في الحروب، لا تُقرأ الخطب السياسية والعسكرية بمعزل عن تطورات الميدان، بل تُعد امتداداً للمعركة بوسائل مختلفة. ومن هذا المنطلق، فإن الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وما صاحبه من تحركات لتحالف “تأسيس”، يستحق قراءة متأنية، ليس فقط من حيث ما قيل فيه، وإنما من حيث توقيته ورسائله وما أغفله من قضايا جوهرية.
فقد جاء الخطاب بعد سلسلة من التطورات العسكرية التي شهدتها ولايات كردفان ودارفور، وبعد تزايد الحديث عن خسائر ميدانية وتراجع في بعض المحاور، الأمر الذي جعله موضع اهتمام واسع لدى المراقبين، باعتباره مؤشراً على طبيعة المرحلة المقبلة.
توقيت الخطاب… لماذا الآن؟
ليس من قبيل المصادفة أن يأتي الخطاب في هذا التوقيت. فالقيادات العسكرية عادة ما تلجأ إلى مخاطبة قواعدها بصورة مباشرة عندما تمر العمليات الميدانية بمنعطفات حساسة، سواء لرفع الروح المعنوية، أو لتأكيد تماسك القيادة، أو لاحتواء الشائعات التي تنتشر خلال الحروب.
وعليه، فإن توقيت الخطاب يوحي بأن القيادة أرادت إرسال رسالة إلى أنصارها قبل أن تكون رسالة إلى خصومها، مفادها أن قواتها ما زالت قادرة على مواصلة القتال، وأن التطورات الأخيرة لن تؤدي إلى انهيار بنيتها التنظيمية.
ماذا كشف الخطاب؟
كشف الخطاب عدة رسائل ضمنية يمكن قراءتها سياسياً وعسكرياً.
أولها، الاعتراف غير المباشر بأن المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة، وأن طبيعة العمليات العسكرية فرضت تحديات جديدة تستوجب إعادة ترتيب الأولويات.
وثانيها، محاولة المحافظة على تماسك القواعد العسكرية والسياسية، عبر خطاب يغلب عليه طابع التعبئة والاستنفار.
وثالثها، التأكيد على أن القيادة لا تزال ترى أن الحل العسكري والسياسي يسيران معاً، وأن أي مفاوضات مستقبلية ستتأثر بما يجري في الميدان.
هل فقد حميدتي التواصل مع قواته؟
طرح بعض المراقبين هذا السؤال بعد لجوء حميدتي إلى مخاطبة قواته عبر خطاب إعلامي مباشر.
غير أن هذا وحده لا يكفي للاستنتاج بأنه فقد وسائل الاتصال بقياداته أو قواته، إذ إن القيادات العسكرية كثيراً ما تستخدم الخطابات العلنية لرفع المعنويات، وإرسال رسائل موحدة إلى جميع الوحدات المنتشرة في جبهات متعددة، إضافة إلى مخاطبة الرأي العام المحلي والدولي.
لذلك، فإن الخطاب يمكن فهمه بوصفه أداة للتعبئة الإعلامية والسياسية، أكثر من كونه بديلاً عن قنوات القيادة والسيطرة العسكرية.
من يدير قوات الدعم السريع؟
لا توجد معلومات موثقة تشير إلى حدوث تغيير رسمي في هيكل القيادة داخل قوات الدعم السريع.
لكن طبيعة الحرب واتساع مسارح العمليات تفرض عملياً توزيعاً للمهام بين القيادة العليا والقادة الميدانيين، وهو أمر معروف في أغلب النزاعات المسلحة.
ومن ثم، فإن الحديث عن وجود قيادة ميدانية تدير العمليات اليومية لا يعني بالضرورة غياب القيادة السياسية أو العسكرية العليا.
إعلان النزول إلى الميدان… ما دلالاته؟
إعلان حميدتي عزمه الوجود في الميدان يحمل أبعاداً رمزية ومعنوية قبل أن يكون إعلاناً عملياتياً.
فهو يهدف إلى تعزيز الثقة داخل قواته، وإظهار أن القيادة تشارك المقاتلين ظروفهم، كما يحمل رسالة إلى الخصوم بأن القيادة لم تنسحب من المشهد رغم الضغوط العسكرية.
ويبقى الأثر الحقيقي لهذا الإعلان مرتبطاً بما ستكشفه التطورات الميدانية خلال الفترة المقبلة.
أين القائد الثاني؟
أثار الغياب الإعلامي لنائب قائد قوات الدعم السريع تساؤلات عديدة.
غير أن غياب الظهور الإعلامي لا يعني بالضرورة غياب الدور العسكري أو التنظيمي، إذ قد تفرض الاعتبارات الأمنية والعملياتية تقليص الظهور العلني لبعض القيادات.
وفي ظل غياب معلومات موثقة، يبقى أي حديث عن طبيعة هذا الغياب في إطار التحليل، لا الحقائق المؤكدة.
هل هو خطاب هزيمة أم خطاب استنفار؟
من خلال قراءة مضمون الخطاب وتوقيته، يبدو أنه أقرب إلى خطاب استنفار منه إلى خطاب انتصار.
فالخطاب ركز على تعبئة الأنصار، والدعوة إلى مواصلة القتال، وإعادة بث الثقة في القواعد، وهي سمات تظهر عادة عندما تواجه التنظيمات المسلحة ضغوطاً ميدانية أو تحديات تتطلب رفع الروح المعنوية.
ولا يعني ذلك بالضرورة الإقرار بالهزيمة، كما لا يعني تحقيق انتصار حاسم، بل يعكس محاولة إدارة مرحلة انتقالية في مسار الصراع.
من يتحمل مسؤولية التراجعات؟
الحروب لا تُدار بواسطة فرد واحد، كما أن نتائجها لا تُفسر بعامل واحد.
فأي تراجع ميداني قد يرتبط بعوامل عديدة، منها التخطيط، والإمداد، والقدرات اللوجستية، وطبيعة الأرض، ومستوى التنسيق، والدعم الخارجي، وكفاءة القيادة الميدانية.
ولذلك، فإن تحميل المسؤولية لطرف واحد أو شخص واحد يبقى تبسيطاً لمشهد عسكري شديد التعقيد.
تحالف “تأسيس”… بين المشروع السياسي والواقع العسكري
جاء خطاب “تأسيس” في وقت تتزايد فيه المبادرات السياسية لإنهاء الحرب، غير أن نجاح أي مشروع سياسي يظل مرهوناً بقدرته على التعامل مع الوقائع التي أفرزتها الحرب، ومدى قبوله من مختلف القوى السودانية.
فالمعادلة السودانية لم تعد تحكمها الشعارات وحدها، وإنما توازنات الميدان، وحسابات الأمن القومي، ومستقبل الدولة، وهي ملفات تتطلب حلولاً تتجاوز الخطابات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ.
خلاصة القول
تكشف القراءة المتأنية لخطاب حميدتي وتحالف “تأسيس” أن الحرب السودانية تدخل مرحلة جديدة، تتزايد فيها أهمية الرسائل السياسية والإعلامية بالتوازي مع العمليات العسكرية. فالخطاب حمل رسائل تعبئة داخلية، وسعى إلى إظهار تماسك القيادة، لكنه في الوقت نفسه عكس حجم التحديات التي تواجه مختلف أطراف الصراع.
وفي نهاية المطاف، تبقى الوقائع الميدانية، لا الخطابات، هي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الحرب، كما أن أي سلام مستدام لن يتحقق إلا عبر تسوية سياسية سودانية شاملة، تحافظ على سيادة الدولة، وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات العسكرية والسياسية الضيقة.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


