Popular Now

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… من يحكم وعينا… نحن أم الخوارزميات؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. احمد المفتي رقم 6141 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) لقد اعجز القوي السياسية ، ان تتوحد ، فلماذا لا ” تتوافق” ؟

وجه الحقيقة | التنمية المؤجلة… أولى الإجابات .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… من يحكم وعينا… نحن أم الخوارزميات؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في ازمنة غير بعيدة…
كانت الشعوب تخشى أن تُصادر حريتها.
أن يُمنع الإنسان من الكلام.
أن تُحجب عنه المعلومة.
أن تُغلق الصحيفة.
أن يُصادر الكتاب.
وكان الناس يعرفون، بوضوح، أين تبدأ السلطة وأين تنتهي.
أما اليوم…
فإن السلطة لم تعد دائمًا بحاجة إلى أن تمنعك من أن ترى…
بل يكفيها، أحيانًا، أن تختار لك ما تراه.
ولم تعد مضطرة إلى أن تملي عليك ما تؤمن به…
بل يكفيها أن تعيد ترتيب العالم أمام عينيك، حتى تصل إلى النتيجة التي تريدها بنفسك.
لقد تغيرت طبيعة السلطة.
وتغيرت معها طبيعة الحرية.
وتغير، قبل ذلك كله، معنى الاختيار.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.

أولًا… السلطة لم تعد تحتل الأرض أولًا… بل تحتل الإدراك
عرف التاريخ أشكالًا كثيرة للسلطة.
سلطة السلاح ، سلطة المال ، سلطة القانون وسلطة الإعلام.
لكن القرن الحادي والعشرين أضاف طبقة جديدة، أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا.
لم يعد السؤال:
من يسيطر على الأرض؟
بل:
من يسيطر على الطريقة التي نرى بها الأرض؟
فالإنسان لا يتحرك وفق الواقع كما هو…
بل وفق الصورة التي يحملها عن الواقع.
ومن ينجح في تشكيل تلك الصورة…
لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على الجغرافيا.
يكفيه أن يسيطر على الإدراك.

ثانيًا… حين تغير معنى الحرية
كنا نظن أن الحرية تعني أن يختار الإنسان.
لكن التجربة الرقمية كشفت أن السؤال الأهم ليس:
هل اخترنا؟
بل:
من صاغ البيئة التي اخترنا داخلها؟
فالإنسان لا يختار في الفراغ.
إنه يختار من بين ما يراه.
وما يسمعه.
وما يتكرر أمامه.
وما يختفي عنه.
فإذا أصبحت هذه البيئة تُدار من خارج وعيه…
فقد يحتفظ بحرية القرار…
ويفقد، في الوقت نفسه، حرية الاختيار.
وهنا يظهر أخطر تحولات عصرنا.

ثالثًا… استعمار الاختيار
ربما لم يعد أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان في عصرنا أن تُسلب منه حرية الاختيار…
بل أن يُترك يختار داخل مساحة صُمِّمت له مسبقًا.
فالقوة الحديثة لا تعمل دائمًا بمنطق المنع…
بل بمنطق التوجيه الهادئ.
إنها لا تقول لك:
لا تفكر.
بل تحدد لك ما الذي يستحق أن تفكر فيه أولًا.
وما الذي يمكن تأجيله.
وما الذي يختفي تمامًا من مجال رؤيتك.
وهكذا يصبح الإنسان مقتنعًا بأنه اختار بإرادته…
بينما كانت البيئة التي اتخذ فيها قراره قد أُعيد تشكيلها قبل أن يصل إليها.
وهنا يتجاوز الأمر حدود التكنولوجيا إلى منطق السلطة نفسه.
فالسيطرة لم تعد تُمارس عبر مصادرة الرأي…
بل عبر هندسة الخيارات.
لم يعد المطلوب أن تُفرض عليك قناعة بعينها…
بل أن تُحاصر داخل مجموعة محدودة من القناعات تبدو لك وكأنها العالم كله.
وهذا هو ما يمكن أن نسميه…
> استعمار الاختيار.
حيث لا يُحتل العقل بالقوة…
بل تُحتل البيئة التي ينتج فيها العقل أحكامه.
وحين تبلغ السلطة هذه المرحلة…
يصبح الإنسان أكثر استعدادًا للدفاع عن خيارات لم يصنعها بنفسه…
لأنه يظن أنها وُلدت من إرادته الحرة.

رابعًا… الخوارزمية… السلطة التي لا تحتاج إلى الظهور
لهذا لا تكمن خطورة الخوارزميات في أنها أذكى من الإنسان.
بل في أنها تعمل بصمت.
لا تخطب.
ولا تجادل.
ولا تطلب منك الإذن.
إنها تكتفي بأن تقرر، في كل لحظة، ما الذي سيظهر أمامك.
وما الذي سيختفي.
وما الذي سيتكرر حتى يصبح مألوفًا.
فالخوارزمية لا تكتب أفكارك…
لكنها كثيرًا ما تختار المواد الخام التي ستبني منها أفكارك.
ولذلك فهي لا تحكم العقول مباشرة…
بل تحكم الطريق المؤدي إليها.

