مقدمة
تبدو الحرب في السودان اليوم أقرب إلى نقطة تحول جديدة، بعد تزامن الحديث عن مبادرات دولية لوقف إطلاق النار مع استمرار تقدم القوات المسلحة السودانية في عدد من المحاور، ولا سيما في إقليم دارفور وولاية النيل الأزرق، وإعلانها استعادة مدينة الكرمك الحدودية.
هذا التزامن بين النشاط الدبلوماسي والتطورات الميدانية ليس مصادفة، إذ تؤكد تجارب النزاعات أن طاولات التفاوض غالباً ما تتحرك عندما تتغير موازين القوى على الأرض، وأن كل طرف يسعى إلى تحسين موقعه العسكري قبل الدخول في أي تسوية سياسية.
أولاً: الكرمك… أكثر من انتصار ميداني
يمثل إعلان استعادة مدينة الكرمك تطوراً يتجاوز قيمته العسكرية المباشرة، نظراً لموقع المدينة على الحدود الشرقية للسودان وما تمثله من أهمية في أمن ولاية النيل الأزرق.
فمن منظور استراتيجي، تعني السيطرة على المناطق الحدودية تعزيز قدرة الدولة على ضبط الحدود والحد من تحركات الجماعات المسلحة وخطوط الإمداد غير النظامية، كما تمنح القوات المسلحة هامشاً أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها العملياتية.
وبالتوازي مع ذلك، تحدثت تقارير عن استمرار العمليات في شمال وغرب دارفور، وهو ما يشير إلى أن مسرح العمليات بات يشهد ضغوطاً متزامنة على أكثر من محور.
ثانياً: هل تغير الميدان حسابات السلام؟
في الوقت الذي تتحدث فيه أطراف دولية عن فرص لوقف إطلاق النار، تشير الوقائع العسكرية إلى أن كل طرف ما يزال يسعى إلى تحسين موقعه قبل أي تفاوض.
ولهذا، فإن السؤال المطروح لم يعد: هل توجد مبادرات للسلام؟ وإنما: هل تسمح موازين القوى الحالية بفرض تسوية مستقرة وقابلة للتنفيذ؟
فالسلام المستدام لا يقوم فقط على وقف إطلاق النار، وإنما على وجود ترتيبات أمنية وسياسية تحظى بقبول الأطراف وتمنع عودة القتال.
ثالثاً: القرن الأفريقي يدخل مرحلة إعادة التموضع
أعادت التصريحات المتبادلة بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ومسؤولين إريتريين تسليط الضوء على حجم التحولات التي يشهدها القرن الأفريقي.
فقد تحدث آبي أحمد عن ما وصفه بتقارب بين أطراف إقليمية مختلفة، بينما رفضت إريتريا هذه الاتهامات ووجهت بدورها انتقادات حادة للسياسات الإثيوبية.
ويكشف هذا السجال أن الحرب السودانية لم تعد قضية داخلية فقط، بل أصبحت جزءاً من توازنات الأمن الإقليمي، حيث تنظر دول الجوار إلى تطوراتها باعتبارها مؤثرة في أمنها القومي.
رابعاً: السودان في قلب التنافس الإقليمي
ساهم الموقع الجغرافي للسودان، وامتداده بين القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومنطقة الساحل، في جعله جزءاً من شبكة معقدة من المصالح الإقليمية.
ولهذا، فإن أي تغير في ميزان القوى داخل السودان ينعكس مباشرة على حسابات الدول المجاورة، سواء فيما يتعلق بأمن الحدود أو حركة التجارة أو قضايا البحر الأحمر أو توازنات القرن الأفريقي.
كما أن استمرار تبادل الاتهامات بشأن تدخلات خارجية في النزاع، سواء من الحكومة السودانية أو من تقارير وتصريحات صدرت عن بعض البرلمانيين ووسائل الإعلام والمنظمات الدولية، في مقابل نفي الدول المعنية لتلك الاتهامات، يعكس حجم التشابك الذي يحيط بالأزمة السودانية.
خامساً: هل تتراجع البيئة الإقليمية الداعمة لاستمرار الحرب؟
تشير بعض التقارير إلى تغيرات في مواقف بعض دول الجوار، وإلى تشديد إجراءات على الحدود، بالتزامن مع استمرار الضغوط الدولية الرامية إلى احتواء النزاع.
ورغم صعوبة الجزم بحجم تأثير هذه المتغيرات، فإن أي تضييق على مسارات الإمداد أو التمويل أو الحركة عبر الحدود يمكن أن يؤثر في القدرات العملياتية للأطراف المتحاربة، وهو ما يجعل البيئة الإقليمية عاملاً لا يقل أهمية عن التطورات العسكرية داخل السودان.
سادساً: الدبلوماسية السودانية أمام اختبار جديد
في ظل هذه المتغيرات، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك دبلوماسي سوداني أكثر فاعلية، يعمل على توظيف المكاسب الميدانية في تعزيز الموقف السياسي، مع تكثيف التواصل مع الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والشركاء الإقليميين والدوليين.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء رؤية متكاملة تربط بين الأمن والتنمية وإعادة الإعمار، لأن أي إنجاز عسكري لن يحقق أهدافه الاستراتيجية ما لم يتحول إلى استقرار دائم ومؤسسات دولة فاعلة.
خاتمة
تكشف تطورات الأيام الأخيرة أن السودان يقف عند لحظة مفصلية؛ فالتقدم العسكري في بعض الجبهات، والحراك الدبلوماسي المكثف، والتوترات المتصاعدة في القرن الإفريقي، كلها عوامل تعيد رسم المشهد الاستراتيجي.
ولذلك، فإن مستقبل الأزمة لن تحدده العمليات العسكرية وحدها، كما لن تصنعه المبادرات السياسية بمعزل عن الواقع الميداني، وإنما سيتشكل من خلال التفاعل بين ميزان القوى العسكري، والتحركات الدبلوماسية، وقدرة الدولة على استثمار أي تقدم لتحقيق سلام مستدام.
ويبقى السودان اليوم أمام فرصة لإعادة بناء موقعه الإقليمي وتعزيز أمنه القومي، شريطة أن تتحول المكاسب العسكرية إلى مشروع سياسي جامع يحافظ على وحدة الدولة، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون عنوانها استعادة الاستقرار وبناء السلام.


