإقليمية والدولية، ليس فقط بسبب احتياطاتها النفطية الضخمة، وإنما أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط شمال أفريقيا بمنطقة الساحل والصحراء، ويطل على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط. وأصبحت الساحة الليبية مجالاً لتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية، وهو ما أضفى على الأزمة أبعاداً تتجاوز حدودها الوطنية.
أما الجنوب الليبي، فقد تحول إلى أحد أكثر المناطق هشاشة، مع اتساع حركة السلاح والمقاتلين عبر الحدود، وتزايد نشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية. وأصبحت الحدود مع تشاد والسودان والنيجر أكثر انفتاحاً على التحديات الأمنية، في ظل تراجع قدرة الدولة على الرقابة والسيطرة، الأمر الذي جعل أمن ليبيا وأمن جوارها الإقليمي أكثر ترابطاً من أي وقت مضى.
ومع حلول عام 2014، وصلت الأزمة إلى نقطة تحول جديدة. فقد تصاعدت الخلافات السياسية والعسكرية بصورة غير مسبوقة، وبرزت معسكرات متنافسة، بينما أطلق اللواء المتقاعد آنذاك خليفة حفتر عملية “الكرامة”، معلناً أنها تستهدف مواجهة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتشددة. وفي المقابل، تشكلت تحالفات عسكرية وسياسية مضادة، لتدخل ليبيا مرحلة انقسام مؤسسي بين سلطات متنافسة، وليتحول الصراع من نزاع على إدارة المرحلة الانتقالية إلى صراع على شرعية الدولة نفسها.
كشفت هذه المرحلة عن حقيقة استراتيجية بالغة الأهمية؛ وهي أن انهيار النظام قد يحدث في أسابيع، أما إعادة بناء الدولة فتحتاج إلى سنوات طويلة وإلى مؤسسات قادرة على إدارة التعدد السياسي والأمني. كما أثبتت أن الفراغ في الدول ذات الموقع الجيوسياسي الحساس لا يبقى فراغاً، بل تمتلئ مساحته سريعاً بقوى محلية وإقليمية ودولية تسعى إلى حماية مصالحها وإعادة رسم موازين النفوذ.
وهكذا، دخلت ليبيا منذ عام 2014 مرحلة أكثر تعقيداً، لم يعد فيها الصراع يدور بين سلطة ومعارضة، بل بين مشاريع سياسية وعسكرية متنافسة، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع رهانات القوى الإقليمية والدولية. وأصبح مستقبلها جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي والدولي.