خامسًا… السودان… حين أصبح الوعي ميدانًا للصراع
في السودان…
قد تبدو المعركة سياسية.
أو عسكرية.
أو إعلامية.
لكنها، في عمقها، معركة على الإدراك.
فكل رواية لا تبحث فقط عن أن تُسمع…
بل عن أن تُرى أولًا.
وكل طرف لا يريد أن يقنع الناس بالحقيقة التي يراها فحسب…
بل يريد أن يجعلها الحقيقة الوحيدة التي تصل إليهم.
ولهذا لم يعد السودانيون يختلفون في تفسير الحدث فقط…
بل في الحدث الذي عرفوه أصلًا.
وكأن الوطن الواحد…
صار يعيش داخل عوالم رقمية متعددة.

سادسًا… أخطر أوهام العصر
لم يعد الوهم الأكبر هو تصديق الكذب.
بل الاعتقاد بأن ما نراه…
هو كل ما يستحق أن يُرى.
فالخوارزمية لا تمنع الحقيقة دائمًا.
إنها قد تجعلها بعيدة عن مجال الرؤية.
وهذا يكفي.
لأن الإنسان لا يبني مواقفه على كل ما هو موجود…
بل على ما حضر إلى وعيه.
ولهذا فإن تغييب بعض الوقائع…
قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من اختلاق وقائع جديدة.
سابعًا… استعادة السيادة على الوعي
ليست القضية أن نعادي التكنولوجيا.
ولا أن نهرب من العالم الرقمي.
بل أن نستعيد حق الإنسان في أن يرى أكثر مما يُعرض عليه.
وأن يبحث عما لم تقترحه عليه الشاشة.
وأن يراجع ما بدا له بديهيًا.
فالوعي المستقل لا يبدأ عندما نجد الإجابات الصحيحة…
بل عندما نستعيد القدرة على طرح الأسئلة التي لم يُرِد أحد أن نطرحها.

#أصل_القضية…
لم تعد أخطر معارك هذا العصر…
تلك التي تدور على الحدود.
بل تلك التي تدور داخل الوعي.
ومن منظور الجسر والمورد…
فإن الخوارزميات ليست مجرد أدوات تقنية…
بل جزء من البنية الاستراتيجية التي يُعاد من خلالها تشكيل المجتمعات.
ومن ينجح في إدارة ما يراه الناس…
يقترب من إدارة ما يفكرون فيه.
ومن ينجح في إدارة ما يفكرون فيه…
يقترب من إدارة ما يقررونه.
ومن ينجح في إدارة ما يقررونه…
لا يحتاج، في كثير من الأحيان، إلى أن يفرض عليهم شيئًا بالقوة.
لأنهم سيفعلونه، وهم يظنون أنهم اختاروه بحرية.
وهكذا تتكشف طبقات السلطة الجديدة؛ فمن يملك الانتباه يملك التأثير، ومن يملك المشاهدة يقترب من صناعة السلطة، ومن يملك الخوارزمية يصبح قادرًا على هندسة الاختيار ذاته.
ولهذا فإن معركة السودان القادمة لن تكون فقط معركة إعادة بناء المدن…
ولا استعادة الاقتصاد…
ولا إصلاح المؤسسات.
بل ستكون، قبل ذلك كله، معركة استعادة السيادة على الوعي.
فقد تستطيع الأمم أن تحرر أرضها…
وأن تعيد بناء دولتها…
لكنها إذا فقدت سيادتها على طريقة تفكيرها…
فإنها قد تخسر كل ذلك مرة أخرى.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم… ليس أن تُسلب حريتها بالقوة، بل أن يُعاد تعريف الحرية أمامها حتى لا تكتشف أنها فقدتها. فحين يظن الإنسان أن كل ما يراه قد اختاره بنفسه، بينما كانت حدود اختياره قد رُسمت له مسبقًا، تكون السلطة قد بلغت أعلى درجاتها؛ لأنها لم تعد تحتاج إلى الإكراه… بل اكتفت بإعادة هندسة الإرادة ذاتها.

لقد أدركت القوى الجديدة أن السيطرة على الإنسان لا تبدأ حين يقتنع، بل حين ينتبه. فالعقل لا يفكر في كل شيء، وإنما يفكر فيما ينجح أولًا في جذب انتباهه. ولهذا أصبحت معركة العصر ليست على امتلاك الحقيقة، بل على امتلاك لحظة الانتباه الأولى. ومن يربح تلك اللحظة… يملك فرصة أكبر لقيادة ما يأتي بعدها من فهم، وقناعة، وقرار.

ولهذا…
فإن السؤال الذي ينتظرنا لن يكون:
كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
ولا:
كيف تعمل الخوارزميات؟
بل سؤالًا ربما يكون أخطر من ذلك كله…
لماذا ينتصر المثير على المهم؟
لأن أخطر ما في عصر الخوارزميات… ليس أنها تغيّر ما نفكر فيه، بل أنها تغيّر ما يستحق أن نفكر فيه أصلًا.

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6141 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) لقد اعجز القوي السياسية ، ان تتوحد ، فلماذا لا ” تتوافق” ؟

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *